عبدالرب إدريس الاسم الصعب في منعطف الأغنية الخليجية، المصطلح الذي اتخذ لصناعة أغنية تحمل عناصر وأدوات ومكونات من الجزيرة العربية خرجت من مختبرها في الكويت لأسباب عدة لا ينتهي شرحها، خلال فترة الربع الأخير من القرن العشرين الماضي..

ربما كانت اللحظة الحاسمة لتوضع الأغنية بعد تجربة (تكرير) التراث و(اختبار) فنون التراث و(إعادة تدوير) مكونات التراث، وهذا كله ما نطلق عليه من تطوير وصياغة وتركيب التراث لإيجاد أغنية حيث أخذ القالب شكلاً تلفيقياً بين مكونات تراثية مقامية وإيقاعية تقليدية مع كبار المغنين- الملحنين مثل أحمد الشعيبي ( الزنجباري) وسعود الراشد وحمد الرقيب وأحمد باقر وبعض أسماء أخرى متناثرة في اليمن والبحرين ..

وقد استطاع هؤلاء الأربعة في الكويت أن يضعوا لأغنية الجزيرة العربية، بإلهام مباشر من الكبير عبدالله فضالة، صوراً مدنية لمكونات التراث البحري والريفي والبري بكل ما فيه من فنون أدائية وأشكال شعرية ولحنية.

واستطاع كل من غنام الديكان وخالد الزايد ومرزوق المرزوق في الكويت كذلك طلال مداح وسراج عمر وسامي إحسان نقل الغناء في الجزيرة العربية من طابع تراثي وصيغة غنائية مطورة إلى أغنية ذات طابع مدني في حساسيتها وتعبيري في شعرها وشاعري في لحنها. كان (عرَّاب) هذه الأغنية صارت عاصمة عبدالرب إدريس بالتعاون مع الكاتب الغنائي بدر بورسلي وتخطيط الحنجرة العبقرية عبدالكريم عبدالقادر..

ورغم انشغال إدريس بالتلحين والتدريس في الكويت مع حنجرته الأساسية عبدالكريم عبدالقادر وسواه مثل مصطفى أحمد وغريد الشاطئ وطلال مداح وإبراهيم حبيب ومحمد عبده ثم الجيل اللاحق نبيل شعيل وعبدالله الرويشد ورباب وطلال سلامة إلا أنه بين فترة وأخرى يسجل أغنيات جديدة، مثل الشهيرة. ليلة، بصوته في أشرطة عدة حيث لم يحرمنا من سماع صوته وإحساسه لاكتشاف مزايا تفضل على إبداعه في التلحين مثل غنام الديكان ويوسف المهنا وأحمد باقر وسواهم ممن نطمع لسماعهم ولو مرة للتاريخ..

يأتي هذه السنة جديد عبدالرب إدريس بشريط. هذا العمر -2008، الذي يحتوي على 12أغنية تنوع الشعراء والموزعون الموسيقيون فيها ..

نرى من الشعراء النصر وبدر بن عبدالمحسن وسالم الخالدي وأحمد الشرقاوي وراشد الجابري وعمر العيدروس والشاعرة لينا أبو بكر..

تتنوع الأغاني في قوالبها وألوانها ومقاماتها وإيقاعاتها تبايناً يجعل من كل أغنية حالة ويساعد على ذلك التعدد في المواضيع المتناولة برغم أنها تكشف في بعضها عامل الزمن عند رجل مثل إدريس وبعضها يعبر عن الحكمة وشعور الضيافة وأخرى عن الغزل ..

ولعل التنوع المقامي من الكرد إلى النهوند والبياتي والحجاز بما تمثله من وقار ومرح وطرب وحزن كذلك الإيقاعات من الرومبا والملفوف والجاز والبيشاوي والسامري بما تمثله من حالة رقص واحتفاء بحركة الحياة وتعقدها واستذكار الماضي كذلك التعامل مع أجناس من المقامات ومزج الإيقاعات واستخدام بعض الآلات منفردة كالعود والكمان والبيانو دون أن ننسى قوالب الغناء الرومانسي والطرب والشعبي ما يكشف خبرة عمر في مجال التلحين كما يؤكد أن عبدالرب إدريس يكرس من أستاذيته للأغنية الخليجية.

وربما تكون أغنية. هذا العمر، نموذجاً لهذا التنوع الإيقاعي واللحني الذي تمركز في قالب تركيبي تبديلي بين عناصر الأغنية من مذهب وغصن مدمج بالمرجع (المقطع المتكرر) وتبدل الإيقاع للحن الواحد وانفراد الآلة برغم أن النص الشعري وقع في المباشرة مرة وأخرى في شاعرية ضيقة المجاز:

"هذا العمر وين راح.. وين راحت أيامي

ما بين آلام وأفراح.. مشت بي أقدامي

حسبتها بميزان.. طلعت أنا خسران

وانكسرت أقلامي.."