من قضب لحيتك عدا على الشارب

كود تفتكها غصب بلا طيب

"دبيان بن عساف أو الشاعر الشعبي الظاهرة، من عباقرة الشعر الشعبي، كلما ألتقى براوية أو شاعر من قبيلة سبيع أسأله عن ما يحفظه له.. اجمعوا ما كتبه الشاعر الذي أبدع في عصر ندرت به الثقافة والإطلاع، لأن حرفه تحتوي على عمق في المعنى وعبقرية في الابتكار.."، يمثل هذا الاقتباس أول دعوة صريحة من خلال الصحافة لجمع الإنتاج الشعري للشاعر الكبير دبيان بن عساف السبيعي ( 1318- 1404ه) رحمه الله، وقد أطلق هذه الدعوة الإعلامي والشاعر راشد بن جعيثن قبل وفاة ابن عساف بأيام معدودة، وكأنه يتنبأ بحس الشاعر والإعلامي المتمرس بضياع شعر الشاعر، أو يعلن عن خوفه من إهمال شعره أو اختلاطه مع أشعار غيره من الشعراء، وبعد مضي أكثر من خمسة وعشرين عاماً على تلك الدعوة أو المطالبة لا يزال شعر ابن عساف متفرقاً بين المؤلفات و أذهان الرواة، وحدث بالفعل ما كان يخشاه الأستاذ راشد بن جعيثن، وبصرف النظر عن الأسباب التي أسهمت في إعاقة جمع أشعار دبيان بن عساف نجد بأن عدم صدور ديوان يلم شتات قصائد الشاعر تسبب في الوقوع في الكثير من الأخطاء، التي منها ما يتعلق بقصائد الشاعر نفسها، ومنها ما يتعلق باسمه أو سنة ولادته أو وفاته، ولو بدأنا باسم الشاعر لوجدنا بأن الكثير من المؤلفين قد نقلوا عن الشيخ عبدالله بن خميس - متعه الله بالصحة - الخطأ الذي وقع فيه حينما ذكر في "تاريخ اليمامة" (ج5/ط1407/1ه) بأن اسم الشاعر هو: "دبيان بن عساف أبو ثنين مع أن الصحيح هو ما أورده راشد بن جعيثن في مقال كتبه بعد وفاة الشاعر بأسبوعين تقريباً، وأشار فيه إلى أن دبيان بن عساف من الصملة من سبيع، فالشاعر من عائلة العساف من الصمله، كذلك نقلت الكثير من المصادر عن ابن خميس في مؤلفه السالف الذكر وغيره بأن سنة وفاة الشاعر هي 1405ه، مع أن الصحيح هو ما ذكرته في بداية هذا المقال وهو أن سنة وفاته هي 1404ه. ومن الطريف أن أشير إلى أن الدكتور سعد الصويان قد وقع في خطأ يمكن أن نسميه (خطأ مركباً) فيما يتعلق باسم الشاعر، أو يمكن أن نقول بأنه قد نقل لنا هذا الخطأ من المراجع التي استقى منها، فقد ذكر في فهرسته أن اسم الشاعر هو: دبيان بن عساف أبو ثنين السبيعي (من الصمله من بني عمر)، والصحيح هو ما أشرت إليه قبل قليل، إذ لا يمكن أن يكون الشاعر من الصمله ومن عائلة آل أبوثنين في آن واحد!.

وإذا انتقلنا لقصائد الشاعر لوجدنا بأن عدد القصائد التي يتم تداولها في المؤلفات أو في الصحافة لا تكاد تجاوز عدد أصابع اليدين إلا قليلاً، مع أن دبيان بن عساف من الشعراء الذين عرفوا بغزارة إنتاجهم الشعري، وقد رصد (أو أحصى) له الدكتور سعد الصويان في مؤلفة الفريد (فهرست الشعر النبطي) عدد 13قصيدة تم نشرها في المؤلفات التي تهتم بالشعر الشعبي، وإحدى تلك القصائد أو المقطوعات التي أوردها ليست له، وهي التي يقول مطلعها:

يوم عديت أنا الرجم معتجلي

شافت العين زول معنيها

فهذه المقطوعة نسبها ابن خميس للشاعر في (من القائل) و(الشوارد)، ونقلت عنه العديد من المصادر نسبتها لابن عساف، ولعل أبرزها (ديوان السامري والهجيني) للأستاذ محمد الحمدان الذي نسبها للشاعر ولغيره أيضاً، وكذلك فقد نسب الحمدان في (السامري والهجيني)للشاعر مقطوعتين صغيرتين ليستا له، دون أن يشير إلى مرجعه، ويقول مطلع إحداهما:

يا بنت يا أم العيون السود

خوفي من الله وحبيني..!

وتى لا تضيع مني مساحة المقال في تتبع الأخطاء التي أسهم فيها عدم جمع نتاج الشاعر، أود أن أستغل ما تبقى منها في الإشارة إلى بعض روائع الشاعر دبيان بن عساف التي لم تنشر، أو لم تلق نصيباً وافراً من النشر، علماً بأن اهتمام الشاعر قد انصب بشكل كبير على غرضي الغزل والمدح، ومن قصائده الجميلة في الغرض الأول قصيدة يقول في بعض أبياتها:

نهار الخميس اللي مضى يوم عيد الله

تواجهت أنا واللي يقولون مظلومة

تواجهت أنا واللي زهى قذلة هله

عليه ألتفت والعين ماهي بمليومه

على شوفته فزيت وارجعت بسم الله

طرى طاري الفايت تذكرت مرحومه

ذكرت الوليف اللي غدا بالغلا كله

حسين النبا من حبه الكبد ماسومه

ويقول في إحدى غزلياته أيضاً:

شفت لي عسلوجتن زينة شبابي

في محل قد لقينا به عذيبي

غضتن نبنوبتن حشو الثيابي

تودع الطالب يجوز من الطليبي

بطن حمراً حايل قدم الركابي

حرة فيها الحقب يلعب لعيبي

يا حلي معذبة راعي المحابي

عنز ريم للمها مثل الرقيبي

لا تصوبني على ذاك الصوابي

يا جسيم الروح يا عين الربيبي

أمك اللي مذهبتني في شبابي

وأنني اللي منك خطر في مشيبي..!

ويقول أيضاً:

يا وجدي على الحمرا الخفيفي

لا بفاطر ولا هي من العسايف

لا ردوم ولا هي بالضعيفي

شامخ نيها بين الكلايف

ما حلا وقت تفريق النكيفي

لجت الخلج من بين الولايف

كود يبرد لها بقلب صخيفي

لايفه من هوى ثلاب لايف

يالله اليوم يا الوال اللطيفي

عاون اللي من الضيقات خايف

غير هم الطمع هم الرديفي

من هوى جادل سيد العفايف

في رجا العذب عند الله بضيفي

يا لله اليوم يا عال الوظايف

تلني تلة الحبل العسيفي

نسني نسة الهيم النحايف

بو ثمان كما الحب النظيفي

حب حص البحر بشفاً نشايف

كن في لبته قطن نديفي

لا لمسته ولا بالعين شايف

ونجد بأن الموقع الإلكتروني للدكتور سعد الصويان قد تميز بإيراد بعض قصائد الشاعر التي لم ترد لدى غيره، إذ نجد في قسم التسجيلات الصوتية تسجيلاً قديماً يحاور فيه الصويان أحد رواة قبيلة سبيع حول الشاعر دبيان بن عساف وأشعاره، ومن قصائد الشاعر التي وردت في التسجيل:

عسى السحاب اللي نصوبه مراديف

جعله على جو الحفر ينتثر ماه

وعسى الحفر بد الليالي يجي ريف

من ما قف الطيه إلى راس مظماه

حتى ليا جاء نقضة الجزو بالصيف

ثم وردوه سبيع معهم وردناه

مدهال ترفات البني المواليف

كم من هنوف وقفت فوق مسقاه

وقد وقفت رجلي بجوه مواقيف

ولولا مجوزة خاطري ما حمدناه

وللشاعر في غرض المدح الكثير من القصائد، ولكن أجملها وأقواها في نظري هي القصائد التي أبدعها الشاعر في مدح الأمير محمد بن عبدالعزيز آل سعود رحمه الله.

في ختام هذا الاستعراض السريع ربما أن السبب في وقوع الأخطاء في اسم الشاعر أو في سنة وفاته أو في نسبة بعض أشعار الشعراء الآخرين إليه أو العكس، لا يعود إلى المؤلفين والباحثين الذين اشرت إليهم هنا، ولكنه يعود في الدرجة الأولى إلى طبيعة الحياة التي كان يعيشها الشاعر، فالشاعر دبيان بن عساف - رحمه الله - مثال للشاعر البدوي الذي لا يحلو له الاستقرار في مكان واحد، ولذلك فقد ظل طوال حياته متنقلا بين الدهناء والصمان ورماح وحفر العتش والرياض والكويت والعراق وغيرها من الأماكن، ولعل هذا السبب هو العامل الرئيسي أيضاً في صعوبة جمع قصائد الشاعر، ومع ذلك آمل أن يخرج ديوان الشاعر في وقت قريب وبالصورة التي تليق بمكانته الشعرية.