• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 2304 أيام , في الثلاثاء 23 ذي الحجة 1428هـ( حسب الرؤية )
الثلاثاء 23 ذي الحجة 1428هـ( حسب الرؤية )- 1 يناير 2008م - العدد 14435

واحسرتا للشاعر الغريب

منافي شعراء العراق في القرن العشرين

جهاد فاضل

    ثمة ظاهرة ملفتة في سيرة شعراء العراق الكبار في القرن العشرين، هي أن أكثرهم عاش قسماً كبيراً من حياته خارج العراق ودفن في الخارج أيضاً. فإذا بدأنا بآخر هؤلاء الشعراء المتوفين، وهي الشاعرة نازك الملائكة، تبين لنا أنها عاشت أكثر من نصف عمرها خارج العراق متنقلة بين عدة أقطار عربية وأجنبية منها الكويت والأردن ومصر ولبنان. وقد أمضت نازك سنواتها الأخيرة في القاهرة الى أن توفيت بتاريخ 20يونيو من عام 2007ودفنت فيها.

أما زميلها في ريادة ما سمّي بالشعر الحر، أو الشعر الحديث، بدر شاكر السياب، فقد عاش قسماً من حياته في لبنان وفي الكويت هارباً من الفقر والجوع والحرمان في بلده، كما كان يقول في شعره، وكما كانت سيرته في أرض الواقع، وقد أمضى الفترة الأخيرة من حياته في الكويت، طريح الفراش في مستشفاها الأميري. وفي هذا المستشفى توفي، ونقل جثمانه لاحقاً إلى البصرة أو إلى مسقط رأسه في جيكور أو في أبي الخصيب، ليدفن فيه كما يُدفن أي غريب، ولبدر قصيدة عنوانها غريب على الخليج، وكأن العنوان من وحي حياته، وكأنه يتحدث عن نفسه.

ولم تكن سيرة ز ملاء نازك وبدر من جماعة الشعر الحديث، في علاقتهم مع التراب الوطني لبلدهم، بمختلفة عن سيرة نازك وبدر فعبدالوهاب البياتي عاش قسماً كبيراً من حياته في المنافي، وفيها توفي. عاش البياتي في موسكو وباريس والقاهرة وعمان وبيروت ودمشق ومدريد. في مدريد كان ملحقاً ثقافياً في سفارة العراق في اسبانيا، ولكنه في الواقع كان منفياً برتبة ملحق ثقافي ولم يكن باستطاعته أن يعيش في العراق كما يعيش الشعراء والأدباء في البلدان الديموقراطية. وعندما عرضوا عليه وظيفة الملحق الثقافي، بقصد استرضائه وإبعاده في نفس الوقت، قبل الوظيفة وعاش البياتي سنواته الأخيرة في دمشق وفيها توفي. ولأنه كان من غير الممكن أن يُنقل جثمانه إلى العراق، فقد دفن في دمشق.

وقبل البياتي، كان الشاعر بلند الحيدري قد غادر العراق في بداية السبعينيات إلى بيروت ليعمل محرراً ثقافياً في احدى مجلاتها، وانتقل بعد ذلك إلى أماكن أخرى منها لندن التي توفي فيها ودفن.

هذا عن مصير هؤلاء الشعراء الأربعة الذين كانوا يؤلفون الرباعي الذهبي لحركة الشعر الحديث، والذين يُنسب إليهم الفضل في نقل الشعر العربي، سواء من حيث الشكل أو من حيث المضمون، من حال إلى حال.

وهناك شعراء عراقيون كثيرون عرفوا طريقهم إلى المنافي في الثلث الأخير من القرن العشرين من أبرزهم سعدي يوسف وصلاح نيازي اللذان يعيشان الآن في لندن، أو في ضواحيها وأريافها. وقد أصدر صلاح نيازي في بريطانيا مجلة شهرية سمّاها "الاغتراب الأدبي"، توقفت عن الصدور فيما بعد. اما سعدي يوسف الذي أسس في دمشق مجلة "المدى"، فقد تشرد بين أكثر من قطر عربي وغير عربي (اليمن الجنوبي، الجزائر، لبنان، قبرص، سوريا،، وسواها) قبل أن يستقر منذ سنوات في بريطانيا. على أن أشهر الشعراء العراقيين المنفيين، قسراً أو اختياراً هو شاعر العمود الكبير محمد مهدي الجواهري الذي أمضى حياته متنقلاً بين العراق والخارج، إلى أن غادره نهائياً عقب استيلاء البعثيين على السلطة فيه في مطلع السبعينيات، وسواء اعتبر الجواهري منفياً أو غير منفي، فإنه لم يكن قادراً على الحياة في العراق الجمهوري، وبخاصة في عراق صدام حسين نظراً لما كان بينه وبين المسؤولين فيه من تباين في الرأي والموقف، ولتعذر ابداء الرأي أو الموقف علناً. وقد عاش الجواهري سنوات طويلة في براغ عاصمة تشيكوسلوفاكيا، في حينه، كما عاش في المغرب وفي أمكنة أخرى قبل أن يلوذ بالشام ويتوفى فيها ويدفن. وعاش شعراء عراقيون كثيرون قبل هؤلاء الشعراء سنوات طويلة خارج العراق، من أشهرهم محمد الصافي النجفي الذي كنت أراه قبل نشوب الحرب اللبنانية عام 1975، جالساً يومياً في مقهى فلسطين الواقع قرب "التياترو الكبير" في بيروت.كان الصافي النجفي يقيم في غرفة رثة بائسة على سطح احدى العمارات في بعض ضواحي بيروت حيث كان يغسل ثيابه (أو ثوبه الوحيد على الأصح) بيديه بواسطة إناء قديم يجلب له الماء من أسفل البناية، وكان الصافي النجفي قبل أن ينتقل الى بيروت، مقيماً في مدينة صيدا في جنوب لبنان مواظباً على الجلوس أكثر ساعات يومه في مقهى شعبي متواضع في حي القملة في المدينة يتعاطى شرب الشاي كما يتعاطى النارجيلة بلا انقطاع. ولأنه لم يتنبه إلى أن الحرب وقعت في لبنان، وان عليه أن يرحل إلى مكان أكثر أمناً، هرباً من القذائف والرصاص العشوائي، فقد أصابته يوماً رصاصة أفقدته البصر، وبمعونة بعض الفضلاء، جرى ترتيب نقله إلى بغداد ليعالج وليموت ويُدفن فيها فيما بعد، وقد سمعت ان أول ما قاله في بغداد عند هبوطه من الطائرة التي أقلته اليها، البيت التالي الذي يوضح مأساته:

يا عودة للدار ما أقساها

اسمعُ بغداد ولا أراها!

ويمكن للباحث المنقب في سيرة الشعراء والأدباء والفنانين العراقيين، على اختلاف مدارسهم ومذاهبهم وتوجهاتهم، ان يضم أسماء أخرى كثيرة إلى اللائحة التي أدركنا أبرز أسمائها، فالواقع أن هناك أسماء أخرى وعند انقضاء عهد صدام حسين، جرى اضافة أسماء شعراء جدد إلى اللائحة بعضهم يعيش الآن في هذا البلد العربي أو الأجنبي.

ولو تساءلنا عن سبب هجرة هؤلاء الشعراء والأدباء والفنانين العراقيين من وطنهم، لما عثرنا إلا على جواب واحد وهو أن الوطن كان مضطرباً على الدوام، سواء من الناحية الأمنية أو السياسية أو الاجتماعية، فالوطن الذي طالما تغنوا به، وبتاريخه التليد، وحلموا بمستقبل زاهر له وفيه، غطّته ويا للأسف أنظمة سياسية مارست الكثير من التخريب الثقافي واللا مبالاة ازاء مصير المبدعين وحياتهم، مثلما كرّست حالة انشقاقية دفعت بالعراق إلى المهاوي المظلمة، و سلمته في النهاية إلى الاحتلال الأجنبي، ولو أن هؤلاء المبدعين و جدوا من سلطات بلادهم الرعاية التي يستحقونها، على كل الصعد، لما قصدوا المنافي وتشردوا تحت كل أفق فما دفعهم إلى الهجرة هو طلب الحياة الحرة الكريمة في الخارج التي حُرموا منها في الوطن، ولو أن الوطن أمّن لهم هذا الحق الطبيعي من حقوقهم لما رحلوا على الأرجح. لقد كان حالهم هو حال الشاعر العربي القديم الذي قال:

وان نبت بك أوطان خلقت بها

فارحل، فكل بلاد الأرض أوطان

لقد ذكر لي مرة احد أشهر هؤلاء المشردين، وهو الشاعر سعدي يوسف، انه لولا المضايقات التي تعرض لها لما ترك العراق أبداً. بل أنه قبل أن يترك العراق، أرسل صديقاً إلى أحد المسؤولين في حزب البعث (وكان رجلاً مثقفاً) يستشيره في ما ينبغي له أن يفعله. فقال هذا المسؤول لصديق سعدي: "أنا أنصحه بالمغادرة رحمة به". فغادر، ولعل حظ سعدي كان أفضل من حظ كثيرين لقوا حتفهم في السجون. ولم يكن كل ذلك ليحصل لو أن العراق كان مستقراً وآمناً وديموقراطياً.



عفواً هذه الخدمة متاحة للأعضاء فقط... يرجى تسجيل الدخول أو اضغط هنا للتسجيل
احصل على رابط الخبر عبر رمز الإستجابة السريع QRcode


التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق ..

عدد التعليقات : 1
ترتيب التعليقات : الأحدث أولا , الأقدم أولا , حسب التقييم
عفواً ترتيب التعليقات متاح للأعضاء فقط...
سجل معنا بالضغط هنا
  • 1

    أيضا الشاعر العراقي سركون بولص مات ودفن في ألمانيا وكذلك الشاعر كمال سبتي مات في منفاه بهولندا وغيرهم.

    ساري (زائر)

    UP 0 DOWN

    02:47 مساءً 2008/01/01


نقترح لك المواضيع التالية