كان قدره أن يكون أعمى. لكنه - بإرادته - شاغب هذا القدر، إلى أن تحولت ظلمات العمى - على يديه - عصر أنوار عربي، لا تزال الثقافة العربية تدين له بالكثير من مبادئ التنوير العالقة بثقافتها الراهنة. أراده العمى أن يستأسر له، وأن يرضى بالخط التقليدي الذي كان يسلكه العميان في عصره بغية الحصول على لقمة العيش، ولكنه تمرد على شروط الأسر، ووضع شروطه هو، بعد أن أدرك أن الدنيا لا تؤخذ إلا غلابا.

بإحساس فطري، تتمتع به نفس قل أن يجود الزمان بمثلها، تمرد على شروط العمى. لقد كانت هذه الآفة - كما كان يسميها - تعني أن ينخرط في سياق الثقافة التقليدية، وأن يتدروش على مخلفات القرون الغابرة. لكنه - بقوة ذلك الإحساس الفطري - سار في الاتجاه المعاكس؛ كي يحوّل ظلمات عماه إلى مادة لا تضيء طريقه الخاص فحسب، وإنما تضيء طريق ثقافة بأكملها، لا زالت للتو خارجة من عصور الانحطاط.

كان السياق الطبيعي لطه حسين - رحمه الله - وإن لم يكن طبيعيا في سياق المنطق، أن يتعمم أزهريا، وأن يجتر ثقافة القرون الوسطى الإسلامية، ليعيد إنتاجها في مجتمعه البائس الذي يعاني ظلمات: الجهل والفقر والتخلف والمرض. كان منتظرا منه أن يكون بعدما يتجاوز العشرين من عمره بقليل، أن يكون أشد رسوخا في التقليد، وأن يزيده عماه انغلاقا فوق انغلاق الأزهرية، وأن يشرعن للعماء الثقافي العام، بوحي من عماه الخاص. ولكن طه حسين خالف توقعات الطبيعة وأبناء الطبيعة الصماء أو الأصماء!.

طه حسين!. ماذا يتبادر إليك عندما تسمع هذا الاسم ؟. عند الجميع - إلا ما ندر - يستحضر هذا الاسم الجميل، المعرفة الشاملة، والانفتاح الثقافي اللامحدود، والعزيمة التي لا تعترف بالعقبات؛ إلا لتجعل منها مادة إبداع، وخلق ثقافي، في سبيل الإنسان. عند الجميع، يمثل هذا الاسم إضاءة نوعية في سماء التاريخ العربي الحديث، المليء بكل ما يحزن، ويقتل الآمال في مهدها، بل يجهضها قبل أن ترى النور؛ لتكون النتيجة ما نراه من ظلمات بعضها فوق بعض، لا تني ثقافة التقليد عن صنعها في سراديب الجهالة العمياء.

كتب كثيرون عن طه حسين، وخرجت كثير من الكتب البيضاء والصفراء تتحدث - بالسلب والإيجاب - عن هذا الأعمى المستنير، الذي أصر على تحويل كل ظلمة إلى مصباح، ليس عن طريق الزعم الأعمى بأنها مشكاة نور، وإنما عن طريق استثمار الطاقات الكامنة فيها؛ ليتخلّق من رحم عالم الأموات المظلم، عالم يضج بالحياة والأحياء، أحياء يؤمنون بأن الحياة - لا الموت - هي ما ينتظر الإنسان. كتب كثيرون، ولا يزالون. وسيظل هذا الرجل مادة للكتابة، حتى بعد عشرات السنين، وربما عشرات القرون!.

سيستعاد طه حسين - بصورة أو بأخرى - كلما اتسعت رقعة العماء، وكلما تحكّم هذا العماء في مساحات الإبصار. سيستعاد طه حسين، ليس لأنه الأنجع في مقياس التجريد الثقافي، ولا لأنه يمثل قمة ما أنتجه العقل البشري من معرفة، فطه حسين لن يكون كذلك، ولا ينبغي له أن يكون. وإنما سيستعاد؛ لأنه خبير في شؤون الإبحار في بحر الظلمات، ولأنه النوتي القادر، أو الأقدر، على التنبؤ بجغرافية الشواطئ التي يتسلل الغزاة من خلالها.

سيستعاد طه حسين؛ لأنه خبير في مكافحة الأوبئة، ولأنه قضى حياته التي امتدت لأكثر من ثمانين عاما، في حالة طوارئ؛ لأنه كان يحس بحجم الوباء، وبمدى خطورته. هل كان طه حسين المثقف الوحيد في عصره، حتى نستعيده على هذا النحو ؟. طبعا، لا. فقد كان هناك الكثير ممن يشاركونه الهم الثقافي، بل كان هناك من هو أوسع منه اطلاعا على فلسفة الأنوار، أو - بعبارة أدق - على التاريخ الفكري الإنساني الذي اكتمل في الشطر الغربي من القارة الأوروبية. كان هناك من يمتلك رؤى أكثر انفتاحا من طه حسين، ومن هو أشد منه استعدادا للتضحية.

كل هؤلاء كانوا حاضرين، وبعضهم شارك - لفترة - في مهمة طه حسين نفسها. لكن، وبكل تأكيد، لم يكن هناك من وعى دوره كما وعاه الرجل العظيم، العلامة الفارقة: طه حسين. لم يكن هناك من نذر خمسين سنة كاملة من حياته؛ لنشر ثقافة الاستنارة، ومكافحة ثقافة الجهل والتقليد.

ليس مهما أن تدعي أنك تملك بين جنبيك رؤى تنويرية، ولا أن تدعي أنك قادر على طرح هذه الرؤى؛ في المستوى الثقافي المجرد. المهم، والمجدي حقا، أن تنزل إلى معترك الثقافة، وأن تطرح رؤاك في سياق واقعك، والأهم أن تكون قادرا - ثقافيا ونفسيا - على تدعيمها، وعلى المنافحة دونها، وعلى التضحية في سبيلها، وأن تطرح بنفس طويل، وان تدعمها بكثير من الأطروحات الجانبية التي تدعمها، وتؤسس لبقائها واستمرارها.

التنوير ليس مجرد شعارات تنويرية. معظم الشعارات التنويرية معروفة للجميع، وباستطاعة أي أحد أن يلتقطها من سوق التنوير الواسع، ويرددها كشعار، أو يدعي الإيمان العميق بها. ليس هذا هو التنوير. التنوير فعل متعدّ، لا يتوقف عند حدود الذات، وإنما يتجاوزها إلى الآخر، مع فعل واعٍ، مؤسس لأنساق معرفية، متجاوز، تعي دورها، وسياقها التاريخي. ولا يستطيع هذا الفعل التنويري المتعدي، إلا من يمتلك وعيا ثقافيا عريضا، يتسع باتساع الفكر الإنساني، لا اتساع إحاطة - فهذا لا يستطاع - وإنما اتساع شمول.

هناك فرق بين الإعجاب بالتنوير، وبين التأسيس لثقافة التنوير في بيئة ما. الإعجاب بالتنوير (وضع) إيجابي. لكنه لا يعني الوعي التام بالفعل التنويري، فضلا عن القدرة على ممارسته. يمكن لأي أحد أن يقف أمام أضخم المنشآت الهندسية في العالم، وأن يبدي إعجابه بها، بل وأن يبدي القدرة على تنفيذها. لكن، يبقى المحك الحقيقي، هو التأسيس للمشروع، والنهوض به من العدم إلى الوجود بكل ما يستلزمه ذلك من وعي وجهد وإصرار وتضحية. كل الناس يزعمون أنهم لو امتلكوا رأس مال معقولاً؛ لأصبحوا عباقرة في صناعة المال، وتأسيس المنشآت الاقتصادية الكبرى. لكن، تبقى الحقيقة، وهي أن هناك الكثير ممن يمتلكون هذا المال، ولكنهم عجزوا عن تحقيق المعجزات كما كانوا يأملون.

هذا المثال ضروري؛ لتوضيح حالة طه حسين. فهناك كثيرون من معاصري طه حسين، كانوا يؤمنون بما كان يؤمن به من حداثة وتقدم. وكانوا يعتقدون - وربما يصرحون - أنهم يستطيعون أن يمارسوا الدور التقدمي الذي مارسه طه حسين؛ لولا اشتغالهم بالمناصب، أو بالمال، أو حرصهم على عدم الصدام مع عقلية الجماهير أو.. إلخ. لكن، تبقى الحقيقة أن مشروع طه حسين قام به طه حسين، ونافح عنه، ودعمه بزخمه الثقافي، وبقدرته الإبداعية، وبمكوناته النفسية الخاصة. ولولا كل هذه المكونات: العقلية والثقافية والنفسية، التي تنطوي عليها شخصية طه حسين، لم يقم المشروع (الطاهاحسيني)، الذي بدأ من عشرينيات القرن العشرين، ولم يتوقف إلا عند وفاته - رحمه الله - عام 1973م.

منصور فهمي، من معاصري طه حسين، درس في السوربون، وحمل رؤى تنويرية متجاوزة، ربما بأكثر مما هو الحال عند طه حسين. كان مثقفا، ولكنه مثقف مختصر، مثقف محدود، بحدود الثقافي المجرد. إن المثقف الحقيقي، هو المثقف العضوي الفاعل إيجابا، والمشتبك مع إشكاليات الثقافة، ومع إشكاليات الواقع أيضا. ومنصور فهمي - للأسف - لم يكن كذلك.

ربما كان يقول منصور فهمي: لو أردت لكنت كطه حسين. لكن، حقيقية يشهد بها الواقع، لم يكن مثل طه حسين، ولا قريبا منه. هل كان يمتلك القدرة العقلية النفسية، التي تسمح له بالإنتاج، ومن بعد الإنتاج بالمنافحة - بقوة العقل وبقوة الثقافة وبقوة الخصائص النفسية - عنه، والاستشعار الحدسي في تلمس أفضل الوسائل لاستنباته في الواقع. ومن بعد كل هذا، الاستمرار لأكثر من خمسين سنة على هذا الطريق، بنفس القوة (العقلنفسية)، وبنفس المستوى النفسي الذي تحدى به الإغراءات، كما تحدى به العقبات الخاصة والعامة.

الواقع، أن طه حسين تحوّل إلى هرم ثقافي، ورمز استنارة لا زال يضيء، وسيبقى ما شاء الله. بينما تحوّل منصور فهمي إلى رمز للسخرية بين طلاب جامعة القاهرة، في ثلاثينيات القرن العشرين. ومن أراد أن يرى صورته، فليقرأ ما كتبه نجيب محفوظ في (المرايا) عن شخصية: إبراهيم عقل، التي كانت القناع الذي تحدث محفوظ عن منصور فهمي من خلاله. فعندما تقرأ تصوير محفوظ لتلك الشخصية، وهو التصوير الذي تشهد كثير من المؤشرات الثقافية والاجتماعية آنذاك بصدقه، تدرك أن هذه الشخصية، رغم إيمانها بمبادئ التنوير الأوروبي، لم تكن تستطيع منافسة طه حسين في مشروعه، حتى ولو أرادت ذلك، بل ولو أزيلت جميع العقبات من طريقها.

يصوّر نجيب محفوظ منصور فهمي، من خلال مكوناته الثقافية والنفسية، ويرصد - بإبداع روائي - كيف انتهى إلى الدروشة، حيث التقى به في أخريات حياته خارجا من جامع الحسين، غائبا عن الدنيا وما فيها. صحيح أن هذه النتيجة التي وصل إليها فهمي كانت نتيجة مأساة خاصة. لكن هذه المأساة، وهذه النتيجة، كشفت عن محدودية الشخصية التي تستأسر لعالمها الخاص.

يذكر الرواة - إن صدقا وإن كذبا - أن أبا العلاء المعري، الشيخ الضرير، كان يملي شرحه لديوان المتنبي على تلاميذه. وعندما وصل إلى قول المتنبي:

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي

وأسمعت كلماتي من به صمم

بكى المعري، وقال: أنا الأعمى، وكأن المتنبي كان ينظر إلي من سجف الغيب. كان المعري يدرك أنه الذي يبصر ما لا يبصره المبصرون؛ رغم عماه. وكما تحلل المعري من أسر العمى، وأسر ثقافة العماء، سار طه حسين على دربه، مستنيرا بضرير مثله. ولكنهما خلقا من هذا العمى القدري، قوة الإبصار الثقافي لملايين البشر. لم يجعلهما العمى ينتجان ثقافة تدخل الأمة في نفق مظلم؛ حتى يستوي الأعمى والبصير فيها، وإنما جعلهما هذا العمى مدركين لأهمية أن يخلق الإنسان لنفسه عالما من الأنوار، يتسع باتساع الوجود كله. وهكذا كافحا آفتهما بإنتاج نقيضها الموضوعي؛ لتكون تذكيرا للمبصرين بأن لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور؛ كما يؤكد الذكر الحكيم.

العلاقة بين المعري وطه حسين، علاقة وطيدة، يؤكدها طه حسين، ويشرح شموليتها. ولهذا لم يكن غريبا أن يكون أول كتاب لطه حسين - وهو رسالته العلمية الأولى - عن أبي العلاء المعري، وأن تكون كتابته عن كتابة يمتزج فيها العلم بالوجدان، إلى درجة تتعرض فيها العلمية للخطر. لكن، لم يكن هناك مناص من هذا. وربما كان هذا الامتزاج ضروريا للكتابات المعاصرة الأولى عن الشيخ المظلوم: شيخ معرة النعمان.

من يقرأ: الأيام (سيرة طه حسين الذاتية) لا بد أن يبكي. ولكنه ليس بكاء خالصا، يؤدي إلى الخور والضعف، وإنما هو بكاء ملتهب، ينضح بالإعجاب، قدر ما ينضح بالحزن العميق. لا تتكشف في الأيام مأساة طه حسين لوحده، وإنما تتكشف مأساة وطن كامل، بل وأمة في تاريخ، بحيث يتجذر الوعي من خلالها، بأن مأساتنا طويلة وعميقة، بطول قرون، وبعمق جهل يتسبب في فقدان طفل لنافذتيه على الدنيا.