.. تعد "تبوك" احدى الأماكن التي اختزلت في ذاكرتها كثيراً من الاحداث المهمة على مر العصور، فتبوك تلك العين المشهودة التي جاءت بمياهها عبر مراحل التاريخ، مر بها انبياء الله وعظماء من التاريخ وقادة وعلماء، وذلك في حقب زمنية مختلفة حتى توج هذا التاريخ لهذه المدينة بمقدم سيد البشر وخاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبدالله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

إن تاريخ تبوك يحتاج إلى دراسة متخصصة تبحث في حقب تاريخية مرت على هذه المدينة التي هي ملتقى لطرق بين حضارات عديدة قامت على شمالها وجنوبها..

ويؤكد عدد من الباحثين ان معظم آثار تبوك مازالت قابعة تحت الأرض تحت أطلال المباني الطينية التي تشاهد حالياً، فالاستيطان والبناء في تبوك كان متواصلاً، حيث الماء بجوار "عين السكر" التي نضب ماؤها في منتصف الثمانينات من القرن الهجري الماضي بعد حفر الآبار الارتوازية حولها.

.. وتبوك في العصور القديمة كانت حاضرة في تاريخ امم سابقة منها التاريخ النبطي، فهي تقع في مكان يتوسط الحضارة النبطية في مدائن صالح والبتراء التي اصبحت احدى عجائب الدنيا، كما يوجد غرب هضاب حسمى التي سجلت هي الأخرى نقوشاً قديمة في العهد النبطي وفي فجر التاريخ الإسلامي، وقد قال عنها الرحالة (فلبي) ان حسمى مكتبة العرب نظراً لما تحتويه من نقوش اثرية مهمة.

ومن خلال هذه الخلفية التاريخية لتبوك، تقدم "الرياض" في هذا الجزء تقريراً عن تبوك القديمة..، وهي احد الأماكن التي لاتزال في ذاكرة الانسان.. والتاريخ، وذلك لما تحويه من آثار قديمة، ومواقف واحداث مهمة في تاريخ الإسلام..

مسجد التوبة

يعد مسجد التوبة والذي يسمى ايضاً مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم أو المسجد الأثري هو أبرز معالم تبوك القديمة.

ويروى ان الرسول صلى الله عليه وسلم اختطه عند بئر كانت مصدر الماء الوحيد ربما تكون (عين السكر)، وذلك ضمن احداث غزوة تبوك المعروفة في السنة التاسعة للهجرة النبوية.. هذه الغزوة المملوءة بالأحداث التي تزخر بها كتب السيرة، والتي تحتاج إلى بحث على أرض الواقع والتي وقف فيها عدد من الأحداث التي أثرت في التاريخ الإسلامي.

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد وجد ان الروم قد انسحبوا الى الشام فأقام في تبوك حسب بعض الروايات (20) يوماً، حيث ادى الصلاة في هذا المكان اكثر من عشر ليال.

ويذكر ان اول بناء لهذا المسجد كان في عهد الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز، حيث كان بناؤه من الطين وسعف النخل للسقف، وتم تجديد البناء لهذا المسجد في العهد العثماني عام 1062ه، ثم اعاد بناءه مرة اخرى بشكله الحالي الملك فيصل بن عبدالعزيز - رحمه الله -، حيث أمر رحمه الله بتجديد بنائه على طراز الحرم النبوي الشريف، وذلك في الرابع من شهر شعبان لعام 1393ه، وأضيف إلى المسجد ما حوله من فناء ودفنت البئر المجاورة له، وتمت إزالة ما حوله من مبان قديمة، ومنها مبنى مالية تبوك ليكون هناك مساحة واسعة حول المسجد، حيث توجد بالقرب من المسجد مقبرة دفن فيها عدد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي عام 1409ه وجه الأمير فهد بن سلطان أمير منطقة تبوك بتحسين المنطقة المؤدية إلى المسجد، وتم الاستفادة من واجهة المباني الطينية كمحال تجارية وحجز اخطارها عن المارة

وقد اخطأت وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والارشاد في وصفها تاريخ بناء المسجد في عام 1409ه، حيث لا تزال هذه المعلومة بحاجة الى تصحيح حفاظا على تاريخ المسجد.

قلعة تبوك

وهي احدى محطات الحج المتجهة من الشام الى المدينة المنورة ويعود انشاؤها الى عهد السلطان سليمان القانوني في العام 967ه ، وتم تجديد بنائها في عهد السلطان محمد الرابع عام 1064ه، حيث شملت اعمال التجديد على بلاطات خزفية لا تزال موجودة على المدخل كما جددت القلعة مرة أخرى في عهد السلطان عبدالمجيد في العام 1260ه وكتب بتلك المناسبة نقش وضع فوق محراب المسجد. وتقدر مساحة القلعة بحوالي 2500م2، وكانت في الماضي مكانا لاستقبال الحجاج، وتتكون من دورين يحتوي الدور الأول على فناء مكشوف وعدد من الحجرات ومسجد وبئر ماء، وهناك درج يؤدي الى الدور العلوي الذي يحتوي على مسجد مكشوف يعلو المسجد السفلي وغرف ودرج يؤدي الى الأبراج التي تخدم للحراسة والمراقبة.

وقد استخدمت القلعة في العهد السعودي، حيث جدد بناؤها عام 1370ه ثم تم ترميمها عام 1413ه من قبل وزارة المعارف "سابقا" ممثلة بالوكالة العامة للآثار، وتعد القلعة الآن من اهم المعالم الاثرية بالموقع.

عين السكر

تعتبر عين السكر هي العين المشهورة في تبوك، وكانت المصدر الوحيد لسقيا الزراعة التي قامت حول القلعة، وقد ورد ان النبي صلى الله عليه وسلم شرب منها واصحابه، وكانت ذات ماء قليل حتى غسل الرسول صلى الله عليه وسلم فيها وجهه ويديه الشريفتين فجرت العين بماء كثير فاستقى منها الناس ثم قال عليه الصلاة والسلام "يوشك يامعاذ اذا طالت بك الحياة أن ترى ماءها هنا قد ملئ جنانا".

وتقع العين الى الجهة الجنوبية الغربية من قلعة تبوك وكانت جموع الحجاج القادمين من الشام تفد الى تلك العين وتستريح بجوارها، ويعتبر الرحالة المسلم ابن شجاع المقدسي اول من وصفها حيث قال عنها سنة 623ه في معرض حديثه عن تبوك "ان بها - اي تبوك ماء ينبع ومسجد يزار".

الواقع الحالي للبلدة القديمة

البلدة القديمة بتبوك التي تم ترميمها لا تتاح الفرصة للاطلاع عليها من الداخل ويوجد بجوار اطلال البلدة القديمة مسجد التوبة الذي شيد على شكل متميز حيث تحتاج الساحات الموجودة حوله الى عناية وتحسين، كما ان الأرصفة في وضع غير ملائم، وهناك تداخل غير منظم بين البناء الحديث والإطلال الأثرية، كذلك تحولت بعض البيوت القديمة الى مرمى للنفايات ومرتفع خصب للحشرات الضارة ومكان بعيد عن الرقابة والملاحظة من الجهات ذات العلاقة، وقد هجرها السكان منذ عدة عقود.. واصبحت هذه المباني اطلالاً من الماضي تنشد التطوير والتحديث.. ورغم ان هناك جهوداً سابقة كان لها الدور الهام في ابراز مكانة هذه المنطقة التاريخية في تبوك القديمة لكن هناك حاجة ماسة وسريعة لمواصلة هذه الجهود بمهنية اكثر وتصميم هندسي قادر على الربط بين القديم والجديد ليجعل من هذه المنطقة معالم مشرقة من معالم تبوك احدى أكبر مدن المملكة، واكثرها نموا سكانيا، وان تكون هذه المنطقة مكانا مناسبا للقاء الباحثين والمؤرخين والمهتمين بالسيرة النبوية المطهرة، وخاصة غزوة تبوك والتعرف على مخزون البلدة الأثري، والتعرف ايضا على الإرث التاريخي الحضاري لمدينة تبوك.

"الرياض" خلال جولتها داخل اطلال المباني القديمة اتضح ان الموقع يحتاج الى اهتمام ورعاية من الجهات المسؤولة وفي مقدمتها امانة منطقة تبوك ووزارة الشؤون الإسلامية وهيئة السياحة والجهات ذات العلاقة بالبحث العلمي في مجالات الرصد التاريخي والأثري..

وعلى الرغم ما كتب عن هذه المواقع في مختلف كتب التاريخ والآثار والسيرة فان هناك حاجة الى المزيد من التوثيق..

ويقول الاستاذ مطلق البلوي باحث تاريخي ان الامر يتطلب تعاون المؤسسات العلمية ذات العلاقة كجامعحة تبوك ودارة الملك عبدالعزيز وغيرها من الجهات لاخراج أبحاث تاريخية مميزة تاريخ وآثار هذا الموقع.

وكان الاستاذ الدكتور مسعد بن عيد العطوي قد تناول تاريخ هذه المنطقة في كتابه "تبوك قديما وحديثا" كما ان هناك أبحاثاً اثرية هنا وهناك لباحثين منهم الدكتور علي غبان، والدكتور نصيف، وغيرهما من المهتمين بالآثار في المملكة ولكن تبقى الحاجة الى جهد مشترك من باحثين وجهات ذات علاقة الى تحويل هذه المنطقة الهامة في تبوك الى مكان يحكي قصص التاريخ ويسرد تاريخ هذه المدينة على مر العصور.