وتعتبر دراسة العمالة الوافدة إلى دول الخليج بوجه عام وإلى المملكة العربية السعودية بوجه خاص من الموضوعات الهامة الجديرة بالاهتمام التي دأب الكثيرون من الباحثين والمفكرين وأصحاب الرأي والجهات المختصة على بحثها وتحليلها.

وسأتحدث عنها وفق المحاور الثلاثة التالية:

ظاهرة العمالة السائبة - بدايتها وأسباب تفشيها.

العمالة السائبة وآثارها السلبية على الأمن.

الحلول الممكنة للحد من هذه الظاهرة.

وكمقدمة لفهم ظاهرة العمالة السائبة، بدايتها وأسباب تفشيها علينا أن نلقي الضوء على الظروف التي أفرزت هذه الظاهرة، فكما هو معروف لم تكن بلادنا تعرف "العمالة السائبة) قبل خمسين عاماً، فكان العامل والسباك والحلاق والقصاب والبناء وغيرها من المهن تنفذ من قبل أبناء البلد، إلى أن ظهر عصر الطفرة في فترة السبعينات من القرن الماضي، حيث شهدت دول مجلس التعاون الخليجي بصفة خاصة ومنها المملكة العربية السعودية موجة هائلة من هجرة العمالة الأجنبية، وذلك تبعاً لارتفاع أسعار البترول عالمياً وازدياد الموارد المالية لهذه الظروف الاقتصادية.

ولكن واجهت هذه الرغبة في تنفيذ الخطط بعض العقبات ومنها:

لم يكن من الممكن أن تقوم العمالة الوطنية بتنفيذ هذه الخطط الطموحة والجبارة لنقص الكفاءة والخبرة.

ندرة الكوادر الوطنية المؤهلة في التخطيط والإشراف والتنفيذ لإدارة هذه المشاريع وإزاء هذه الأسباب والمعوقات التي تقف أمامها لتنفيذ خططها وبنباتها التحتية، اختارت الدولة طريقاً أقرب للواقع، هو الاستفادة من الخبرات الأجنبية من شتى دول العالم دون مساوئ الانتظار الذي يمكن أن يطول إلى أن يصبح المواطن قادراً على إدارة شؤون أعماله.

فكان من أهم أسباب استقدام العمالة الأجنبية ترتكز في الآتي:

استخدام عوائد الصادرات النفطية في إرساء البنى التحتية اللازمة، وذلك بالاستفادة القصوى من الخبرات الأجنبية.

إتاحة الفرصة الكاملة وتذليل كافة الصعاب للمواطن لاجتياز المراحل التعليمية واكتساب الخبرات العملية التي تجعله قادراً على إدارة شؤونه بنفسه.

لذلك فقد اقترن النمو الاقتصادي للدولة والقطاع الخاص بعملية استقدام عمالة كبيرة، حيث قامت بعبء الإنشاء ثم عبء التشغيل والصيانة.

وبعد أن اكتملت البنية التحتية للدولة في فترة وجيزة، تحولت هذه العمالة التي كانت من المفترض أن تكون حالة مؤقتة إلى وضع دائم قاد إلى استمرار هذا الاختلال وهي:

الاعتماد شبه الكلي على تلك العمالة، كما وأن القطاع الخاص اعتمد اعتمادا شبه كلي في أغلب نشاطه على الوافدين بسبب أجورها مقارنة بالمواطن.

فكانت أولى افرازات عصر ما بعد الطفرة وبعد الانتهاء من تنفيذ الخطط التنموية والتحولات التي طرأت على اقتصاديات هذه الدول، كما وأن تأهيل الشباب السعودي ومنافسته للأجنبي ودخوله سوق العمل بقوة أفرزت بداية ظاهرة العمالة السائبة.

ثم تلت هذه الفترة ركود في الاقتصاد العالمي ألقت بظلالها على اقتصاديات المنطقة وقلت المشاريع المطروحة للتنفيذ بالداخل وانكماش الظروف الاقتصادية، حيث كان من نتائج هذه الحالة ظهور حالة جديدة وظاهرة جديدة وهي:

قيام بعض أصحاب الأعمال باستخراج تأشيرات لاستقدام عمالة أجنبية وبكميات كبيرة دون أن تكون لهذه العمالة أي عمل يؤدونه داخل البلاد، ولا أي مهنة يجيدونها، حيث ازدادت أعداد هؤلاء العمالة (ناقصة التدريب والتأهيل والتعليم) في ظل محدودية العمل والمهن المطروحة في السوق المحلي، كما وأن دخول المواطن في سوق العمل وإجادته لنفس المهن التي ظل الوافدون يؤدونها، أضف إلى ذلك سياسات السعودة التي تبنتها الدولة وفق معايير مدروسة جعل الكثير من الوافدين عاطلين عن العمل وانعكست هذه الحالة سلبياً على الحالة الأمنية نوجز منها مايلي:

انتشار السرقة بكافة صورها وأشكالها لدى بعض هؤلاء الوافدين، ومنها الانضمام لعصابات سرقة الشقق والمنازل والسيارات وخطف الحقائب من السيدات في الأسواق.

سهولة انقيادهم مع بعض محترفي الجريمة نظير مبالغ معينة تكفيهم لتلبية حاجاتهم.

ازدياد ظاهرة التسول على مدار العام.

ممارسة المهن التي لا يجيدونها كسباً للرزق وما يترتب على ذلك من آثار سلبية.

ترويج المخدرات وتصنيع الخمور.

انتشار القمار واليانصيب بينهم.

إدارة أوكار الدعارة وممارسة المهن المخلة للآداب وتسجيلها وبيعها.

انتشار ظاهرة النصب والتزوير.

انتشار الأمراض المعدية بينهم.

إرباك سوق العمل والعبث بمصداقيته لعدم نظاميتهم والوثوق بهم في إجادة العمل.

كيف نقضي على هذه الظاهرة:

لا بد أن تتكاتف جهود الدولة والمواطنين للقضاء على هذه الظاهرة وعدم الاعتماد على طرف دون الآخر، فالمسئولية وطنية والهدف واحد وهو راحة وأمن كل من يقيم على هذه الأرض الطيبة، كما أنه ليس من العدل تحميل وجود هذه الظاهرة على جهة بعينها، وعلينا في هذه المعطيات تحديد إطار العمل الذي يمكن من خلاله القضاء على هذه الظاهرة أو تخفيف وطأتها على بلادنا ومنها:

تكوين فريق عمل يتكون من الجهات ذات العلاقة كمقام الإمارة والجوازات والشرطة ومكتب العمل بكل منطقة، وغيرها من الجهات لوضع تصور وخطط قصيرة وطويلة المدى تتركز بالدرجة الأولى برفع درجة الوعي والتثقيف لدى المواطن والمقيم، ومن تلك الخطط تخصيص يوم في كل عام لتعميق مفهوم الآثار السلبية لهذه العمالة.

تخصيص ملاحق بالصحف المحلية وإفراد صفحات تبين خطورة وجود هذه العمالة.

الاستفادة من وجود الفضائيات والقنوات التلفزيونية لعرض مشاهد حية عن آثار هذه العمالة وإقناع المواطن بأن هذه العمالة الذين يكلفهم يعتبرون خطراً حقيقياً يهدد حياته وأمن بلده.

توزيع النشرات والبروشروات في الأسواق المركزية والمحلات العامة.

توزيع فرق عمل مؤهلة وقادرة في المحافظات والمراكز والقرى لإلقاء محاضرات وندوات تثقيفية وتوعية لشرح خطورة العمالة، وإبراز قدرات ومهارات المواطن السعودي في تنفيذ كافة الأعمال والمهن وتعميق مفهوم إيجابيات تشغيل المواطن.

إبراز قدرات ومهارات المواطن في كافة الأجهزة المقروءة والمرئية والمسموعة.

مخاطبة جهات الاختصاص لوضع آليات جديدة في استقدام العمالة تتواكب من التوفر الكبير في الأيدي العاملة السعودية والكوادر المؤهلة والمتخصصة والاستفادة منهم بدلاً من استقدام آخرين.

@ باحث بالشؤون العمالية والموارد البشرية