• تجعل الرواية ولادة خاتم في حالة لشق النور.. وكأن ذلك الشق هو اضاءة الطريق المختلف الذي تجوس به تلك الشخصية عالمها.. فالوليد لم يصرخ، بل "بدأ دخول الدنيا بركل العتم حتى شق لنفسه كوة نصاعة في المبيت" الرواية ص

23.ويداخل ذلك الاختلاف هاجس نهاية التوقعات والتطلعات للمسألة المرغوبة في دار نصيب، والمبحوث عنها بشغف، وهي حالة الذكورة..

"مثل يراعة راقبته سكينة، وعرفت فيه خاتمة الصراع لاحياء الذكر، عرفت سكينة تلك الحقيقة في نار سرت وسملت بطانة حوضها المتهتك بالوجع" ص23، حيث يلتبس الذكر بالذكر، من خلال ذلك الحرص على تبني الشيخ لـ "سند" ابن عبده "فرج" والحرص على إلحاقه بقرابته عن طريق الرضاعة، حيث تمت الرحلة الى المدينة المنورة للرضاع من شقيقته زين.ومع ولادة "خاتم" يأتي اخلاف المتوقع عن طريق سكينة "زوج نصيب" التي لا ترضع "سند" حيث تكتفي بارضاع وليد صلبها "خاتم" الذي يظهره السرد بخطاب التأنيث "ضمت خاتم لصدرها بعنف، اوصدت على ثديها طية الصديرية الناصعة، ترك قطرُ الحليب ظلا طويلا رطبا على بياض القطن، مثل وحش يذود عن حمى، زاد تشبثها بخاتم، ثم عادت تلقم وليدها الثدي الآخر النافز بكنزه" ص28، حيث كان هذا التأبي مثارا لتأويل الحماية للبنها، لمن اصبح مجسدا لحالة الذكورة المفقودة المطلوبة، وكأن الذكورة اصبحت مسألة تتكون من التنصيب او الاعلان، حتى لو فارق ذلك الجسد او فارق التأنيث المصطلح عليه لـ "خاتم" والمبثوث في خطاب السرد، حيث كان ذلك النكوص عن تعلق سكينة بذكورية "سند" موصولا بنيتها الحاسمة التي تأولها السرد "لا أمل من آمال سكينة تعلق بذاك الذكر، مثل محارة عنيفة كانت موصدة على نية حاسمة في تخليق استمراريتها من لحمها ودمها" ص

28.* * *

ويدخل بنا السرد الى اثر تقلب "خاتم" بين التذكير والتأنيث في ذاتها وفي من حولها، فمن اجابة لـ "خاتم" عن التقلب بين الحالين يأتي قولها "احب النقلة بين الشيء وما بعده، وقبله او وراءه او نقيضه، احب مراقبة النساء، الدخول في مجالسهن واسرارهن، لكن لا اريد ان اكون سرا محبوسا هناك، لا اريد ان اخبأ وفي الوقت نفسه لا اريد ان انكشف.. الآن على الأقل لا شيء يزعجني في هذا الوضع" ص

60.اما "سند" فهو في معضلة من تقلب "خاتم" بين الجنسين حيثما يظهر السرد مسار الحوار التالي بينه وبين خاتم:

"تأملت في سند ثم سألت "انت هل يزعجك الامر؟"، نظر اليها كمن يبحث فيها عن اجابة هتف: "لا اعرف انه يحيرني.. أحيانا لا أعرف كيف اشعر نحوك، كما اشعر نحو ولد ام نحو بنت..." (ايختلف؟!"

"بالتأكيد.." ص

60ثم بين السرد خضوع "سند" لقوة طاغية من ذلك التقلب بين الحالين، قوة تشعره بالقوة ثم تجرده منها "الآن أشعر انك خاتم البنت التي تثير في نفسي الرغبة في الا امنع عنك شيئا مني، انت كبنت تشعرينني كما ان ليس في الارض اجمل مني واقوى واقدر، وفي نفس الوقت تجرديني من هذه القوة في مواجهتك.. بينما بعد قليل وحين نخرج نجمع الحجارة من الجبل او نركض نحـــو الحرم اشعر بأنك منافس وان بوسعي ان اغلق نفسي.." ص 60،

61.وهنا نجد ان هذا التكوين لهذه الشخصية السردية المتقلبة بين الجنسين قد مكن استبطان هذه الشخصية لكلا العالمين، وقد حل اشكالية السارد في الحركة عبر وشائج العالمين، وعبر مفارقاتها.. حيث كانت هذه الشخصية قفزا على الحدود المغلقة بين العالمين، واشعالا لجذوة التواصل بينهما، في حدود محطات السرد التي وضعها لذلك، في حدود جعل "خاتم" انثى في دار نصيب، وانثى تظهر بمظهر الذكر في دار تحفة، وبمظهر غلام في الخروج، وفي الحرم، وفي الحلقات... وكأن ذلك الامر ما هو الا اختراق مؤقت للحدود التي يضعها ذلك العالم بين التذكير والتأنيث: ومسايرة لحركة الحياة الاجتماعية حول التذكير والتأنيث.. حيث جاء التقلب مبررا بمبررات اجتماعية.. حيث كان عدم الجزم بجنس خاتم سائرا في نسق الخوف من استئصال الذكورة، والتمظهر بالذكورة سائرا في نسق الشقف بالذكر لهذا الشيخ ولهذه الدار... وقد نجح ذلك الاختراق في ان تتأول تلك الشخصية التقاء العوالم، وان تكاشف المجتمع بالمخفي والمقصي في حياتهم، حيث حل الفناء في بيت الاكابر، وفي ذريتهم.. واستبطنت تلك الشخصية عوالم الشقاء التي لا تعرفها عوالم النعيم.. حيث تفتح تلك البوابات "لبنت النعيم" لبنت نصيب المعلقة كقنديل بين تحف الذكور والاناث!" كما يقول لها هلال ص

77.ولقد جاء حوار هذه الشخصية "لخاتم" مستبطنا تأويل هذه المسألة ومحتجا على التمظهر والتصنع، حيث جاءت كلمة "تحفة" مشعرة بذلك التجميد الذي آلت اليه حيوية الشخصية.. كما جاء الحوار مجسدا لحالة التراتب الاجتماعي، حيث اخذ "هلال" يواجه "خاتم" بفظائع الاكابر في الاشقياء، وجسد النص من "هلال" محركا لهذه الشخصية في تلك العالم، حيث ادخلها عوالم الأشقياء، وعايش لحظة النهاية لـ "خاتم" التي اشرنا اليــها سابقا، على يد جنود الفتنة.

وكانت مقولته عن "خنوثة" خاتم مقولة فريدة له عن هذه الشخصية التي يشتعل بجذوة تواصلها وتعرفها وتنقلها بين عالمي النعمة والشقاء، والتذكير والتأنيث.. يقول لها عند وقوفهما على احتضار "مهراس":

"سلام؟! ابنة نصيب الخنثى محروسة مبخرة من شياطين هذه الدنيا، هذا ابليسهم الاكبر لم يسلم من شره احد لا الاطفال ولا الكبار، لا الاناث ولا الذكور.." ص86