في الماضي القريب كنا نتحدّث كثيرا عن غرب منحلّ مختلّ، وعن إباحيّة منتشرة في كل تفاصيل الأمم الأخرى ثم نستريح إلى كلام عربي بليغ ننهي به خطابنا المزوق (بالبيان وبالبديع) ونحن نصوّر مدننا الفاضلة وكيف أنها في منأى عن كل هذه الشرور والآثام، وان الأجيال العربيّة ستظل محصنة بمخزوننا من الخلق القويم وقيمنا المحافظة التي تأبى العار وتستنكر التهتك والفاحشة. ترى ما نحن قائلون اليوم بعد أن باتت المساهمة العربيّة في صناعة الفاحشة على شبكة الانترنت واضحة الملامح متنامية العدد والنوع عبر كثير من المواقع الإباحيّة العربيّة التي بدأت تتزايد مثل جراثيم (الجمرة الخبيثة). أما لماذا هذا الاسم فلأن الجمرة الخبيثة مرض تأتي الإصابة به عن طريق التعرض لأعداد كبيرة من الجراثيم وهذا ما قد يحصل لمستخدمي الانترنت.

معروف أن صناعة الجنس على شبكة الانترنت تأتي في مرتبة متقدمة ضمن صناعة الجنس العالميّة التي يقترب حجمها من 100بليون دولار، ويكفي أن نعلم أن في (كل ثانية) يوجد حوالي (ثلاثين ألف) مستخدم للانترنت يتصفحون المواقع الإباحيّة التي تشكل ما نسبته 12% من مجموع مواقع الانترنت.

أما في سماء بلاد العرب الافتراضيّة فقد ظهرت هذه الصناعة بصورة قبيحة بل وتثير الاشمئزاز مستفيدة من غياب القوانين وضعف أجهزة الرصد وظمأ ملايين الشباب العرب لهذه المحرمات في غيبة (بعض) المؤسسات وحضور (كل) الشهوات. على شبكة الانترنت العربيّة اليوم يستطيع المستخدم غير المحترف الوصول بشكل سريع إلى ما يزيد عن خمسين موقعا ومنتدى عربيا مخصصا لنشر الفاحشة بكل صورها المتخيّلة وغير المتخيّلة. أما المستخدم المحترف فيمكنه الغوص إلى أعماق مستنقعات أكثر قذارة تقوده من سرداب إلى آخر في دهاليز شيطانيّة تحفّها صور الرذيلة التي لا تكتفي بوضع الحرام بل وتزيينه داخل المنزل والمدرسة ومكان العمل ووضعه في قوالب من المتع المثيرة وتعليم من لا يعلم فنون الغواية كما يريدها إبليس.

والغريب في إستراتيجيّة معظم مواقع الجنس التي تقدم خدماتها للعرب وباللغة العربيّة أنها لا تسعى للربح بل إنها تقدم معظم خدماتها مجانا، والأعجب أن نسبة مهمة من هذه المواقع تقدم الصور والأفلام والخدمات الجنسيّة المحرمة والممنوعة في قوانين كل الدول خاصة فيما يتعلق بدعارة الأطفال ونشر أسماء وأرقام هواتف فتيات وفتيان دونما تحرج أخلاقي أو خشية من مساءلة قانونيّة. و ما يحزن المرء هو توظيف بعض ضعاف النفوس لهذه المنتديات والمواقع للتشهير بالعفيفات والمستورات من خلال نشر أسمائهن وصفاتهن وأرقام تلفوناتهن تحت قوائم فتيات الدعارة، بل إن احدهم لم يتردد في نشر موضوع ضم قائمة معلومات وأرقام بنات سعوديات يتجاوز عددهن الثلاثين فتاة وسيدة يزعم أنهن جاهزات للمتعة.

هذه بعض أجزاء الصورة السوداء أضعها أمام بعض نشطاء الانترنت ومتصدري الصالونات الثقافيّة (والمتنططيين) أمام كاميرات فضائيات "ساعد خصمك" ليحملوها قضيّة اجتماعيّة أخلاقيّة بدل إشغالنا بقضايا لم تظهر يوما في أجندة وطنيّة، أو الطنطنة بموضوعات لا نسمع لها صدى إلا في أروقة (المؤتمرات) في عواصم (المؤامرات). لا وقت اليوم لتبادل الاتهامات عن المتسبب، ولا مجال للحديث عن مؤامرة ومخططات فالأجدى أن نبدأ العمل ونمد اليد لشاب أو فتاة على وشك السقوط في الوحل الالكتروني ضحيّة أمام كاميرات الانترنت فيما نحن سادرون في إهمالنا وانشغالنا بقضايا العالم كله فالحريق قد بدأ في طرف العباءة فماذا نحن فاعلون؟.

مسارات

قال ومضى: تأملت (فيما مضى) من حياتي فأيقنت ألا طائل من خصومات ستستهلك (القليل الباقي) من عمر (مضى أكثره).