أطل علينا القاص في روايته الجنية بملامح السيرة، ولكنها سيرة غريبة فقد سرد لنا معالم الشخصية ومكانها وزمانها وتطوافها في الاتجاه الغربي العربي والأمريكي، وكيفية المعادلة الحياتية بين عالم الإنس وعالم الجن وكل في فلك يسبحون ولعلي أقف عند الرواية وقفات متأنية على شاكلة المقاطع الكلامية.

بناء الرواية:

تتجلى الفكرية العلمية المنهجية التي ينتمي لها القاص في بناء روايته فقد أثرت الرواية فكرا وحدثا وجذبا، ولكنها لم تفصح عن تجديد في البناء، وإنما رسخت السردية والحبكة وسائر معالم القصة في مستهل القرن العشرين.

يكون الإعلان صراحة عن الفلسفة والفكر المعاصر في مستهل الرواية في فقرة سؤال قبل بدء القصص الذي يقوم على التساؤلات للجنية والحرية،يكشف عن دراما فلسفية متوقعة.

أيتها الجنية! هل أنت الحرية؟

أيتها الحرية! هل أنت الجنية؟

يتضخم الفعل الفكري للقصة حتى الملل في الإعلان عن البحث الصريح في بطون المراجع حين يسدي الكاتب شكره إلى الأستاذ إبراهيم الطاسان، والأستاذ فيصل بن معمر وسليمان الوائل على تفضلهم بتزويده بالمراجع.

ثم تتكشف موهبة الكاتب الشعرية وانتمائه الشعري بجذب كثيرا من شعر إبراهيم ناجي ويتعانق إعجاب القصيبي بالشاعر مع الإعجاب بالجذور العربية وميل النفس للأساطير والحكايات بل القصص العربي القديم باختياره لبيت ناجي:

وعلى خيمته... أسوده

عربي الجود شرقي الضيافة

ثم وارت يده جنية

وطوته كأساطير الخرافة

والرواية تقوم على تحديد شخصية رسم معالمها في البدء بإعلان أن الرواية سيرة ذاتية لبطلها الذي انطلق من المنطقة الشرقية وان كان ينتمي لآسرة عربية من نجد.

والقاص يسجل ملمحا معاصرا ذلكم هو المكانة النجدية التي تألقت في الجزيرة العربية بل العالم العربي فكثير من الأسر في الزبير من العراق عادت إلى جذورها النجدية، وأكثر من الأسر في الشرقية تتفاخر بانتمائها إلى نجد كثيرا من الأسر في سوريا والأردن وفلسطين تفاخر بعودة جذورها إلى القبائل النجدية، وما ذلك إلا تسجيل للدولة السعودية التي عاصمتها الرياض التي أوجدت لنجد هذه المكانة فنحن لا نجد في هذه الظاهرة الانتماء إلى مواطن الجذور العربية في مكة المكرمة ولا الممتدة من اليمن. وكأن التاريخ يسجل مراحل تنقل الدول من مكان إلى مكان ومن جنس إلى جنس،وهذا ما تفاعل في ذهنية القاص قبل بطل الرواية وهو ما نال حصاده.

وبناء على رسم معالم الشخصية فإن الرواية اتكأت على السرد الذي يقوم على البناء الهيكلي تتابعي البناء ولكي يتمكن القاص من سرد الحوادث فإنه قسم قصته إلى فصول ذات عناوين واضحة وهنا أعود إلى تأثير القاص على بناء الرواية فالذي يوحي به هذا التقسيم أن القاص لم يكن وقته يسمح ليعيش القصة ويكتبها في زمن متوالي وإنما (رسم مخططها على شكل حلقات) ليحصر فكره في عنوان يستحوذ عليه أو كأنه اقتفى أثر ألف ليلة وليلة في تقطيع أوصال الحكايات حتى تتمكن من سردها في ليالي متتابعة.

والتحليل الذي يقوم به بطل القصة ضاري يدلف بنا إلى الجامعة في صراحة حتى من السارد ومن هنا يتعانق الكاتب مع بطل قصته فهل التحليل من البطل الذي اثر على الكاتب القصيبي وفرضت عليه الإبداع أم التأثير من الكاتب على البطل فكان البطل ينطق بلسان الكاتب القاص،فالأمر هذا يصير الناقد في حيرة من أمره هل الرواية قص أم سيرة ذاتية تمثل جوانب من حياة الكاتب القصيبي ذاته بجنونها الحقيقي والرمزي ونحن ندرك اقتحام القصيبي لهما معا.

إن عملية التحليل تكشف عن تعانق الرواية مع الكاتب كثيرا في منهجه البحثي. وهي وإن أثرت القصة لكنها فرضت نفسها في نشاز لم يستطع الكاتب أن يدخل الحوار في خفية في بنائه النصي فلم يجعل عليه قناعا فني يختفي السارد وراء ضبابيه النص، وإنما القاص السارد كان ماثلا أمام المتلقي دائما.

لغة القصة:

وحين تأملنا في مفردات القصة تكشفت لنا قدرة القاص على التوظيف اللغوي،فهو يحمل ثروة لغوية هائلة متواصلة مع ما يحمله من فكر وفلسفة وما يحمله من مضامين اجتماعية،ويتثاقف به مع التكوين الحياتي المعاصر وتتجسد قدرته على انتقاء الألفاظ المناسبة للقصص التي تنأى عن الابتذال وتنأى عن التعالي الإبداعي،أما تراكيبه فهي تنهج منهج التقريرية عن الفكرة التي يتبناها القاص ولا يحيد عنها ورؤيتي لها أنها هي لغة المفكرين العلماء المبدعين الذين يدركون وظيفة الإبداع وتأثيره، ولهذه القناعة فإن القصيبي القاص والقصيبي الشاعر لم ينحاز عن التقريرية في الجملة ومع هذه التقريرية فإن تراكيبه تشع بدلالات مختلفة بل هي قدرة المبدع أن يزرع الدلالات في نصه التقريري.وهذه الظاهرة يدركها المتلقي من خلال دراسته لشعره ومن خلال قراءته لقصته.

ويتشكل البناء للحكاية في كثير من التنويع فتارة تحكي سرد الحدث وتارة تحكي حكاية حلم أو كابوس ليلي؛ فقد داهمه قنديش الجني في نومه وظل يساجله طوال الليل حتى أصيح الصباح،والبطل ذاته الذي هو محاكاة لكاتب القصة يغوص في أعماق البحث العلمي ويقوم بالتحليل الواقعي،وتسطير حياة الزوجين من الجن والإنس ودون كثيرا من أراء العلماء في هذا الشأن وجعل النص القصصي صورة من البحث العلمي فهو موثق بالمراجع فينقل النص ويحلله. ص88، 89وهل من بناء القص قول البطل "اترك هذه المهمة لباحثين مغربيين متخصصين في الدراسات الانثربولوجية" وهو كذلك يعتمد على كتاب (الثقافة الشعبية المغربية) لمؤلفه محمد اديوان،وكتاب المعتقدات السحرية في المغرب،لمصطفى إعراب.

ومن هنا ربما تكون القصة أول رواية تتعانق مع البحث العلمي وهل يكون ذلك نجاحا للرواية أم عامل سلب والحكم الفيصل فيها هو جاذبيتها وتواصل القراء معها.

تمثل الرواية التواصل العالمي الذي يحتمه عملية الإبتعاث فالشباب الوافد إلى حياة جديدة كله ذهول أمام قراءات جديدة لصفحات التكوين الاجتماعي والطبيعي والمعرفي والبشري. إنها رهبة فاستدراج فاندماج والعودة والشباب العائد إنما هو رسالة كبرى طويلة الزمن لتمكين التواصل بين الشعوب. والمؤثرات تكبر ومعابر الاتصال تكثر والتأثير ينمو ويكبر، فهذا المبتعث المعاصر يسجل مراحل التفجير الأخلاقي فقبل فترة لا مجال للتواصل الجنسي في الجامعات الخارجية وألان تعلن له الدعوات العالمية المنظمة من هيئة الأمم المتحدة إنها في حقبة زمنية قليلة فكيف بالآتي - الله نسألك أن تحمي البشرية -

يقول عن مراحل الدراسة في جامعته "كل الفتيات اللواتي خرجن معي كنا يدعين العذرية،ولم يكن هناك ما يدعو إلى تكذيبهن كانت العذرية السمة الغالبة على طالبات الجامعة في ذلك العهد السحيق،قبل أن يبد الانحلال الذي سمي الثورة الجنسية" ص 48إن القصيبي يعمد للفكر المتحرك ويتأمل في رياحه ويصور ميلانه ذات اليمين وذات الشمال،مما يجذب القارئ إلى تلك الأرجوحة الفكرية،والفكر من عوامل الجذب الروائي لاسيما منه الجديد والغريب،وهذا ما استحوذ على قص القاصات والقاصين السعوديين فغرائب الفكر وتجاوزاته هي التي رفعت شأن القص لكنها غرائب في مجتمع محافظ فمتى تجاوزها خفف وهج القصة وضعف شأنها أما قصة الجنية فإنها تحرص على فكر متوقد دائما وأيضا تحمل فنية في الأسلوب اللغوي والتصوير الفني والوصف السردي.

أن الروايات العالمية التي تحكي الجن والتلبس به إنما تصدر عن انفصام العقلانية وتتجاوز إلى استبطان اللاواعي ويتجسد ذلك في التحام الواقع والحلم، والحزن والفرح، والتأني وتتلاحم فيه البهيمية مع التأفف والتأنق.

ولكن الجنية عند الكاتب السارد وعند الشخصية في معزل عن عملية التلاحم والهذيان وإنما أطرها السارد بإطار العقلانية والاتفاق بين الطرفين فالتقارب المسؤول،والتواصل المسؤول والافتراق المتفق عليه بعهود ومواثيق بين الشخصية ضاري وعشيقته الجنية عائشة.

والرواية لم تخترق العقلانية والواقعية،وإنما تمثل بحثا علميا يكشف عن أسرار علاقة الإنس بالجن.

وقد حاول السارد الاقتراب بالنماذج بينهما حين تلبست الزوجة الجنية زوجها ضاري بطل الحكاية ولكن ظهر الفشل وأصبحت الحالة حالة سحرية،أو شعوذة، أو هو جعلها رقية شرعية.خشيت المحاسبة.

وعلى غير واقعية النظرة للجنون فإن السارد أوحى بأن بطله ينظر إلى علاقة الجن أنها من صنع الخيال،وأن الشك يداعبه بين السحر والشعوذة في كثير من العلاقات ومن هنا بدأت العلاقة بمحادثات حوارية تعليمية وإن تلبست بعلاج يوحي بغياب الإنسان عن العالم في أحلامه حين يأتيه الوسيط الجني ويمنحه حبة من العلاج يغيب وراءها الإنس ويحادث ويحاور الوسيط. فالقضية " رسم الشخصيات وهي مضطربة في اطمئنان،وحائرة في استقرار،تتكلم بعقل عاطفي،وتتحدث بعاطفة عاقلة،وتعي في حلم وتحلم في وعي"ص 93فصول

وهناك منعطفات في تقلبات حياة شخصيات القصة تحكي أحداثا خاصة لكنها صورة عامة للمجتمعات البشرية وربما يهتدي القاص إلى كلمة تلامس قلوب القراء أو بعضهم بل ربما أحدهم ومنها حكاية الإيمان بقدرات الجن التي لا يقدر عليها الإنسان ويقول على لسان ذلك الخبير في التعامل مع الجن "يا لجهلي ويا لحمق أولئك الذين يظنون أن الجن يعرفون الغيب"

فكم هم البشر في مشارق الأرض ومغاربها الذين تذهب حياتهم أو سعادة حياتهم أو يجلبون لأنفسهم الشقاء بالتواصل مع السحرة والمشعوذين.

ومن العبارات التي لامست قلبي واستوقفتني وجعلتني اكتب عن هذه الرواية قوله "الحياة لا تستجيب بسهولة لمخططات أحد جنيا كان أم انسيا "ص

109فكم من أحلام يقظة استدرجت كل إنسان في يومه أو ليلته أو شهره أو دهره أو عمره. والله يقول "يعدهم ويمنيهم وما يعدهم إلا غرورا" الآية. فكيف إذا اجتمعت النفس البشرية الطامعة،الجامحة مع قرينها من الشياطين فويل للذين لا يعقلون ولا يلوذون ولا يستعيذون بالله من الشيطان الرجيم. وما أعظم هدي الإسلام الذي يدعو إلى العقلانية في دينه وتعامل الفرد البشري حتى مع ربه فكيف بأشرار الإنس والجن.

ولكن السارد رغم منحه العقلانية والعلمية والمنهجية لبطل القصة ضاري إلا أنه يتصرف بحكمة في كثير ويتهور أو يندفع إلى ملاقات الجن كثيرا. فهو يعد نفسه للقاء الوسيط (قنديش)وهو يحرق الورقة التي تكشف له عن التواصل مع الجن،وهو يضغط الزر الذي يجلب الجن.

والذي يمثل العقلانية أن البطل أو الشخصيات الأخرى لم تصدر أقوالهم عن فقدان الوعي ولم يعبروا عن اللاوعى،ومن ثم لم تكشف القصة عن نفسيات خارجة عن المألوف كالحديث الفاحش أو السلوكيات الفاحشة،بل لم تصل إلى مرحلة المثمولين وهذيانهم. ولم تكشف عن غرائبية تصنعها الأحلام.

"وتحتاج القصة الجنونية إلى رسم التناقض والصراع " لكن قصة الجنية تعيش بسلام وتتحاور بسلام وتتعهد بعدم الإيذاء والابتلاء فلم نجد غرائب خيالية وأوهام بعيدة المدى وأحلام يقظة تتفاعل بين حياة الأنس وحياة الجن وليس هناك تناقض يذكر حتى المحصلة التاريخية التي أشار إليها من حكايات الإنس والجن لم تكن موغلة في فقدان صور الحياة الإنسانية،حتى توظيف اللغة لم يخرج عن المألوف بل لم ينداح إلى صناعة الكهان،وأسجاعهم التي كانوا يتداو لونها في العصور الجاهلية أما ألان فإنهم يخفونها ولا يدو نونها،وكانت أسجاعهم تحمل كثير من الدلالات والاحتمالات وتارة الغموض.

ويتفاعل القارئ مع زمن القصة تفاعلا تاريخيا فهي تحكي موروثا شعبيا لا قدرة لأحد على تحديد زمنه بل عابر للقرون وهو عابر الأماكن فمثل هذه الحكايات الشعبية تدور في مضمونها بين شعوب الأرض مع اختلاف حكاياتها فمثلا المنطقة الشرقية التي يتكاثر فيها النخل منذ القدم فإنه استوحت خرافة الجن من نخيلها كحكاية (أم السعف والليف) أما جنية (أم حمار ) فهي تكاد توجد في جزيرة العرب كلها من الشمال إلى الجنوب،وأظنها قديمة قدم (إنسان الغابة) وتسمى أبو رجل في الجنوب وكذلك أسطورة (العنقاء) ومثلها (السلعوة) وهي تتعانق مع الأساطير العالمية كما كشفها الأدب المقارن.

إذا فإن القاص ارتحل بالعالم السحيق ومكوناته النفسية والشعبية إلى عالمنا المعاصر ليتلاحم معه.

وعالم الشعوذة وجنونه يستوطن العامة الذين يتضاءل عندهم تكوين التأمل وإنما يجرون وراء ما يسمعون، وأما تكوينه وتفعيله فقد أدركه العقلاء المجربون وإن استخدموا أمثلته من أجل التخويف،أما العلماء فإنهم طرحوا مشاريعهم التأملية حول تفسيره كما فسر الجاحظ فلسفته: " إذا استوحش الإنسان تمثل له الشيء الصغير في صورة كبير وارتاب وتفرق ذهنه،وانتقضت أخلاطه،فرأى مالا يرى وسميع مالا يسمع " والقاص نقل هذا النص العلمي، مما يشير إلى ثقافته واطلاعه وتحديد النص بعلامات الترقيم يوضح لنا أكاديمية القاص الذي أثر على بنية النص فالقاص عادت لا ينقل نصوصا وليس معنيا بالتوثيق ومجرد البحث عن أدلة وبراهين علمية ظاهرة منهجية.وخلل في بناء القصة وكثير من القاصين الفلاسفة، إنما يديرون أفكارهم بالحوار الذاتي أو مع الآخرين وينجم عن التعامل مع الحدث.

وهو يتعانق مع الزمن المعاصر فيما يقارب خمسين حولا فقد سجل رحلة البطل ضاري إلى المغرب العربي عام1961م.

وتلك مرحلة زمنية امتلأت بالتعرف والتواصل بين المغرب العربي الجميل في ريفه،والمنفتح في مدنه فأخذ يستقطب أبناء الخليج الأثرياء ومتوسطي الحال. واستهواهم مما كون علاقات صداقة تحولت إلى زواج،بل مستقر شبه دائم لبعض أبناء البلاد ومنهم من قضى نحبه في تلك الديار.

وسجلت الرسالة بكل وضوح ظاهرة الشعوذة والسحر تلك الظاهرة التي عرفت أو على الأقل تنسب إلى المغرب قديما فكثير من العادات التي فيها غموض كان المغاربة مصدر لها مثل (البشعة) وهي لعق الحديد الشديد الحمرة من النار فإذا كان بريئا لم يؤثر فيه وإن كان غير ذلك فيحرق اللسان كما يزعمون.وهي جارية إلى عهد قريب في مصر والشام وشمال جزيرة العرب أما في الزمن المعاصر فإن الإشارات تشير إلى السحر الذي يحتم على الفرد بالعودة إلى إمراة تهواه أو يتزوجها ولست أدري هل هو حقيقة السحر المحرم أو السحر الجذاب الذي يستهوي النفس وألوان من العشق.