طالبت دراسة علمية حديثة بضرورة وضع استراتيجية وطنية موحدة تهدف إلى تحقيق التنمية المستدامة في صناعة البناء والتشييد من خلال تحفيز وتشجيع المقاولين والجهات الحكومية المختصة التي تتبني التشييد المستدام للبدء في إيجاد كود سعودي خاص للمباني المستدامة يتلاءم مع طبيعة المملكة العربية السعودية المناخية والاقتصادية والثقافية.

وخلصت الدراسة العلمية التي قام بإعدادها المهندس على بن مسفر آل معمر اليامي بجامعة لفبرا في المملكة المتحدة إلى ضرورة إيجاد منهجية علمية وعملية لتحقيق مبادئ التنمية المستدامة(Sustainability) من خلال منهج إدارة القيمة ((Value Management في صناعة التشييد في المملكة العربية السعودية وذلك بسبب التأثير الكبير سواء السلبي أو الايجابي الذي تملكه على البيئة ومواردها وأحيائها الطبيعية بالإضافة إلى المجتمع والاقتصاد. ووجدت الدراسة أن المرحلة المناسبة لتنفيذ مبادئ التنمية المستدامة في مشروعات التشييد تعتبر المراحل الأولية من تصميم المشروع. وتطرقت الدراسة إلى التعريف الصحيح للتنمية المستدامة بانها تهتم بالمحافظة على البيئة ومواردها الطبيعية وأحيائها الفطرية لكي تستمر قادرة على الوفاء باحتياجات التنمية المستمرة للجيل الحالي والأجيال القادمة، فيما تُعرف في صناعة التشييد بالنظرة الشمولية للمحافظة على الانسجام والمواءمة بين الطبيعة والتشييد وذلك بإنشاء وترميم مباني ومستوطنات تحقق كرامة الإنسان وتشجع العدالة والإنصاف بين المجتمع، بينما يُعرف أسلوب إدارة القيمة في هذا السياق بمنهج إداري يتكون من عدة مراحل متسلسلة ومُجّربة عالمياً تُّركز على التحفيز والتنظيم وتنمية المهارات والإبداع وتآزر الجهود لفريق العمل وصناع القرار وتوفير البيئة المناسبة للحوار الهادف من خلال اجتماع مُختصر ومكثف (ورشة عمل) لتحديد أهداف المشروع ومتطلبات ورغبات جميع الأطراف ذات العلاقة وتعريف وتحديد معنى القيمة بالنسبة لهم وتحقيقها في المشروع.

وذكرت الدراسة أن هناك عوامل مهمة أدت إلى أهمية تحقيق التنمية المستدامة على المستوى العالمي مثل تغّير المناخ، حدوث الكوارث الطبيعية مثل الزلازل والبراكين والفيضانات، كذلك التعرية، الجفاف، التصحر، نقص مياه الشرب، سرعة التمدن، زيادة عدد السكان، الارتفاع الحاد في أسعار الوقود والطعام والعلاج ومتطلبات الحياة الأخرى. أما بالنسبة للأسباب المهمة التي تم تحديدها في هذه الدراسة على مستوى المملكة العربية السعودية وترى أهمية تطبيق مبادئ صناعة التشييد المستدام فتتمحور حول تضاؤل الأماكن الخضراء والغابات، استهلاك 70% تقريباً من الطاقة في المباني، ارتفاع تكلفة التشغيل والصيانة، وجود مبان مريضة تحتوي على أصباغ وأثاث وأنابيب ومجاري تكييف سامة وهواء ملوث مما قد يتسبب في الإصابة بإمراض خطيرة للمستخدم، إضافة إلى أن 45% من إجمالي المخلفات والنفايات تنتج عن صناعة التشييد وبالتالي تؤدي إلى سرعة امتلاء مدافن أو مكان وضع تلك المُخَّلفات نتيجة غياب الترشيد والفرز وإعادة الاستخدام والتدوير، تلويث المياه السطحية ومياه البحار،ارتفاع الطلب في المساكن خاصةً مدن الرياض ومكة المكرمة والمنطقة الشرقية، بالإضافة إلى الارتفاع الكبير الحاصل في أسعار مواد البناء، والإيجار والمساكن وكذلك أسعار الأراضي مما يزيد الأمر صعوبة في تملك سكن مناسب في تلك المدن، نقص وانقطاع في الكهرباء والماء، تلوث البيئة نتيجة هدم المباني القديمة، وبناء المباني الجديدة دون اخذ اعتبارات مبادئ التنمية المستدامة، تشويه الأماكن الطبيعية مكان اخذ المواد وتركها دون تسوية أو اتخاذ احتياطات السلامة، مما يتسبب في مشكلات للبيئة وحوادث للإنسان، وأخيراً حدوث ضعف وفتور في علاقات الجيران والمجتمع بعضهم مع بعض مما يتنافى مع مبادئ الشريعة الإسلامية. واوضح المهندس على بن مسفر في دراسته العلمية أن هذه المشكلات أثرت بشكل كبير على صحة وسعادة ورفاهية المجتمع، مما أدى إلى توليد ضغوط كبيرة على الحكومات الدولية والرأي العام العالمي للبحث عن حلول يمكن من خلالها تحسين الحياة والتخلص أو التخفيف من هذه التحديات، لذلك تم إعطاء مبادئ التنمية المستدامة اهتماماً كبيراص في أجندة الدول المتقدمة وصناع القرار، كون مبادئ التنمية المستدامة تدعم التوزيع العادل للثروات الطبيعية على الأفراد وتوفير مساكن لهم وتحسين مستوى معيشتهم، وصحتهم للمحافظة على سعادتهم وكرامتهم بغض النظر عن اختلاف ميولهم وعرقهم، وكذلك إنصافهم وتخفيف التأثيرات السلبية عليهم كما هي على البيئة والاقتصاد أيضاً، وفي حالة تنفيذ تلك المبادئ سوف يُمّكن الأفراد من الحصول على مشروعات مستدامة تكون صديقة للبيئة واقتصادية وصحية وبأسعار مناسبة طوال فترة عمرها الافتراضي. وخلصت الدراسة إلى ضرورة تحقيق مبادئ التنمية المستدامة في صناعة التشييد في المملكة العربية السعودية ويكون ذلك من خلال رؤية شمولية وخطط إستراتيجية طويلة وقصيرة الأمد تتبناها وترسمها الجهات والوزارات الحكومية ذات العلاقة وتحديد المهام لكل جهة بوضوح وتحفيز وتشجيع المقاولين والجهات التي تتبني التشييد المستدام والبدء في إيجاد كود سعودي خاص للمباني المستدامة يتلاءم مع طبيعة المملكة العربية السعودية المناخية والاقتصادية والثقافية وتدريب أشخاص يقومون بعملية التقويم للمباني الجديدة والقديمة ويتأكدون من تحقيق تلك المبادئ، وتأسيس مجلس للمباني المستدامة أو الخضراء يهتم بتطوير المهنة ومتابعتها، يشترك في عضويته المقاولون والمكاتب المعمارية والهندسية والاستشارية والأفراد ذوو العلاقة والجهات الحكومية وغير الحكومية والمؤسسات التعليمة على غرار المجالس الخضراء في أمريكا وأوروبا واستراليا واليابان والإمارات العربية المتحدة. هذه الخطط والرؤية يجب تنفيذها على جميع المستويات المختلفة، التعليمية والثقافية والصناعية والإعلامية لإحداث تغيير كبير في التفكير والسلوك والتصنيع والبناء والاستخدام على مستويات الأفراد والجماعات والشركات والقرى والمدن ومن ثم على المستوى الوطني ثم العالمي فيما يخص صناعة التشييد. كما يتطلب ذلك إحداث تغيير في نقل عمليات تفكير الملاك وأصحاب اتخاذ القرار من التكلفة البدائية للمشروع إلى القيمة الكاملة لحياة المشروع، ومن النظرة قصيرة الأجل إلى طويلة الأجل ومن المحلية إلى الإقليمية ومن ثم العالمية.