البريد اختراع قديم عرفه الفرس والرومان ولكن الفضل في تقدمه يرجع إلى ما قام به دارا الأول من ربط أجزاء الامبراطورية الفارسية في الشرق الأدنى.. وقال صاحب الفخري: «البريد أن يُجعل خيل مضمرات في عدة أماكن فإذا وصل صاحب الخبر المسرع إلى مكان منها وقد تعب فرسه ركب غيره فرساً مستريحاً وكذلك يفعل في المكان الآخر والآخر حتى يصل بسرعة».

ولفظ البريد قيل انه عربي ومعناه الرسول أو الثابت وقيل انه فارسي مُعرب وأصله بالفارسية (بريده دم) ومعناه محذوف الذنب وذلك لأن الفرس كانوا يحذفون ذنب بغل البريد ليمتاز بذلك عن غيره من الدواب الأخرى.. قال امرئ القيس:

على كل مقصوص الذُّنابي معاود

بريد السرى بالليل من خيل بربر

وفي صدر الإسلام كان الغرض من البريد توصيل أوامر الخلفاء إلى ولاتهم وعمالهم وأخبار الولاة والعمال إلى الخلفاء، ثم توسعوا فيه حتى جعلوا صاحبه عيناً للخليفة، فهو كما ينقل أمره إلى ولاته وعماله، كان رقيباً عليهم، ينقل أخبارهم إليه، كذلك كان يتجسس على الأعداء ويتعرف ما عندهم.. قال الصاحب علاء الدين: «ومن جملة الأشياء وضعهم البريد بكل مكان طلباً لحفظ الأموال، وسرعة وصول الأخبار، ومتجددات الأحوال، فكان البريد مقصوراً على أغراض الدولة، ثم أبيح فيما بعد للرعية أن ينتفعوا به في نقل رسائلهم».

وقد كان البريد معروفاً عند ملوك العرب في الجاهلية وكذلك معروف في صدر الإسلام.. ففي الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: إذا أبردتم إلي بريداً فاجعلوه حسن الوجه، حسن الاسم، وقد ذكر المؤرخون أن المسلمين بينما كانوا يقاتلون الروم في موقعة اليرموك جاء البريد يحمل وفاة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وتولية عمر رضي الله عنهما، وعزل خالد بن الوليد عن قيادة الجند وتولية أبي عبيدة عامر بن الجراح مكانه.

وفي العهد الأموي كان معاوية بن أبي سفيان أول من اهتم بالبريد في الإسلام وذلك لتأتي إليه أخبار البلاد من جميع أطرافها، فأمر بإحضار رجال من دهاقين الفرس وأهل الروم وعرفهم ما يريد فوضعوا له البريد، غير أن أمر البريد نُظم في عهد عبدالملك بن مروان حتى أصبح أداة هامة في إدارة شؤون الدولة، وقد أثر عنه أنه قال لابن الدغيدية: (وليتك ما حضر بابي إلا أربعة المؤذن فإنه داعي الله تعالى فلا حجاب عليه، وطارق الليل فشر ما أتى به، ولو وجد خيراً لنام، والبريد، فمتى جا ء من ليل أو نهار فلا تحجبه، فربما أفسد على القوم سنة حبسهم البريد ساعة، والطعام إذا أدرك، فافتح الباب، وارفع الحجاب، وخل بين الناس وبين الدخول).

وفي العصر العباسي اهتم العباسيون بالبريد واعتنوا به كثيراً واعتمدوا عليه في إدارة شؤون دولتهم، وكان أبو جعفر المنصور يقول: (ما كان أحوجني إلى أن يكون على بابي أربعة نفر لا يكون على بابي أعف منهم، فقيل له: يا أمير المؤمنين من هم ؟ قال: أما أحدهم فقاض لا تأخذه في الله لومة لائم، والآخر صاحب شرطة ينصف الضعيف من القوي، والثالث صاحب خراج يستقصي ولا يظلم الرعية، فإني عن ظلمها عني، والرابع ثم عض على اصبعه السبابة ثلاث مرات، يقول في كل مرة آه.. آه.. فقيل له: من هو يا أمير المؤمنين؟ قال: صاحب البريد يكتب إليّ بخبر هؤلاء على الصحة).

وفي عهده بلغ من نظام أعمال البريد أن عماله كانوا يوافونه بذلك مرتين في كل يوم: من بعد صلاة الفجر، ومن بعد صلاة المغرب من كل يوم، من هنا نجد أن المنصور كان ملماً بأحوال دولته إلماماً تاماً، فيوقف القاضي عند حده إذا ظلم، ويرجع السعر إلى حالته الأولى إذا غلا، وإن رأى تقصيراً من أحد عماله لامه ووبخه.

يقول فون كريمز: (انه كان على رأس كل مصلحة في الولايات الكبيرة عامل بريد مهمته موافاة الخليفة بجميع الشؤون الهامة.. بل والإشراف على أعمال الوالي، كما كان بعبارة أخرى مندوباً أولته الحكومة المركزية ثقتها فكان الخلفاء يعدون عمال البريد عوناً لهم على الإشراف على أمور دولتهم وبواسطتهم كانوا يقفون على أعمال ولاتهم وسائر رجال دولتهم).

ومن هنا نجد أن الخلفاء كانوا لا يولون شؤون البريد إلا ثقاتهم من أهل التعقل والدراية.

أما البريد في الحروب فقد كانت تُنظم أثناءها بُرُد حربية لشؤون الحكومة، فمثلاً لما استطال صاحب القيروان على أرض مصر انهض المقتدر مؤنساً الخادم، وندب معه العساكر لمحاربة صاحب القيروان عام 302هـ وتقدم علي بن عيسى بالترتيب للحرب من مصر إلى بغداد لتبلغه الأخبار كل يوم.. وكان للبري ديوان مركزي كبير في بغداد لتسلم البريد والتقارير المرسلة من مختلف أنحاء البلاد، وكان صاحب البريد يعرض على الخليفة الهام منها ويرسل ما عداها إلى الدواوين المختلفة وهذا هو الفرز للبريد، كما كان للبريد محطات على طول الطريق، وقد يعمد الملوك أو الأمراء إلى الحيطة والحذر فيجعلون بينهم وبين صاحب بريدهم علامة يتفقون عليها سراً فلا يعتمد أحدهم كتاب صاحب بريده إلا إذا كان متسماً بتلك العلاقة المتفق عليها ولو كان الكتاب بخط صاحب البريد نفسه وبختمه إذ قد يفعل ذلك بالرغم منه كما حدث عندما دعا المنصور إليه أبو مسلم الخرساني فقد خاف عاقبة تلك الدعوة، ومن هنا نجد أن السرية فيما يخص البريد كانت من أولويات الخلفاء والأمراء والولاة في الدولة الإسلامية.

ومع أن المسلمين قد تطور نظام البريد لديهم، إلا أنهم لم يكتفوا بذلك التطور بل خطوا خطوات واسعة في تنظيم نقلة وسرعة وصوله واستعملوا في ذلك الحمام الزاجل وقد اعتنى خلفاء بني العباس كالمهدي ثالث الخلفاء بهذا الحمام الرسائلي وتنافس فيه رؤساء الناس في العراق وقد بالغوا في أثمانه حتى بلغ الطائر منها سبعمائة دينار.

وفي أوائل القرن الرابع الهجري نجد أخباراً كثيرة عن استخدام الحمام في نقل البريد وسرعة توصيل الأخبار ومن ذلك أنه لما تقلد حامد بن العباس الوزارة عام 304هـ وروسل بالقدوم على الخليفة كتب على عدة أطيار بخروجه من يومه وقد ذكر الشمالي بقوله: ان الرسائل كانت تصل في ذلك العصر من الرقة والموصل إلى بغداد وواسط والبصرة والكوفة بواسطة الحمام الزاجل في يوم وليلة.

وقد استعمل المسلمون في مراسلاتهم طريقة أخرى أسرع من الحمام وهي بناء المنائر كالأبراج العالية على المرتفعات ونقل الإشارات عليها بإشعال النار أو نحوه.. ومن هنا ينتقل الخبر بها من منظرة إلى منظرة حتى يبلغ المكان المطلوب واستخدم هذه الطريقة الحجاج بن يوسف واتخذ المناظر بينه وبين قزوين وكان إذا دخن أهل قزوين دخلت المناظر إن كان نهاراً وإن كان ليلاً أشعلوا النار، وكانت المناظر متصلة بين قزوين وواسط فيصل الخبر في وقت قصير واستخدمها المسلمون استخداماً حسناً في القرن الثالث الهجري على الساحل الافريقي الشمالي فقد كانت الرسائل تصل من الاسكندرية إلى سبته في ليلة واحدة ومن طرابلس إلى الاسكندرية في ثلاث ساعات.. وقد ذكر القلقشندي فصلاً مفيداً عن هذه المناور ختمه بكلمة قال فيها: (على أن مرتبها بهذه المملكة أولاً أتى بحكمة مملوكية لا تساوي مقداراً، إذ قد ترقى في سرعة بلوغ الأخبار إلى الغاية القصوى، وذلك أن البريد يأتي من سرعة الخبر بما يأتي به غيره، والحمام يأتي من الخبر بما هو أسرع من البريد، والمناور تأتي من الخبر بما هو أسرع من الحمام، وناهيك أن يظهر عنوان الخبر في الفرات بمصر في مسافة يوم وليلة) ومن هنا فإن البريد في عصر الدولة الإسلامية كان من الأهمية بمكان، حيث كان الخلفاء والأمراء والولاة يعتمدون عليه وبشدة في تدبير شؤون الدولة.