نسبه

الشيخ العلامة القاضي الزاهد عيسى بن عبدالله بن حسن بن أحمد آل عكاس. يرجع نسبه لقبيلة سبيع المعروفة بنجد. كان أجداده يسكنون بعنيزة ثم رحلوا إلى الأحساء عام 956ه فأقاموا هناك.

تزوج والده عبدالله بشريفة بنت أحمد بن إسماعيل المدني سنة 1250ه فأنجبت أولاداً منهم الشيخ رحمه الله.

مولده ونشأته

ولد بالأحساء وورد في ترجمته للشيخ عبدالعزيز بن عكاس أنه ولد سنة الستين بعد المائتين والألف، وذلك في الترجمة التي سبقت مؤلفه "تحقيق في ثلاث مسائل" وتكاد تجمع الكتب المترجمة له على أن مولده بالتحديد كان في سنة 1268ه بالأحساء.

أبو عبدالله عالم جليل أصيب بالفالج فاستمر معه أربعة وعشرين عاماً حتى توفاه الله.

نشأ الشيخ - رحمه الله - أحسن ما ينشأ عليه أبناء وقته من الحياء والنزاهة ومحبة مجالسة أهل الخير، حفظ القرآن وهو ابن اثنتي عشرة سنة واشتغل بطلب العلم على صغره وضعف جسمه وانشغاله بمساعدة والده المريض وطلب القوت لنفسه ولمن يعول، وكان رحمه الله كفيف البصر له نور ضئيل يشع من إحدى عينيه.

صفاته وطلبه للعلم ومشائخه

لما حفظ القرآن الكريم اشتغل بالقراءة على شيوخ وقته بالأحساء فقرأ الفقه المالكي على:

1/الشيخ الجليل أحمد بن مشرف العلم الشهير وقاضي الأحساء المتوفى سنة 1285ه.

2/وكذلك قرأ على الشيخ عبدالرحمن الوهيبي قاضي الأحساء المتوفى سنة 1282ه قرأ عليه الفقه الحنبلي والعقائد. لازم رحمه الله هذين الشيخين ملازمة تامة وقرأ عليهما في الأصول والفروع والحديث وعلومه والرجال وعلوم العربية.

كان رحمه الله جواداً كريماً يقوم بالنفقة على طلابه المغتربين من ماله بل كان بعض طلابه لا يفارقونه طيلة سني طلبهم للعلم مع قلة في ذات اليد وزهد وورع حتى في توليه القضاء، كان يرفض أخذ الأجرة.

أثنى عليه العلامة الشيخ عبدالله بن عمر بن دهيش في كرمه وإيوائه للطلبة المغتربين ونفقته عليهم واصفاً رياه بالحفظ العجيب فقد كان آية فيه، يقول عنه: "سمعته يملي كتاب الموطأ للإمام مالك من حفظه رحمه الله ويقول غيره إنه يملي الموطأ على طلابه كحفظه الفاتحة. وقال عنه أيضاً: "كان رحمه الله يقرر العلوم من حفظه على تلامذته ليلاً ونهاراً في مسجد بجوار داره "براحة الماجد". وكان في بيته أكثر من ثلاثين طالباً من المغتربين من أهل نجد وقطر وعمان يقوم بنفقتهم من ماله الخاص".

رحلاته

1/طلبه الشيخ قاسم بن محمد ال ثاني حاكم قطر للإقامة عنده لنشر العلم وعقيدة السلف وإمامة جامعه والخطابة فيه، فسافر وأقام بها سنة واحدة وانتفع به خلق كثير ودرس في جميع الفنون هناك. وكان داعية خير وصلاح يصدع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مستقيماً في دينه طيلة بقائه هناك.

2/حج رحمه الله وجاور مكة ولازم القراءة على علماء المسجد الحرام وتحصل على الإجازة في الرواية بسند متصل ثم رجع إلى الأحساء.

2/مر رحمه الله بالرياض وسكن فيها مدة وقرأ فيها على العلامة محمد بن محمود وغيره.

أعماله

التدريس والإفتاء في الأحساء.

التدريس والإفتاء وإمامة الجامع والخطابة في قطر بطلب من أميرها.

القضاء في الأحساء وما حوله بتعيين من الملك عبدالعزيز في محرم 1334ه مع توليه للتدريس والخطابة والإفتاء فيها.

سعة أفقه

إن المتتبع لحياة الشيخ - رحمه الله - يلاحظ مع ما مر عليه من شظف العيش وقسوة المعيشة تلك الهمة العالية منه على حد قول الشاعر:

وإذا كانت النفوس كبارا

تعبت في مرادها الأجسام

ويلاحظ أيضاً سعة أفقه وذلك من خلال ما يلي:

1/قراءته للفقه المالكي والحنبلي وتدريسه لهما وإفتاءه بهما لأن معظم أهالي الأحساء والخليج العربي مالكيي المذهب.

2/سفره لقطر للتعليم والخطابة إذ أن العلماء في ذلك الوقت مع صعوبة وسائل الترحال لا يميلون إلى التدريس في غير بلدانهم وهذا يدل على أن للشيخ رحمه الله سعة أفق وبعد نظر.

3/تذكر بعض المصادر ما يلي: "فإن المؤسسين الروحيين للحركة هم قاضي الرياض عبدالله بن محمد بن عبداللطيف آل الشيخ وقاضي الأحساء الشيخ عيسى والمدعو عبدالكريم المغربي..." كتاب السلفية بين أهل السنّة والإمامية للسيد محمد الكثيري نقلاً عن كتاب فاسيليف.

والمقصود بالحركة "حركة الإخوان" التي آزرت الملك عبدالعزيز ولا يستبعد وقوع الأمر على هذا النحو مما يدل على تأثير الشيخ في المحيطين به حيث كانت حركة الرخوان القوة الضاربة للملك عبدالعزيز - رحمه الله - الذي تعاهدها ورعاها بتأسيس الهجر للإخوان للسكن فيها وترك حياة البادية.

4/ومما يؤثر عن الشيخ ويدل على سعة أفقه وقوة حجته ما قاله تلميذه فضيلة الشيخ عبدالله بن دهيش: "كان الشيخ عيسى قوي الحجة بلغني أنه لما وردت عليه كتب الإمام الصديق بن حسن والروضة الندية للشوكاني وكتب أخرى عام 1317ه عارضه بعضهم في توزيعها فجرت بينهم مناظرة فقطعهم بالحجة والبرهان وأقام الدليل الواضح بأنها من كتب السلف تدعو إلى التمسك بالكتاب والسنَّة وعدم التعصب المذهبي فقنعوا بذلك واستمر في توزيعها.

هذه الأمور وغيرها تنبئ أن الشيخ رحمه الله سبق أهل زمانه في استشراف المستقبل والاطلاع على الجديد والمفيد حتى وإن لم يكن سائداً ومعروفاً ذلك الوقت.

علاقته الوطيدة مع مؤسس المملكة الملك عبدالعزيز رحمه الله

سبق أن ذكرنا أن الملك عبدالعزيز - رحمه الله - عهد إلى الشيخ بتولي القضاء في الأحساء وما جاورها، بل تجاوز ذلك إلى أن الملك - رحمه الله - جعل الشيخ عمدته في تعيين القضاة حتى أنه يسأل عمن يريد أن يوليه القضاء بتلك الجهة هل هو من تلامذة الشيخ فإن كان كذلك ولاه القضاء بل إن من يريد التهرب من القضاء يقول للملك واللهي إنني لم أقرأ على ابن عكاس فيعفيه الملك وذلك لمكانة الشيخ عنده.

وتشير المصادر الموثوقة أن الملك عبدالعزيز كان يستشير الشيخ رحمه الله في ما يخص المنطقة وليس أدل على ذلك من خطاب بعثه الشيخ إلى الملك عبدالعزيز نصه "من عيسى بن عبدالله بن عكاس إلى الأشم حميد الشيم الإمام المكرم عبدالعزيز ابن الإمام عبدالرحمن آل فيصل المحترم سلمه الله تعالى من كل مكروه وبلغه من الخير ما يؤمله ويرجوه، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته على الدوام بعده يا محب الدعوى التي صدرت عند الشيخ عبدالله بن علي وثبتت على الرسوم السابقة فأطواق الحديد وضعها أقطع للمخاصمة إذا كانت الأطواق على المقياس الأصلي والأمر لله ثم لكم ودم سالماً والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حرر 17صفر 1335ه.

ويذكر فضيلة الشيخ ابن دهيش "وكان الشيخ عيسى محباً للملك عبدالعزيز ويلهج بالثناء عليه وبالدعاء له بالعز والنصر والتمكين.

أشهر تلامذته

قرأ عليه وتخرج على يده كثير من أهل الأحساء والخليج قبل توليه القضاء وبعده وأشهرهم:

@ الشيخ إبراهيم بن صالح بن عيسى مؤلف كتاب "عقد الدرر" لازمه عشر سنوات.

@ الشيخ محمد الباهلي.

@ الشيخ عبدالعزيز بن سويلم من أهل الرياض النازحين للأحساء.

@ الشيخ العلامة عبدالعزيز بن عكاس قاضي الجبيل وضواحيها وهو ابن أخيه.

@ الشيخ محمد بن سليمان أبا الغنيم.

@ أحمد بن محمد بن بريك الاحسائي.

@ إبراهيم بن طوق من أهالي الدرعية النازحين للأحساء.

@ حسين بن علي بن نفيسة.

@ حمد بن عبدالرحمن بن عمران من أهل الرياض المقيمين في الأحساء.

@ فهيد بن سويدان من أهل منفوحة مقيم بالأحساء.

@ الشيخ سيف المدفع قاضي الشارقة.

@ الشيخ الفقيه الفرضي عبدالله بن عمر بن دهيش رئيس محاكم الحجاز سابقاً.

آثاره العلمية

الناظر في حياة الشيخ - رحمه الله - يدرك أن لدى الشيخ مخزوناً علمياً وافراً مع ما وهبه الله من نظم الشعر على طريقة العلماء ومن أهم آثاره:

كتاب "إجابة السائل على أهم المسائل" وهو كتاب جليل القدر طبع على نفقة سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي الديار السعودية في وقته بمطابع الرياض 1374ه وهو تحقيق لثلاث مسائل في:

صفات الله.

حياة الأنبياء في قبورهم.

التوسل والوسيلة.

وأصله جواب رسالة بعثها الشيخ قاسم بن ثاني حاكم قطر إلى الشيخ عيسى رحمه الله.

ولازلت أجزم بأن لدى الشيخ رحمه الله آثاراً علمية تحتاج إلى الكشف، لعل من يعرف عنها شيئاً أن يوافينا بها خدمة لهذا الشيخ الجليل، كما أن لدى آل عكاس مكتبة عامرة فقدت منها كتب الشيخ عيسى خصوصاً أنه توفي رحمه الله وأبناؤه قُصّر.

ومن آثاره ذلك الموروث الضخم من الوثائق والأحكام بين الناس ووثائق البيع والشراء في المنطقة والتي غالباً ما يختمها الشيخ بقوله: "أملاه الفقير إلى رب الناس عيسى بن عكاس".

أبناؤه ووفاته

تزوج الشيخ عيسى وهو في الخامسة عشر من عمره وله من الأبناء عبدالله وعمر وعثمان وعلي وحسن وهو الأصغر. أما عبدالله فتوفي بعده وأما عمر فهو الآن إمام مسجد الجميح بجدة وأما علي وعثمان فكل واحد منهما إمام بالطائف وأما ابنه حسن الأصغر فعاش في الرياض ومات فيه وهو والد معد هذه الترجمة غفر الله للشيخ وأبناءه وجزاهم عن أمتهم خير الجزاء وأسأل الله أن يجمعنا بهم في جنات النعيم.

توفي رحمه الله في الرابع من شهر شوال سنة 1338ه بالأحساء.

وبعد إيجاز هذه الترجمة للشيخ عيسى رحمه الله فإنني أجزم أن الوقت القادم كفيل بإظهار مآثر الشيخ مع ما بدئ يلحظ لدى الناس من ظهور الوثائق والمخطوطات والاهتمام بها وإبرازها في وسائل الإعلام وخصوصاً الصحف حيث لدى صحيفة الرياض صفحة تصدر يوم الجمعة تُعنى بهذا الشأن تاريخ وحضارة.

أسأل الله أن أكون وفقت لإبراز جوانب من حياة وشخصية هذا العالم الجليل وفاءً لحقه كما أسأله سبحانه أن يجمعنا بهم في جنات النعيم.

المراجع:

1- روايات شفهية.

2- كتاب إجابة السائل وبه ترجمة أعدها عبدالعزيز بن عكاس رئيس الهيئات بالأحساء.

3- جمهرة أنساب الأسر المتحضرة للشيخ حمد الجاسر.

4- روضة الناظرين.

5- السلفية بين أهل السنة والإمامية للسيد محمد الكثيري.

6مصورات لتراجم الشيخ للدكتور عيسى العكاس.