يعد عباس محمد العزاوي (1307ه - 1391ه) أحد أبرز المؤرخين العراقيين في العصر الحديث، ولكنه يكاد يكون أقل شهرة - من غيره - بين المثقفين، بل وحتى المتخصصين في التاريخ، اللهم إلا أن يُعرف عنه عنوانان من عناوين كتبه، وهما "تاريخ العراق بين احتلالين" و"عشائر العراق". لكن المطلع على كتب البيبلوغرافيا يجد العزاوي في مقدمة أسماء مالكي المخطوطات، ليس على مستوى العراق فحسب، بل على مستوى الشرق الأوسط.. فحسبك أن تعلم أن ممتلكات العزاوي من المخطوطات فاقت الثلاثة آلاف بكثير، حتى أضحى اسمه يقارن بالأب انستانس الكرملي (ت 1947م) في ملكية المخطوطات. ولك أن تتساءل - عزيز القارئ - وكم بلغ إنتاج العزاوي من الكتب؟ بمراجعة مراكز البحث العلمي وكتب البيبلوغرافيا لن تستطيع احصاء أكثر من ثلاثين مؤلفاً على أعلى تقدير، بالإضافة إلى أنك ستجد أن بعض الكتب المذكورة ما هي إلا مقالات وليست كتباً، ولم يجمع أحد - حسب علمي - إلى الآن جميع مقالات العزاوي، وأقصى جهد بذل هو ما قام به مركز الملك فيصل للبحوث، فجزاهم الله خيراً على تلك الجهود. وعلى مستوى العراق، قدمت رسالة ماجستير حول عباس العزاوي ومنهجه في كتابة تاريخ العراق، قدمها أحمد ناجي نعمة الفتلاوي عام 1994م، وهو الذي يكتب الآن على موقع الشبكة العنكبوتية باسم د. أحمد ناجي. ولا توجد نسخة من رسالته في المملكة. وعند متابعة القارئ لمواقع الشبكة العنكبوتية يجد جدالاً دائراً بين بعض الكتاب حول منهج العزاوي، وهل أضاف جديداً إلى دنيا المعرفة أو كان مجرد ناقل أو جمّاع للكتب والوثائق العلمية وغيرها؟! وإذا كان البعض يجهل الشيء الكثير عن العزاوي، فيكفي أن تعلم أن كلاً من المستشرقين "جيب" و"ماسينيون" و"ريتر" قد اهتموا بكتاباته كل الاهتمام، ففي الوقت الذي شكره الأول على جهوده في تاريخ العراق، نجد أن الآخرين قد راسلاه للاستفسار عن بعض قضايا التصوف. كما نوه بجهوده المؤرخ الهندي "ويتولد راجوسكي" في مجلة العالم الإسلامي عام 1953م.

فما هي الدعوة التي أوجهها في هذا المقال؟

أرى من واجبي - رغم بعد تخصصي عن التاريخ - توجيه دعوة للباحثين والمهتمين بدراسة التاريخ عموماً إلى محاولة جمع تراث العزاوي، فمن يقرأ نهايات كتبه يجد أنه يختم كل كتاب بقائمة للكتب المطبوعة، وأخرى للكتب المعدة للطبع.. فما مصير كتبه المعدة للطبع؟

بعد البحث في مراكز البحث العلمي وجدت الباحثة الكتب المطبوعة قبل وفاة العزاوي.. كاكائية - اليزيدية - العراق بين احتلالين 8مج - عشائر العراق 4مج - تاريخ الأدب العربي 2مج - التعريف بالمؤرخين، ذكرى أبي الثناء الألوسي - تاريخ الفلك - تاريخ النخل - تاريخ الضرائب - تاريخ النقود العراقية لما بعد العهود العباسية - كما وجدت من الكتب التي ترجمها العزاوي: رحلة المنشي البغدادي (من الفارسية إلى العربية)، وترجم: فيلسوف العرب يعقوب بن اسحاق الكندي (ترجمة من التركية إلى العربية)، وحقق من الكتب: (منتخب المختار) ذيل الخطيب البغدادي، و(النبراس) لابن دحية الكلبي، وكتاب (سمط الحقائق في عقائد الاسماعيلية) لعلي بن حنظلة الوداعي، ويوجد في مركز جمعة الماجد كتابان لم تحصل عليهما الباحثة هما: الموسيقى العراقية، وكتاب حول تاريخ المماليك. وأما الكتب التي كانت مسودات ثم حققت بعد وفاة العزاوي فهي: كتاب أربيل، وكتاب العمادية، وكتاب شهرزور السليمانية، ثم كتاب تاريخ الفيلية عام 2003م. ولماذا أوجه هذه الدعوة؟! الحقيقة ان لهذه الدعوة عدة أسباب فأولها لأن العزاوي كان حريصاً على تسجيل كل ما يتعلق بالعراق، وكان له هدف أو غاية يسعى لتحقيقها وهي أن يقضي الوقت في كتابة ما ينفع الناس، وأن يسجل أبناء البلد كل ما يخص بلدهم فيكونون خير شاهد لمن بعدهم، وقد رأى العزاوي ان التاريخ هو أهم العلوم الإنسانية، ومن خلاله يعطي تصوراً للمجتمعات ومن التاريخ تؤخذ العبر، وقد اختار العزاوي الفترات الغامضة من تاريخ العراق (656ه - 1335ه)، أي من سقوط بغداد إلى نهاية الاحتلال البريطاني للعراق، فوجد أن هذه الفترة لم يدون فيها التاريخ بشكل متتابع، بل وجد فيه انقطاعا، كما وجد ان تلك الفترات كتب فيها مؤرخون متعددو النزعات ومختلفو المذاهب، كما دخل تلك الفترات التصنع والكتمان، أو توجيه الحقائق لأغراض معينة أو المبالغة الزائدة والإشادة، لذا حاول العزاوي جمع ما استطاع جمعه من الأخبار والحوادث، وساعده اتقانه للغتين التركية والفارسية على أن يترجم ما كتبه الآخرون، ثم عرض كل ذلك على ميزان النقد التاريخي كما يقول. فإذا عرفت أن هذه أول محاولة تقدم لدراسة تلك الفترات من تاريخ العراق، وعرفت أن عباس العزاوي محام عشق التاريخ لمصلحة الأمة، أدركت أهمية دراسته، بالإضافة الى ذلك فإن أسلوب العزاوي غير المتكلف والدقيق مع أمانته العلمية الفائقة وتحريه الدقة في النقل، والفوائد المتحصلة من مقدمات كتبه حول كل مرجع، محاسنه ومساوئه، ووصفه البيبلوغرافي له، يجعلك تنجذب لقراءة كتبه، كما أن غرابة وندرة الموضوعات التي خاضها، بالإضافة إلى قائمة التراجم للشخصيات التركية أو الفارسية والتي أثرى بها المكتبة التاريخية مما جعل المؤرخين كالدكتور (شاكر مصطفى) يشيد بها في كتابه (التاريخ العربي والمؤرخون)، كما اعتمد على معلوماته الباحثون كالدكتور كامل الشيبي في كتابه المشهور (الصلة بين التشيع والتصرف)، كل ذلك أراه أحد الأسباب للبحث عن تراث العزاوي. وأما أهم الأسباب، فهو ما قرأته للأستاذ محمد علي القرة داغي في مقدمة تحقيقه لكتاب شهرزود السليمانية، حيث رصد أو أحصى إنتاج العزاوي في كل من دار صدام والمجمع العلمي العراقي، فبلغت المسودات مئة مسودة في دار صدام وبلغت في المجمع العلمي العراقي احدى وسبعين مسودة، ونقرأ بينها من العناوين العجيبة: فمن التاريخ إلى الجغرافيا الى العقائد فاللغة العربية والنقد، والفهرسة التي أجراها العزاوي لعدد من مكتبات العراق، كل ذلك يجعلك تتساءل: فأين ذهبت هذه المسودات، ومنها ما كان معداً للطباعة وعليها مراجعات للمؤلف قبل وفاته؟! ثم يختم القرة داغي بقوله: "إن ما ورد هنا ليس كل ما جاد به قلم وفكر العزاوي، بل هناك ما فقد من مؤلفاته وجهوده أو لا يزال بعيداً عن متناول الباحثين.. كما نشك في فقدان مبيضات كتب معدة للطبع، وذلك حين نقارن قائمة كتب العزاوي المعدة للطبع في نهاية المجلد الثامن من العراق بين احتلالين بما وجدناه من آثار العزاوي ودوناه هنا" أ.ه. ومن الكتب التي ذكرها القرة داغي أنها مسودات معدة للطبع وعليها مراجعات المؤلف:

1- التعريف بالمؤرخين من عام 1941- 1335ه وهو الجزء الثاني ويقع في 173صفحة من القطع الكبير.

2- تاريخ عقائد الشيعة، ويقع في 186صفحة.

3- تاريخ الفقه العراقي ويقع في 58صفحة من القطع الكبير.

4- تاريخ علوم الحديث المسمى تاريخ مصطلح الحديث، وهو مبيضة عليها مراجعة المؤلف.

5- بغداد في مختلف العصور يقع في 88صفحة من القطع المتوسط بخط نسخ وعليها مراجعة المؤلف.

6- نقد لكتاب "تاريخ العرب قبل الإسلام" للدكتور جواد علي كتبه الأستاذ العزاوي في تسع حلقات وهو مكتوب بخط نسخ واضح مرفقه بمسوداتها. هذه بعض العناوين التي ذكرها القرة داغي من تراث العزاوي. وإن أهمية دعوتي لجمع تراث العزاوي، تعود الى الطريقة التي كان العزاوي يؤلف بها كتبه، فهو كثير الإحالات على مؤلفاته، فإذا كانت الكتب المحال عليها مفقودة واجهت الباحث صعوبات كثيرة، وأصبح هناك بتر في المعلومات. كما أن تراث العزاوي الذي اطلعت عليه من المقالات متنوع الموضوعات فجين اللغة العربية ولهجاتها، والتاريخ وغزواته، والسيرة النبوية والعقائد والفرائد والنقد والفلسفة والتصوف والتراجم للشخصيات، كالخطاطين واللغويين والمؤرخين وغيرهم. كما تعد مشاركاته في عدة مهرجانات مقامة في العديد من الدول العربية حول موضوعات متفرقة، مما يجب الاهتمام به لأنك لا تستطع التعرف عليها إلا من ثنايا الكتب. ولذا أرى أن من الأمور التي تستحق البحث والجمع (مقالات العزاوي) حيث إنها متناثرة بين مجلات عديدة في الدول العربية، وعلى امتداد سنوات طويلة جداً الى ما بعد وفاته حيث نشر ابنه وابنته بعض مقالات والدهما. وقد يتساءل البعض عن كيفية توفيق العزاوي بين مهنته (المحاماة) مع كثرة وتنوع انتاجه العلمي؟ يعلل بعض الباحثين العراقيين سبب ذلك فإن العزاوي، كان كثير القراءة سريع الكتابة جداً جداً، قليل الاختلاط بالناس، إلا الفئة المثقفة، وكان يقضي مجلسه معهم في مراجعة معلومات أو كتاب.. الخ، ولذا كثرت مسوداته، ثم ينتظر من يتفرغ من الخطاطين ليبيض (يحرر) له تلك المسودات. وترى الباحثة أن أحد أسباب بقاء كتب العزاوي مسودات هو عدم وجود من ينسخها له، ومن خلال المتابعة تعرفت الباحثة على أسماء اثنين من النساخ الذين يكتبون للعزاوي وهما: عبدالرزاق فليح البغدادي وابراهيم عبدالغني الدروبي إلا أنه لا يوجد اسم الناسخ أحيانا على مسوداته المعدة للطبع مثل (تاريخ العقيدة الإسلامية). كما تعلل الباحثة سبباً آخر لعدم نشر كتبه، ألا وهو الاتجاه السلفي للعزاوي، فقد يكون ذلك حائلاً دون نشر بعض كتبه خاصة إذا عرفنا أنه كتب في الاسماعيلية وعقائدهم،والشيعة، وتاريخ الفقه والتشريع الشيعي، والتصوف والمزارات والمراقد وغيرها من الموضوعات كالشيخية والكشفية من الفرق وغيرها من الموضوعات التي تعني الشيء الكثير. ولما كان من أواخر من كتبه تاريخ الفيلية (2003م) وعما قريب سيصدر كتاب (تاريخ العقيدة) وقرأنا في جريدتكم أن (تاريخ نجد والأحساء) في طريقه للتحقيق فإن الأمل يقوى بتوالي ظهور بقية تراث العزاوي إذا صدقت النيات وتضافرت الجهود من قبل طلاب العلم. والله من وراء القصد.