أنار كلي التي دفنت برضاها وهي على قيد الحياة قبل أربعة قرون وراء جدران قلعة المغول التي تقع حالياً في مدينة لاهور الأثرية شرق إقليم البنجاب الباكستاني، لا تزال قصتها باقية ومتداولة حتى اليوم في المناهج الدراسية في باكستان، وكثيراً ما تروجها وتعاودها السينما الباكستانية والهندية، وقد تم تناول هذه القصة ومعالجتها من خلال 11فلماً سينمائياً روائياً طويلاً، خلال فترات متفرقة، كلف على آخره مبلغ 12مليون دولار أمريكي. أنار كلي... الخادمة التي تحولت إلى فتاة أحلام أمير الهند سليم واجتازت حاجز الزمن وتقاليد العهد المغولي الذي استعمر القارة الهندية طوال ثلاثة قرون ونصف لينته في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، والتي أدت بها معارضة ملك الهند المغولي وأب الأمير سليم الملك شاهنشا أكبر لتدفن وراء جدران مقبرة أفقية واقفة وهي على قيد الحياة.

لا تزال مبانٍ كثيرة وشوارع وحدائق ومنتزهات ومتاحف عديدة في كل من باكستان والهند تعرف باسم "أنار كلي" التي ولدت في قصر الملك المغولي أكبر، وكانت من سلالة العبيد والخدم الذين توارثتهم الأسرة الملكية المغولية. ولم يُرزق الملك أكبر بابن ليتولى عهد بلاد الهند ويرثه في السلطة، وبعد انتظار دام لسنوات طويلة رُزق بابن سماه الأمير سليم، وجاءت خادمته لتبشره بأنه قد زرق بمولود ذكر، ومن شدة فرحته أهدى الملك أكبر خادمته (أم أنار كلي) خاتماً كان يرتديه في إحدى أصابعه وبه ألماسة ضخمة، ومكافئاً إياها وعدها بأنه سيفي بطلب واحد للخادمة مهما كان مستواه في أي مرحلة من حياته.

"أنار كلي" الخادمة الصغيرة التي ولدت وتربت في مساحة قصر الملك، قضت طفولتها وهي تلعب مع الأمير سليم، وعندما بلغا الرشد ، بعث الملك أكبر أنار كلي إلى قصر آخر، وبعد مرور فترة وجيزة أصيب الأمير سليم بحمى بسبب الفراق، وحسب الروايات التاريخية أنه لم يعاف من تلك الحمى حتى عادت أنار كلي إلى قصره، وشعر الجميع بذلك سوى والده الملك شاهنشا أكبر.

أنار كلي التي تعرف بلقب ملكة الهند على الرغم من أنها لم تتزوج بملكها إلا ليوم واحد، لم تكن تدرك المصير الذي ينتظر قصتها الخفية مع الأمير سليم وخطورة التقاليد المغولية التي كانت تمنع الأسر الملكية المغولية من اتخاذ زوجات خارج العرقية المغولية التي قدمت من وسط قارة آسيا لتحكم بلاد الهند، وقد يكون سبب ذلك هو الحفاظ على الصفات الخلقية للعرقية المغولية، وإما تقاليد ملكية كانت تمنع الزواج بالخادمات. مقبرة أنار كلي الواقعة في زاوية مزدحمة في مدينة لاهور، تروي بأن الملك شاهنشا أكبر عندما اكتشف قصة ابنه مع أنار كلي، أمر بالقبض عليها وأحالها إلى السجن، ووجه جنوده بمعاقبتها بالقتل وأن يقطع جسدها إلى أجزاء ثم توزع على جدران القلقة لتأكل منها الطيور لتكن عبرة لسلالة العبيد والخدم، لكي لا تتكرر قصة أنار كلي، إلا أنه ولإصرار ابنه الأمير سليم لم تنفذ العقوبة على الفور. وبعد نقاش طويل دار في القصر المغولي وإصرار الأمير سليم باتخاذها ملكة للهند، اضطر الأب الملك أكبر بتأجيل العقوبة، ولكن لم يستمر ذلك كثيراً حتى اكتشف أن ابنه بدأ يراجعها داخل السجن دون أن يشعر به أحد، مما أدى إلى نهوض قصتها ثانية، وأمر الملك بقتلها على الفور، إلا أن ابنه سليم سقط طريحاً على الفراش بسبب الصدمة النفسية التي لحقت به لقرار والده بتقطيع جسد أنار لي، مما أدى إلى تأجيل فرض العقوبة ثانية، إلا أن سليم حاول الهروب بها إلى خارج حدود الهند تاركاً خلفه ملك الهند ودولته ليقضي حياتاً عادية، إلا أنه ألقي عليه القض أثناء الفرار وبرفقته أنار كلي. وبما أن أنار كلي كانت قد علقت في فكر الملك أكبر، والذي كان قد اعتزم التخلص منها حفاظاً على تقاليد الأسرة الملكية المغولية، وجد طريقاً للتخلص منها، ووعد ابنه بأنه سيحتفظ بها للأبد داخل القصر الملكي الهندي الذي يقع حالياً في مدينة لاهور الأثرية ويعرف باسم (قلعة المغول)، وبعد أن عاد الأمير سليم إلى القصر أوفى والده الملك أكبر بوعده ووافق على زواجه مع أنار كلي وحدث الزواج، وفي اليوم التالي من ليلة الزفاف أمر الملك بأن تدفن أنار كلي وهي حية في قبر أفقي، وفي الأخير حدث ذلك، وقام جنوده بإيقافها في إحدى زوايا القلعة دون أن يمسوها بسوء وبنوا حوليها جداراً مستديراً لا يزال قائماً حتى اليوم. وإيفاءً لوعده مع ابنه لا تزال أنار كلي تعيش بين جدران القصر الملكي الذي خلفه المغول ولا يزال وافقاً على قواعده منذ أكثر من ستة قرون. وتقول رواية أخرى، أن أم أنار كلي ذهبت عند ملك الهند شاهنشاه أكبر قبل لحظات من تنفيذ العقوبة، وأخرجت الخاتم الذي كان قد أهداه إياها ليوفي مقابله بوعد واحد مهما كان مستواه، وطلبت منه أن يفرج عن حياة ابنتها أنار كلي حسب ذلك الوعد وأعادت إليه الخاتم، وتقول هذه الرواية أنه تم إخراج أنار كلي من القبر قبل إغلاقه على توجيهات الملك الذي أمر أمها بأن تأخذ ابنتها إلى بلاد بعيدة عن حدود الهند، وذلك إيفاءً بالوعد الذي يعرف اليوم ومتداول في المصطلحات المحلية في باكستان والمعروف باسم (وعد الخاتم) الذي أوفى به ملك الهند المغولي بعد 35عاماً. على كل حال، ماتت أنار كلي دون أن يعرف أن موتها كان طبيعياً أم أنها دفنت وهي حية وراء جدران قلعة المغول، إلا أن الرواية الأكثر وثوقاً هي أنها دفنت في القلعة ولم تبك ولا بدمعة واحدة أثناء دفنها، ودُفنت برضاها دون أي مقاومة أو ربطٍ بالسلاسل، لأن أمنيتها الزواج بالأمير سليم كانت قد تحققت، وحدث ذلك عندما كان الأمير فاقداً لوعيه إثر دواء وضع في شرابه بأمر من أبيه الملك أكبر.