• أمراض السكري في المملكة يبدو أنها تأخذ منحى خطيراً في التشخيص والعلاج، ففي المملكة يعاني 14% من السكان من مرض السكري، ويتوقع المختصون أن يكون 40% من هؤلاء غير مشخصين، أي أنهم لم يدخلوا تحت مظلة الرعاية الصحية ولا يعرف ماذا سيترتب على علاجهم عندما يتم تشخيصهم واحتواؤهم.

والوضع الخطير الآخر يتعلق بالعلاج، فأساليب العلاج المتبعة في المملكة لمرضى السكري لم تتطور ومؤشر ذلك نجده في الارتفاع المخيف في حالات (بتر) الأعضاء التي بدأت تنتشر ونسمع عنها بأرقام مخيفة.. وعلى سبيل المثال يتم في مستشفيات وزارة الصحة فقط بمنطقة الرياض بتر (36) عضواً يومياً (في مركز الرياض الطبي 3ـ 5حالات يومياً)، ولا يعرف حجم الحالات على المستوى الوطني ولكنها كبيرة جداً ومخيفة وتتجاوز المستويات العالمية، ويقدر المختصون أن الحالات التي تعاني من مشاكل صحية في الأطراف بسبب السكري يتم عادة في مستشفياتنا تقرير العلاج بالبتر النهائي للعضو وهذه الحالات تصل في المتوسط إلى 50% من اجمالي الحالات.

  • يقول أحد المختصين (استشاري سعودي): كنت في جولة على المرضى المنومين الذين يعانون مشاكل صحية في الأطراف بسبب السكري في أحد المستشفيات، ووجدت أحد المرضى المنومين يشتكي من الجرح الذي في قدمه، فسألت الممرضة عن سبب تأخرها في تنظيف الجرح كالمعتاد.. فقالت متسائلة: لماذا نغيره.. لا داعي لها!! ويقول انها ـ أي الممرضة ـ عندما لاحظت الدهشة والحيرة على وجهه واصلت حديثها قائلة: مثل هذه الحالة لماذا (نتعب) على تغيير جرحها، فكلها يوم.. أو يومين وسيقرر الأطباء بتر القدم، كالعادة!!

يقول هذا الاستشاري: لقد صعقت وأدركت أن الوضع خطير ومحزن!!

إذا نحن وصلنا إلى هذا الوضع فهذا أمر خطير فعلاً ويعكس تراجعاً أو غياباً للإجراءات وللآليات وبرامج الجودة التي يُفترض اتباعها في علاج مرضى السكري.. وهذا الوضع أعتقد أنه لا يغيب عن بال القائمين على القطاع الصحي وسبق لوزراء الصحة في دول مجلس التعاون في اجتماعهم الذي عقد في الكويت مطلع يناير الماضي أن أقروا عدداً من الاجراءات العملية لمكافحة داء السكري في الخليج حيث يقدر عدد المصابين بـ (7) ملايين حالة.. ومن بين الاجراءات اعتماد (فريق عمل) خليجي لبرنامج داء السكري مقره الكويت يتولى وضع أسس الترصد الوبائي لداء السكري وجمع المعلومات وإعداد المؤشرات الصحية ووضع الخطط والبرامج العلاجية والوقائية والتوعيوة والاستفادة من خطة العمل وبرنامج المكافحة الذي اقترحه الاتحاد الدولي لداء السكري.

وهذا التصور الشامل من الضروري تحويله إلى برنامج عملي للتنفيذ وعاجلاً حتى لا يستمر تدهور الحالات واستشراء طرق العلاج المتبعة التي تتخلص من المرض وإشكالياته عبر استخدام (البتر) للأعضاء المصابة دون الأخذ في الاعتبار ما سوف يترتب على ذلك من مضاعفات على صحة المريض ونفسيته وعلاقاته وتفاعلاته الاجتماعية.

نقول للمسؤولين عن القطاع الصحي في المملكة: هناك تجارب عالمية ناجحة للتعامل مع مرضى السكري، فمثلاً في الولايات المتحدة لاحظ مختصون ان حالات (البتر) في احدى مناطق (الهنود الحمر) تصل إلى (500) حالة سنوياً، والهنود الحمر ترتفع فيهم نسبة الاصابة بداء السكري نتيجة للتغيير الكبير الذي طرأ على أسلوب حياتهم وعاداتهم الغذائية، وبما ان هذا الرقم كبير جداً، طبقاً لتصورات المختصين، فقد تحركت احدى الهيئات الصحية ووضعت برنامجاً علاجياً مختلفاً للحالات المصابة وبعد عام واحد على تطبيق البرنامج تراجع عدد الحالات المبتورة من (500) إلى (25) حالة.

وهذا إنجاز طبي كبير لأنه استخدم (برنامجاً متكاملاً) يضع في الاعتبار أن (البتر) هو آخر المطاف الذي لابد منه، فهناك وسائل علاجية فعالة مثل العناية المكثفة بالجرح وتنشيط الدورة الدموية عندما تضعف التروية الدموية للأطراف السفلى، والآن هناك أجهزة طبية حديثة تستخدم لعلاج الجروح، وبالتأكيد أن المختصين يعرفون أكثر من هذا مما جادت به معطيات الطب.

وحتى الاجراءات والخطط العلاجية لما بعد (البتر) لا تتم لدينا طبقاً لما يحتاجه المريض من تأهيل نفسي واجتماعي، فالشخص الذي يُقتطع منه عضو لن يتقبل وضعه بيسر وسهولة، وهو بحاجة إلى إعادة تكييفه نفسياً واجتماعياً وحتى حركياً، فالذي يفقد قدمه أو يده، يتحول إلى (معاق) له احتياجاته الخاصة، وهذا الجانب شبه مفقود لدينا، ولعل البرامج اللاحقة تدخل في مفردات الخطة التي دعا إليها وزراء الصحة الخليجيون، وأيضاً لعل وزارة الصحة لدينا تستجيب للدعوة التي شاركت في صياغتها خليجياً فوضعنا صعب وصعب جداً على الأشخاص الذين يساقون إلى (البتر) رغم ان أبواب الأمل ما زالت مفتوحة بإذن الله.

نرجو من وزارة الصحة، أو من أي جهة أو من أي مسؤول يهمه هذا الموضوع الإنساني، أن تتم مراجعة عينة من الحالات التي تم بترها، وتُدرس التقارير الطبية وربما نحتاج إلى اجراء عاجل وهو أن يصدر قرار (البتر) لأي عضو من فريق عمل يضم مختصين في الأوعية الدموية، والتجميل، والجراحة مع المختصين في التأهيل النفسي والاجتماعي، لعل هذا يتحقق، ولعل المختصين يتصدون إلى هذا الموضوع ويطرحون آراءهم.