تحدثنا في الجزء الأول من موضوع المقارنة بين لون "الزهيريات" في دولة الكويت ولون الأبو "أذيه" في دولة العراق، مع لون الشقر الجنوبي في المملكة العربية السعودية ونستعرض في هذا الجزء لون "الأبو" أذيه" وما يقابله في الشقر الجنوبي الذي تميز بشموليته وخصائص التقابل فيه والتحدي بين طرفين يسمى الأول بدعاً والآخر رداً .

وللشقر الجنوبي إقبال كبير من متذوقيه، خصوصاً الشعر القريض منه، حيث يتجلى فيه نوع من التحدي في لعبة الجناس التي يعتمد عليها شعر الشقر وتعد من المهارات الأدبية الممتعة .

أما شعر أبو أذيه أو ما يسمى في العراق "الأبو ذيه" فسنأخذ منه أنموذجاً فقط للمقارنة مع شعر الشقر للمقارنة بعد أن قمنا بتعريفه في الجزء السابق ومن هذا اللون يقول أحد شعراء العراق:

الشوق ويّاك صدفه قابلاني

إشيجي منك عليه قابل آني

تقشمرني بضحكتك؟! قابل آني

غشيم وتعبر الضحكة عليه.

وللتعرف على معاني مفردات الجناس في قوافي هذه الأبيات، فإن كلمة (قابلاني) في الشطر الأول تعني (قابلني) من المقابلة، وكلمة (قابل آني) في الشطر الثاني تعني (القبول) أي أنني أقبل أنا، وكذلك تكرر معنى القبول في الشطر الذي يليه، وهذا يعد مخالفاً لقاعدة الشقر حيث إنه لا ينبغي استخدام معنى الجناس مرتين !!.

أما الشطر الأخير فهو ما يسمى بالقفل بقافية واحدة للوزن وتناغم الإيقاع الموسيقي لهذا الصوت، وهي عادة تنتهي هذه القافية بحرف الهاء .

ومن لو أبو "أذيه" العراقي قول آخر لأحد شعراء العراق مثل:

لمن اشكي هموم الدهر واشراح

وما أدري شبقى من العمر وش راح

الناس تاكل فخاذ اللحم واشراح

وانا العظمات ماتحصل بيديه

فكلمة واشراح الأولى تعني (الشرح) والثانية تعني (ما فات من العمر) والثالثة يقصد منها (شرائح اللحم) ثم يلي ذلك قافية القفل .

ويقابل لون "الأبو أذيه" في منطقة الباحة لون الجبل، وكذلك المسحباني مثل قول الشاعر :

يا نديبي رح لسعد الضيف والجار

قل له انّ الشرّ بي جار

بو مساعد نور الافجار

ماني ببياعٌ ولا راخي حميه

وتلك الأبيات في الشقر تسمى بدع ولم أجد ردها، وكلمة الجار الأولى معروفة وتعني المجاور للدار ،أما كلمة (جار) في الشطر الثاني، فتعني (الجور) الزيادة والتعدي ويصف بها ضخامة المرض وجوره، والثالثة كلمة (الافجار) وتعني جمع الفجر ومفردها "فجر" أي صبح وضياء ،ثم يلي ذلك قافية القفل التي تنتهي بحرف هاء .

ومن شعر الشقر في منطقة الباحة، القصائد التعجيزية وهي مثيرة للدهشة وتجلب المتعة للمتلقي أثناء فك رموزها وتأمل معانيها، والانبهار بإبداع الشعراء على صناعة الجناس وتوظيف المفردات في أكثر من بدع ورد على جميع كلمات القصيد الواردة في النص الشعري وليس لقافية واحدة، وذلك التحدي بين الشعراء يُظهِرء الأقوى منهم وكذلك من يثبت عجزه على استخدام الجناس وشقر جميع الكلمات والقوافي بحيث يستمر الجناس مع عدم تكرار المعنى باستخدام نفس الكلمات دون تغيير ومن ذلك:

قول الشاعر:

أهل بُنء دق أهل بُن دق

صبّ حوبه صب حوبه

في مصافي في مصافي

الرد :

أهل بُندق أهل بُندق

صبحوا به صبحوا به

في مصافي في مصافي

وفي قصيدة البدع يعني الشاعر القهوة "البن" بينما شاعر الرد يقصد الحرب، وكلمة حوبه تعني بمفرده، ومصافي في البدع تعني الدلال، فيما تعني في الرد المكان الصائف أو المصيف البعيد عن الأنظار الصالح للرماية بالبندق!!.

وذلك اللون من القصائد التعجيزية في البلاغة كما ذكره في "المثل السائر" ابن الأثير أنه يسمى "المعاضلة" أي تراكب الكلمات فوق بعضها نسبة إلى الجراد إذا تعاضل فوق بعضه البعض كقول الشاعر:

(وقبر حرب بمكان قفر.. وليس بقرب قبر حرب قبر)

وفي الواقع أن شعر الشقر الذي يعد الأصل للزهيريات لا يتوقف على الصناعة اللفضية أو التعجيزية، بل أن له دلالات رمزية تغيب عن الكثير، خلافاً لتوازن هذا الشعر بين الحقيقة والمجاز، فهو ليس بالمبهم ولا بالواضح، بل أنه يعتمد على الغموض ولا يفهم من سياقه كل ما يحتويه من معان، ويحتاج استخراج معانيه وفك رموزه إلى توقد الذهن في معاريج خفية من الفكر والحدس لدى ذائقة المتلقي.