وأقرأ في ملحق جريدة المدينة الصادر في يوم الأربعاء 1429/3/18ه، قصيدة للدكتور عبدالله بن أحمد الفيفي، بعنوان (يا وجءد قُلء)، وقد كتب القصيدة، من بحر سماه (المسحوب)، وقال عن قصيدته هذه:- (هذه القصيدة، جاءت على وزن (المسحوب) في الشعر العامي، وهو يختلف عن البحر السريع في الشعر الفصيح في تفعيلتي عروضه وضربه، إذء يأتي في الفصيح، في حالة التمام على:- (مفءعلا - مفءعلا) (مفءعلا - مفعلاتء) (مفءعلا - مفءعو) (فَعلا - فَعلا - مفعو) وفي المشطور على:- (مفعولات - مفعولا) وقد استرعى نظري ما كتبه الدكتور الفيفي، الذي تطرَّق إلى (البحر السريع) بحديث يحتاج إلى مراجعة وتمحيص.. البحر السريع، أيها الدكتور الفاضل، هو من دائرة المشتبه، وهذه الدائرة، ينفك منها ستة أبحر مستعملة، وثلاثة مهملة. ومن هذه الأبحر المستعملة، البحر المضارع الذي يتقدم هذه الأبحر الستة، لأن أوله وتد مجموع، إلا أن هذا البحر لم يأت قط مستوفياً أجزاءه التي له في أصل الدائرة، ولا يجيء أيضاً إلا معلولاً، إما بالقبض، وإما بالكف. وقد كره علماء العروض أن يقدموا بحراً بهذا الشكل فأخروه، ثم رأى علماء العروض أن لا يقدموا البحرين:- المجتث والمقتضب، لكون كل منهما لم يأت إلا مجزوءاً، وهما بحران قلّ ورودهما في الشعر العربي القديم والحديث. ولم يأت مستوفياً عدد أجزاء الدائرة، غير ثلاثة أبحر، هي:- السريع، والمنسرح والخفيف. وكان السريع أولاهما بالتقديم، لتقدم الجزءين اللذين فيهما وتد مجموع، على الجزء الذي فيه وتد مفروق. والمجموع أقوى من المفروق. فقدموا في الدائرة البحر السريع على جميع الأبحر المستعملة الخارجة من دائرة المشتبه.. وانظر ما جاء مفصّلاً عن دائرة المشتبه في كتب العروض.

وأعود إلى ما كتبه الدكتور عبدالله الفيفي، يقول (حفظه الله):- (إذء تأتي عروض وضرب البحر السريع في الفصيح في حالة التمام، وهو يعني في حالة (التام)، لأني لا أعرف التمام. والتام:- هو البيت الذي استوفى جميع تفعيلاته، كما هي في دائرته وهذا لا يطلق إلاَّ على نوع من البحر الكامل، وعلى أول البحر الرجز. والبحر الهزج، لا يسمى تاماً، لأنه لا يأتي إلا مجزوءاً، فلا يستوفي جميع تفعيلاته، وكذلك البحر المديد والبحر المضارع والبحر المقتضب والبحر المجتث. ولا يسمى البحر الخفيف تاماً أيضاً، لدخول التشعيث على ضربه، كما يدخل التشعيث على عروضه في حالة نادرة جداً..

وبيت الشعر من البحر السريع، يسمَّى وافياً إذا استوفى جميع أجزائه ولا يسمَّى البحر السريع تاماً قط، ووزن البحر السريع في دائرته:- (مسءتفعلنء/ مسءتفعلنء/ مفعولاتُ) مرتان. وقد سُمّي بالبحر السريع لسرعته في الذوق والتقطيع. وله أربع أعاريض:-

وقد أشار الدكتور عبدالله بن أحمد الفيفي إلى بعض هذه الأعاريض وبعض هذه الأضرب، إلاَّ أنه ذكر للبحر السريع، ضرباً (مفءعلا) وهو الضرب المطوي المكشوف، أي (فاعلنء) ولم يذكر الضرب (فاعلانء) وهو الضرب الوافي المطوي الموقوف، وشاهده:-

أزءمانُ سلءمى لا يرى مثلها ال

راءون في شامٍ ولا في عراقء

ونقطع البيت هكذا:-

وذكر العروض الثالثة المشطورة الموقوفة (مفعولاتء) بسكون التاء، وتسمى (مفعولانء) بسكون النون، وهذه العروض هي الضرب أيضاً، وشاهده:-

(ياصاحِ ما هاجَكَ من ربءعٍ خَالء)

فالعروض والضرب معاً (ربعٍ خالء) والوزن (مفءعولانء) كما أشار إلى العروض الرابعة المشطورة المكشوفة وسماها (مفعولا) وهو يعني (مفعولنء)، وشاهده:-

(ياصاحِبَيء رحءلي أقِلاَّ عذءلي)

فالعروض والضرب معاً (لا عذءلي) والوزن (مفعولنء) بتسكين النون وهذا هو المشهور من أعاريض البحر السريع وأضربه...

وللبحر السريع شواذ. فمن ذلك أن يأتي للعروض الثانية المخبولة المكشوفة (فعِلنء) بتحريك العين، ضرب ثان أصلم (فعءلنء) بتسكين العين، وهو ما يلتبس بخامس البحر الكامل، إذا أُضءمرتء أجزاؤه، كقصيدة الحارث بن حلّزة:-

لمنِ الديار عفَوءنَ بالحبءسِ

آياتُها كمهارقِ الفرءسِ

فهذه القصيدة من خامس البحر الكامل، وليست من البحر السريع الأصلم الضرءب، وإن التبس أمرها على بعض المتأخرين من علماء العروض، لأن بعض أجزاء هذا البيت، جاء على (متَفاعِلنء) بتحريك التاء:- (لمن دديا) (5115111). وتختلف آراء العروضيين في هذا الضرب. فابن عبدربه، يعدّه من أضرب البحر السريع، وأما ابن عبَّاد، في كتابه (الإقناع) فيُهمله..

وللمرقش الأكبر، قصيدة طويلة، جمع فيها بين الضربين، ففي القصيدة، واحد وعشرون بيتاً من أبياتها، جاءت بضرب (أصءلم). يقول المرقّش الأكبر:-

هلء بالديار أنء تجيب صممء

لو كانَ رسءمٌ ناطقاً كلَّمء

الدار قَفءرٌ والرسومُ كما

رقَّش في ظهر الأديم قلَمء

ديارُ أسماء التي تَبَلَتء

قلءبي فعيءني ماؤها يسءجُمء

النشءرُ مِسءكٌ والوجوُه دنا

نيرٌ وأطءرافُ البَنانِ عنَمء

وتجمع هذه الأبيات، نوعين من القافية، فالقافية (كلّمء) بتشديد اللام وتسكين الميم، والقافية (يسءجمء) بتسكين السين والميم، من المتواتر، حيث يفصل بين ساكنيءها، متحرك واحد.. والقافية (الأديم قلَمء) و(البنانُ عنَمء)، من المتراكب، حيث يفصل بين ساكنيءها ثلاث متحركات، وهذه لا ترد في الشعر العربي القديم أو الحديث..

وفي هذه القصيدة، قصيدة المرقّشِ الأكبر، البيت:-

ما ذنءبنا في أنء غزا مَلِكٌ

منء آلِ جَفءنةَ حازِمٌ مرءغِمء

فقوله:- (نةَ حازمنء) ووزنها (5115111) متَفاعِلنء، ومتى كان في القصيدة (متَفاعلنء) بتحريك التاء، ولو جزءاً واحداً كانت القصيدة من البحر الكامل. إلاّ إذا روينا من (آل جفنهء حازم) بقلب التاء هاء في الوصل، فيصير الجزء (مسءتفعلنء)، وهذا يخالف رواية البيت الصحيحة التي لا تغير الفصءحى..

وللفائدة، فاسم المرقّش الأكبر:- عوف بن سعد بن مالك، من قبيلة بكر بن وائل. والمرِقّش:- بكسر القاف المشددة، هو لقب غلب عليه، لقوله:-

الدارُ وحءشٌ والرسومُ كما

رَقَّشَ في ظهءر الأديمِ قلَمء

وهناك المرقش الأصغر، واسمه:- ربيعة بن سفيان بن سعد، وهو ابن أخ للمرقش الأكبر. والمرقش الأصغر، عم طرفة بن العبد، الشاعر المعروف.

وإذا نظرنا إلى قصيدة الدكتور الفيفي، التي سماها بالمسحوب، نجد في أبياتها ما نقطعه هكذا:

أطءوي عناويني بأمسءي لأَمءشي

في خطءوتي شوقُ الندى للورودِ

ونقطع الشطر الأول:-

فهذا الشطر من البيت، يشبه الشطر الأول من قول الشاعر:-

إنء تسءألي فالمجءد غيرُ البديعِ

قد حلَّ في تيءمٍ ومخءزومِ

ونقطع الشطر الأول من البيت، هكذا:

فتأتي العروض تامة مطوية.. والبيت من شواذ البحر السريع الذي لا تلتزم علَّة الكشف في أعاريضه.. وهذا ما يقرره علماء العروض الذين أستقي ما أكتبه عن هذا العلم الجليل، من كتبهم التي كادتء تنءقرضُ في هذا الزمان الرديء.. ويقولون (رحمهم الله):- وللسريع من الأبيات المتغيرة ثلاثة:- مخبون، ومطوي، ومخبول، فبيته المخبون قول الشاعر:-

أرِدء من الأمورِ ما ينءبغي

وما تُطيقُه وما يسءتقيمء

ونقطعه هكذا:-

وبيته المطوي، قول الشاعر:-

قالَ لها وهو بها عالمٌ

ويءحكِ أمثءالُ طريفٍ قليلء

ونقطعه هكذا:-

وبيته المخبول، قول الشاعر:-

وبلَدٍ قطَعه عامرٌ

وجَملٍ نَحَرهُ في الطريقء

ونقطعه هكذا:-

وقد أورد علماء العروض، هذه الأبيات الثلاثة، لتكون شواهد للتغيير الذي يحدث في البحر السريع. ويذكر اسماعيل بن حماد الجوهري (رحمه الله) (صاحب الصحاح) ان الضرب السابع الذي هو (يا صاحِبيء رحلي أقلاّ عذلي) ليس من البحر السريع، وإنما هو من مشطور الرجز المقطوع. صارت (مسءتفعلنء) بالقطع (مستفعلء) ونقلت إلى (مفعولنء) ولا يؤيد قوله هذا علماء العروض الآخرون، وكلهم على خلافه (رحمهم الله).

وأخيراً، فلا تقال للعروض، عروض تامة، إلا إذا سلمت من الزحاف، وكان بيتها مستوفياً عدد أجزاء دائرته، والعروض المجزوءة، هي العروض التي ذهب من بيتها جزءان: جزء من آخر صدره، وجزء من آخر عجزه، والعروض المشطورة هي التي ذهب شطر بيتها، والعروض المنهوكة هي التي ذهب ثُلثا بيتها، والعروض هي التي أصلها (مفعولاتُ) بضم التاء، سُكنت تاؤها للوقف وبقي (مفعولاتء) بالسكون، خلفه (مفعولانء) والأعاريض المستعملة في الشعر العربي، ست وثلاثون عَروضاً، والضروب المستعملة معها ستون ضرباً.

وأعود الى قصيدة الشاعر المبدع الاستاذ الدكتور عبدالله بن احمد الفيفي التي سمّى وزنها (المسحوب)، وإني أسمي وزنها: (الوزن الفيفي) لأن القصيدة (يا وجءد قلء)، كتبها الشاعر الفيفي، على أساس رؤية إيقاعية لم تخرج عن إطار علم الخليل بن احمد (رحمه الله) وقد اضاف الدكتور الشاعر عبدالله الفيفي، بعمله هذا لعلم العروض عملاً نعده إسهاماً منه، في زمن كاد ينسى الشعراء فيه هذا العلم الجليل، وابتعدوا عن فهمه، وهو عمل إبداعي كبير (رحم الله صاحبه) الخليل بن احمد الفراهيدي، الذي كان عمله مفخرة للحضارة العربية، وكان (رحمه الله) بعمله هذا رائداً من رواد الفكر، عاش عملاقاً، ومات عملاقاً.

وإذا نظرنا الى قصيدة (يا وجءد قلء) التي جاء وزنها مؤلفاً من:

مسءتفعلنء/مستفعلن/فاعلاتنء - مسءتفعلنء/مستفعلن/فعلاتن

وجدنا وزنها يشبه وزن البحر السريع، حتى ان احد علماء العروض المعاصرين قرر في احد كتبه، ان البحر السريع مؤلف من:

مستفعلن/مستفعلن/فاعلاتن-مستفعلن/مستفعلن/فاعلاتن

مع أن البحر السريع تنتهي ابياته، إما (بفاعلانء) وهو الوزن الشائع للبحر السريع، وإما (بفاعلنء) وإما (بفعءلنء) بتسكين العين، أو بفتحها كما اشرت اليه آنفاً في مقالتي هذه.

وقد رأى قدامة بن جعفر الكاتب، تقدم اول البحر السريع على غيره من انواع الشعر في بهائه، وتقبل الطبائع له.

وقد تهرب الدكتور الفيفي، تواضعاً منه، فقال عن قصيدته: إنها قد جاءت على وزن (المسحوب) في الشعر العامي.

وأقول له: إن هذا الوزن (المسحوب) أجهله، ولا أميل إليه البتة، ولا أعتقد ان في الشعر العامي وزناً وإيقاعاً يشبهان وزن قصيدة الدكتور الفيفي، لأن قصيدة الشاعر الفيفي تستمتع الأذن بموسيقاها وإيقاعها، كما تستمتع بمعانيها ومراميها. ولم يبين لنا الدكتور الفيفي وزن (المسحوب).

إن الشاعر المبدع، اذا أتى لنا بوزن جديد، وإيقاع رائع شكرنا له عمله، ولا نعد عمله ثورة على وزن الشعر الخليلي، والشاعر الفيفي، له قصائد فرائد جاءت على اوزان الشعر الخليلي، وهو متمكن من علم العروض، ولم أقرأ له فيما قرأت من شعره، شعراً خرج به عن المألوف.