من عبق الماضي تتناثر في أرجاء منطقة عسير وسط ساحات كبيرة وأسواق عديدة شواهد حيَّة أبدعتها يد فنان امتلك وعياً جمالياً متفرداً انعكست فنونه المتميزة في كل ماأبدعته يده من متطلبات حياته فأكسب منتجاته فناً اصيلاً يستمد بهاءه ورونقه من مكونات موروث ثقافة تتكامل فيه عناصر الابداع مع مقومات الحياة فنتج عنها منتجات حرفية تعبر مفرداتها عن هوية ثقافية متميزة .. ورغم بدائية الآلات المستخدمة في منتجات الحرف اليدوية إلا ان تراكم الخبرات والمهارات عبر الاجيال المتوارثة للحرف إضافة الى ماتميز به الحرفي العسيري من إحساس فطري بالجمال جعل منتجات الحرف اليدوية تتميز بالأناقة والجمال لتبدو كمعزوفة موسيقية تشكل مقاماتها من زخارف النقوش الجدارية والابواب العتيقة التي تتمازج الوانها مع أشعة الشمس لتتوهج مع لمعان السيوف وبريق الجنابي.... نعم إنها فنون حرفية ذاع صيتها وصيت منتجاتها جنباً الى جنب مع الريحان والبرك وعناقيد العنب وسنابل القمح مما أكسبها شهرة واسعة في منطقة عسير هذه المنطقة تتميز فيها الصناعات الحرفية المتعددة التي أبدع فيها الإنسان العسيري من خلال ما توفر لديه من المواد الخام بحسب طبيعة كل جزء فيها.. إضافة الى العوامل والمقومات المساعدة الأخرى المتمثلة في الموهبة والحس الفني الرفيع لدى الإنسان العسيري الذي أبدع كثيراً في فن الصناعات الحرفية اليدوية، والتي نتج عنها أعمال ومشغولات يدوية تقليدية تعتبر في غاية الجمال والروعة. لذلك كثيراً ما نلاحظ أن هذه الحرف والمشغولات اليدوية سحرت عيون السياح والزوار في عسير، ولعل الكم الكبير والهائل من الحرف والمشغولات اليدوية التي رسمتها أنامل العسيري الذي توارث حرفة الصناعات اليدوية منذ القدم جيلاً بعد جيل، جعلت منه العامل الأساسي في الحفاظ على هذه الثروة التاريخية والتراثية بصورتها الأصلية والمتلائمة مع متطلبات حياته، أما اليوم فقد أصبح استخدام هذه الصناعات قاصراً على استخدامها كزينة، على اعتبار أنها من عبق الماضي العريق، بعد أن كانت تمثل هذه المشغولات اليدوية التقليدية أهم الحاجيات الضرورية المرتبطة بالحياة اليومية للإنسان منذ استخدم الإنسان القديم الأحجار في صناعة الأواني الحجرية وصناعة السلاح والسكاكين وكل مايحتاج إليه في عصور ماقبل التاريخ. الحديث عن الحرف والصناعات اليدوية في منطقة عسير نجعلها اليوم على صفحات (الرياض الإقتصادي) في تقرير كامل حول هذه الحرف اليدوية التي تنوعت بمختلف بيئة محافظات ومراكز المنطقة. ففي البداية ومن محافظة خميس مشيط التي تشتهر بأسواقها الشعبية التي لاتزال محتفظة بأصالتها وشعبيتها وحضورها القوي في أوساط المحبين للبساطة والعاشقين للماضي بتفاصيله الرائعة ليس بين أبناء خميس مشيط فحسب، بل في أوساط بقية أرجاء منطقة عسير والمناطق المجاورة لها كانت بداية تقريرنا

في سوق الأسلحة والفضيات بخميس مشيط

سوق البلدة الذي يقع بجوار مبنى شرطة البلد بالمحافظة، يضم بين جنباته إصلاح الأسلحة النارية وأسلحة الصيد وصقل الجنابي وتصميم القلائد والمشغولات الفضية، بالإضافة إلى ساحة يرتادها عدد من الباعة، اللذين يقومون بعرض بضاعتهم من الجنابي والدلال والعملات النادرة والعود ودهن العود وغيرها من المقتنيات الأثرية، التقينا فيه أحد المهتمين بالحرف اليدوية وايضا بيع الجانبي وهوالمواطن سعد بن سعيد القحطاني الذي أكد بأن حبه لتراث الأجداد كان الدافع وراء عمله بهذه المهنة، مشيرا إلى أن والده كان يعمل بهذه المهنة لمدة زادت عن أربعين عاما وعن أسعار الجنابي أوضح بأن أسعارها تبدأ من (1000) ريال وتنتهي بحوالي (50000) ريال، وذلك اعتمادا على نوعية الجنبية، والتي عادة ما يكون أجود أنواعها المصنعة في سلطنة عمان والمدينة المنورة، وعن نوعية الزبائن الذين يفدون إليه للتسوق، ذكر القحطاني بأن معظمهم الآن من جيل الشباب من أبناء منطقة عسير والمناطق المجاورة لها، ومن دول مجلس التعاون الخليجي، وعن أهم الأشياء التي يقوم ببيعها، ذكر القحطاني بأن لديه الكثير من العملات القديمة الورقية والمعدنية حيث يعود تاريخ بعضها إلى العهد الروماني والأموي والعباسي، وكذلك المخطوطات الأثرية، والساعات القديمة سواء ما يلبس منها على اليد أو ما يوضع منها على الحائط، وكذلك بعض الدلال القديمة متعددة الأشكال والأنواع، إضافة إلى العود ودهن العود والسبحات المصنوعة من الأحجار الكريمة والعقيق اليمني والتي يصل سعر بعضها إلى (3000) ريال ومن جهه أخرى أوضح المواطن محمد بن سعد الغرابي الذي يعمل في صقل الأسلحة وبيع الجنابي والسيوف، بأنه قد ورث هذه المهنة أبا عن جد حيث يعمل بهذه المهنة منذ ما يزيد عن أربعين عاما، مشيرا في نفس الوقت إلى شعوره بالأسى نتيجة تراجع الإقبال على شراء الفضيات من قبل شباب اليوم الذين - وعلى حد تعبيره - بدأوا يبتعدون شيئا فشيئا عن الموروث الشعبي بكافة أنواعه ومعانيه وفي جانب اخر التقينا المواطن محمد بن ملهي الشهراني الذي قدم للسوق لعرض مبيعاته المتمثلة في عدد من الفضيات والجنابي حيث أوضح لنا أنه باع إحدى جنابيه المكونة من الفضة الخام بمبلغ 16000الف ريال قائلا: ان المحافظة على مثل هذه الأسواق ضروري في السنوات خصوصا بعد أن غزت المجمعات الكبيرة التي قد تلغي يوما ما وجود هذه الأسواق الشعبية التي نجد فيها ايضا رواجا لمبيعاتنا ولكن نحرص على كافة المسئولين الحفاظ على الصورة الجميلة للماضي وفي جانب آخر من سوق بلدة الخميس تحدث لنا المواطن محمد بن احمد الهزازي الذي يقوم ببيع بعض من التراثيات المصنوعة يدويا بالمنطقة حيث أوضح لنا انه بائع قديم في هذا السوق وهو يعرض كل القديم سواء المصنوع من الاشجار كالحصير ومعدات الزراعة القديمة التي تستخدم فيها الاخشاب وايضا الجانب الاخر من الفضيات والاواني القديمة التي صنعت محليا

سوق الثلاثاء بأبها مجمع للصناعات اليدوية

كما اشتهر سوق الثلاثاء في مدينة ابها بيومه الاسبوعي وبزواره ومقتنياته المتعددة إشتهر ايضا بتقديم الحرف اليدوية المصنوعة محليا وكان مجمعا كبيرا يجد الزائر أيضا في ردهاته كافة الحرف اليدوية التي عرفت في عسير منذ القدم ومنها ما يختص في الحدادة والخرازة وأعمال الخوص (سعف الدوم) والنحت على الخشب و الدباغة و الحياكة وأيضا صناعة الأسلحة التقليدية و سبك المعادن (الحلي والمجوهرات)، وغيرها من الحرف المختلفة. يقول المواطن علي بن حامد وهو من رواد بائعي الفضيات والأسلحة أنه امتهن هذه الحرفة ابا عن جد وما رسها كدخل يعتبره ممتازاً في وضعه الاقتصادي موضحا ان الاقبال الآن على منتجاته أقل من السابق مؤكدا أيضا انه لازال هناك من يحافظ عليه ويهتم باقتنائه من الجيل السابق وأيضا الشباب

وفي جانب آخر يجد الزائر لسوق الثلاثاء قسماً مهتماً في عرض مبيعات الادوات التي تستخدم للزراعة وهي مصنوع يدوي محلي تتكون صناعته من الخشب من الأشجار ولعل أميزها أشجار السدر والطلح ومن هذه المعروضات ما يسمى (باللومة) وهي ذراع خشبي في نهايته قطعة حديدة تستخدم أثناء الحرث قديما على الدواب إضافة الى ما يسمى (الحكل) والمعتلة والمسحاة التي تستخدم ايضا في الحفر وسط المزارع.. يقول المواطن علي عسيري بأنه يعمل في صناعة المناقل وهي عبارة عن أوعية متوسطة الحجم يوضع بها الماء والبرسيم أو الأعلاف للماشية، وكذلك صناعة الشوايات والمراكب والمخارش الزراعية والفؤوس والأوتاد والمجارف والمنافيخ والمحاميس، إضافة إلى صناعة الدلال والمباخر وبعض الأواني النحاسية ورب الدلال، مشيرا إلى أنه تمسك بهذه المهنة التي ورثها عن والده منذ أن كان عمره حوالي عشر سنوات،

الثوب العسيري النسائي تحيكه نساء عسير

في سوق الثلاثاء ايضا يجدن النساء متطلباتهم من الصناعات اليدوية ولعلها أبرزها الثوب العسيري الذي يعطي صورة عن المرأة العسيرية ورهافة ذوقها وحسها الفني رغم انها لم تدخل كلية للفنون الجميلة وليست اكاديمية في ذلك الزمان البعيد تقول ام محمد السيدة الخمسينية في عمرها من وسط سوق الثلاثاء إن هذا الثوب اكثر ما يكون شبهاً بالقطيفة السوداء تطرزه خيوط متناغمة الالوان حارة ودافئة ذات اولوان ذهبية متوهجة تعطي انسجاماً لتلك الانسيابية فالأشكال المزخرفة ذات الأبعاد الهندسية المتناسقة والمرسومة بدقة وعناية هي تشكل صدر الثوب العسيري. قائلة إنه لازال هذا الثوب يجد صدى كبيراً ومساحة نقرؤها في عيون النساء الزائرات لمنطقة عسير واللاتي يحرصن على شراء الثوب العسيري مهما بلغ ثمنه. موضحة سعر الثوب انه يتراوح اسعاره ما بين ال 150ريالاً وحتى ال 700ريال وربما يكون اكثر من ذلك حسب الخيوط التي تدخل في التطريز وكذلك الرسومات وتناسق الالوان وانسجامها.. مضيفة بأن المرأة العسيرية تعتز بتراثها حتى في الملبس مؤكدة ام محمد أن هذا الثوب لايجيد صناعته سوى النساء العسيريات.

الصناعات اليدوية

في محايل عسير

كما في خميس مشيط وأبها صناعات يدوية مختلفة أيضا تحتضن محافظة محايل عسير أنواعا عدة منها ولكن الجميل فيها تميزها بصناعة الفخار والأواني المنزلية الفخارية يقول المواطن هيازع بن محمد أثناء حديثنا معه داخل سوق الفخار في محايل عسير ان موسم الصيف ورمضان والأعياد أحد أهم المواسم لبيع الأواني الفخارية في المنطقة نظراً لما يشهده السوق من اقبال كبير كونها تستخدم في الأكلات الشعبية الشهيرة. موضحا ان أسعار القطع الفخارية والحجرية تتراوح بين 40إلى 300ريال. فتجد "الميفا الكبير" الذي يستخدم في إنتاج الخبز المحلي (الفطير) ثمنه من 150ر يالاً وصولاً إلى المائتين وأكثر. بينما يعد "المغش" الأكثر مبيعاً من بين الأواني الفخارية وأضاف هيازع أن هذا السوق غني بالعديد من الصناعات الفخارية المتنوعة مابين الجرة الفخارية والزير وأيضا التحف اليدوية وهي صناعة محلية استخدم في صناعتها الطين من محايل عسير وفي جانب آخر وفي ختام تقريرنا في محايل عسير تحدث معنا المواطن محمد جابر بعمره السبعيني وهو متخصص في صناعة أدوات الزراعة التقينا معه في سوق محايل الشعبي فأوضح لنا انه أكثر من ربع قرن وهو يعمل في هذه المهنة المحلية وذلك لإنتاج تلك الأدوات الزراعية قائلا إنه يجد إقبالا عليها من المزارعين من المنطقة بشكل شبه يومي مما جعل دخله اليومي يقارب الثلاث مائة ريال ...

ختاما

الى هنا القينا الضوء على أهم ما تتميز به عسير ومحافظاتها من صناعات يدوية نقول إنها كافة على محافظات المنطقة التي لم يتسع لنا ذكر تفاصيلها كبللسمر وبللحمر والنماص وتنومة وسبت العلايا وبيشة وظهران الجنوب وذلك بحكم أنها صناعات معروفة ومتنوعه شاملة على كافة تلك المراكز والمحافظات لتلتقي في كثير من الأعمال اليدوية القديمة وذلك بحكم طبيعتها الجغرافية التي حكمت على إنسانها ابتداع هذه الصناعات.