عندما يكون الحديث عن الرواد الذين فتحوا باقلامهم أبواب منافذ تحديد فكر الأمة والحديث عن الشيخ محمد بن أحمد العقيلي رحمه الله يستوجب بحثاً جاداً مستفيضاً فهو واحد من المواهب الذي جمع فنون عصره في الدين واللغة والآداب والتاريخ والانساب والطب والفلك والابتكار واكتشافات بنيت عليه الحضارة الحديثة ويعد العقيلي من رواد النهضة الفكرية حيث اسهم في الأدب اسهاماً متنوعاً فيه الابداع وفيه الدراسات اما الابداع فيقسم الى قسمين اولهما الشعر فله اربعة دواوين.الانغام المضيئة،افاويق الغمام.

رأد الضحى، شعر الجنوب وكان ديواناً مشتركاً جمع جملة من اشعار الشيخ محمد علي السنوسي.

يعد العقيلي من المحسنين الذين ارتبطوا بالاصالة الفكرية والاجتماعية بل وكل ما تدل عليه هذه الكلمة الى كونه قد جاوز الوطني العربي الى آفاق اخرى اتيح له غشيانها فانعكست ظواهرها على مرآة فكره فكانت تلك القصائد التي صور فيها تلك الانعكاسات على موطنه وطبيعته وقصائده كانت تلك الحظ الأوفرفي شعره بل لم يخرج عن هذا الميدان الا القليل من هذا الانتاج الغزير ولعل نظر العقيلي الى الشعر تتفق مع نظرته الى الأدب ومن ثم توضيح القول بانه يرى ان الشعر ما عبر عن كريم الخلال وابرز مجالي الحسن وقوم معوج الخلق سيراً على ان الغايات لا الوسائل هي اولى ما يجب ان يعنيء به ويتجه اليه ولا شيء سوى ذلك والقسم الثاني من ابداع العقيلي يتمثل في تلك المقالات التي كان يصور فيها رأيه وموقفه من بعض القضايا وله في ذلك كتاب واحد هو مقالات العقيلي واما الدراسات فان للعقيلي فيها احدى عشر كتاباً فيها ماهو دراسة وصفية وفيها ماهو تحقيق وهذه المؤلفات هي:

الشاعر الجازاني ابن هثميل، ديوان السلطانين، التصوف في تهامة، الأدب الشعبي في منطقة جازان، اضواء على الأدب والادباء، محاضرات في الجامعات والمؤتمرات، من ادب جنوب الجزيرة العربية، الشاعر الجيزاني جراح بن شاجر، التاريخ الأدبي لمنطقة جازان ( 3مجلدات).

ومن هذه المؤلفات الأدبية تعد رائدة في مجالها في أدب الجنوب جمع فيها العقيلي فاوعى ولم يكن قد استوفى كل شيء.

والواقع ان المعالجات الأدبية في هذا الكتاب تعطيه الحق في ان يكون في المقدمة من هذه الدراسات وانما يكون الحكم بالغلية والقصد مرجحين اذا استوى الأمران ثم ان هناك ظاهرة تلحظها في مؤلفات العقيلي التاريخية وما يشبهها وهي الروح الأدبية تصحبه حتى في تلك المؤلفات غير الأدبية انظر الى سبيل المثال (تاريخ المخلاف السلماني وسوف تجد فيه النصوص الأدبية مالا غنى لدارس الأدب عنه وتلك عادة السلف فيما يألفون مما يقبل مثل هذا النهج ككتب التفسير والتاريخ ونحوها واهم ما يعنى به العقيلي في دراساته الأدبية تقريب النصوص الى ايدي الباحثين وتلك مهمة ليست باليسيرة اذ ان البحث عن النصوص في المقدمة من الصعوبات التي تقوم امام الباحثين ان لم تكن اصعبها ثم ان العقيلي يحرص على الترتيب الزمني وفي هذا عون ظاهر الباحثين مافي ذلك من شك.

وتعد جهود العقيلي من التاريخ والتراجم اسبق في بدايتها الزمنية مما عداها خلال الابداع الشعري فلقد بدأ العقيلي جهوده التأليفية بكتابة المخلاف السلماني الذي كانت بداية التأليف به تدل على ارتباط العقيلي بمجتمعه وعرف العقيلي - رحمه الله - مؤرخاً وباحثاً حينما كان يمد مجلة اليمامة حينما أصدرها العلامة الشيخ حمد الجاسر - رحمه الله - بأبحاثه ودراساته التاريخية والأدبية من حيث كونها تنقسم إلى قسمين تأليف وتحقيق وله فيها تسعة مؤلفات هي:

المخلاف السلماني (مجلدان)، سوق عكاظ في التاريخ، الشيخ محمد بن عبدالوهاب، مذكرات سليمان شفيق باشا، نجران في أحوال التاريخ، عسير في أطوار التاريخ، أضواء على تاريخ الجزيرة، العقد الثمين للحسن بن أحمد عاكش، نفح العود في سيرة الشريف حمود، وهج العبقرية لعبدالله النعمان، العقد المفصل بالعجائب والغرائب في رحلة أحمد بن غالب البهكيل، العقيق اليماني في تاريخ حوادث المخلاف السليماني.

وهذه المؤلفات لم تخرج من منطقة الجنوب إلا ما كان من أمر (سوق عكاظ) في التاريخ، وشيء من أضواء على تاريخ الجزيرة وإنما دعا العقيلي إلى ذلك وجود شيء من الاهتمام بتاريخ المناطق الأخرى، في حين لم يكن لمنطقة الجنوب شيء من ذلك وهذا يعني أن العقيلي قد أحسن حين وجه اهتمامه إلى منطقة الجنوب.

وللعقيلي مولفان وقفهما على منطقة الجنوب وهما المعجم الجغرافي في منطقة جيزان، والآثار التاريخية في منطقة جازان، والمعلومات التي اشتمل عليهما في هذين الكتابين ثمرة مسح ميداني عاش العقيلي فيه معاناة بحث جاد كلفه كثير من الصعوبات التي يستغذي بها في سبيل الوصول إلى الهدف المنشود.

أما الميدان اللغوي فإن للعقيلي فيه مؤلفان لم يتجه فيهما إلى اللغة العربية نفسها بل كان هدفه خدمة واقع المنطقة من طريق التعريف بأسماء أنواع النباتات التي تتزين بها بلاد الجنوب في أزمنة الربيع أو ما يقاوم منها من نفحات سمومه الغيظ أو ما أسهمت يد الإنسان في استنباته وصيانته ثم عند طريق وضع معجم للهجمات المحلية.

وللعقيلي مؤلفان أو مؤلف من مجلدين عنوانه (العقيلي في رسائل معاصريه) وهو قريب من المذكرات والسير الذاتية وإن لم يكنها إن هذه المؤلفات التي بلغ عددها واحداً وثلاثين كتاباً في معارف مختلفة لتشهد أن العقيلي كان رائداً منصفاً لمجتمعه ووطنه من نفسه ووقته، ولقد كانت مؤلفات العقيلي وسيرته ميداناً لأحاديث كثيرة منها ما صدر به الشيخ حمد الجاسر (الأنغام المضيئة).

ومن الدراسات العلمية التي تُعنى بشعر شاعر من رواد الأدب والشعر فقد نال المحاضر بكلية المعلمين بجامعة جازان خالد الشافعي درجة الماجستير ضمن سلسلة الدراسات التي يحوز عليها طلبة الجامعات لنيل الماجستير والدكتوراه.

وقد بذل الباحث جهداً مخلصاً في دراسة شعر العقيلي على هدى من المنهج الملائم وهو المنهج التحليلي للنصوص معتمداً على ما أفاد في تجليه اشعار الشاعر والغوص في معانيه وتفسير نصوصه.

وقد تناول البحث بالدراسة المجموعة الشعرية الكاملة لاشعار العقيلي التي أصدرها عام 1413ه.

ومن القضايا التاريخية والأحداث السياسية التي عالجها العقيلي في شعره عن حرب العرب مع إسرائيل والأحداث التاريخية كالعدوان الثلاثي على مصر والحرب العالمية الثانية.

وقد نال اعجاب الشاعر بشخصية الملك عبدالعزيز - رحمه الله -، ورثاء الملوك والقادة والشعر الوثائقي الذي يعنى بتسجيل أهم الأحداث الداخلية والخارجية.

ورصد مظاهر النهضة التنموية الحديثة في المملكة وشعره في الطبيعة حيث عالج أبرز الملامح الفنية التي يمكن التقاطها عن شعر العقيلي الذي يعنى بفن الوصف.

وشعر الطبيعة المحلية وأعني الطبيعة المحلية الضيقة التي عاش فيها الشاعر في منطقة جازان.

شعر الطبيعة الخارجية وهي الطبيعة خارج الديار السعودية مما رآه الشاعر في رحلاته وتنقلاته إلى أوروبا وأمريكا وغيرها.

شعر الطبيعة المصنوعة وأعني بها ما كان مصدر نشأته يد الإنسان وعقله ثم اشتهر وعرف حتى عد من أبرز المظاهر الطبيعية كما في وصفه برج إيفل.

كما تناول العقيلي الشعر الوجداني وهو الشعر الذي تناول موضوع الغزل في شعر العقيلي ومما دعا إلى اطلاق اسم الشعر الوجداني على شعر الغزل هو ما وجد له الشاعر من نظرات إنسانية راقية تنبع من وجدان مرهف وعميق في بعض القصائد الغزلية وقد ميز شعر العقيلي عند وصفه الطبيعة من الأغراض الباردة في الشعر.

وتعد الطبيعة أحد مصدري الجمال في الكون بينما المصدر الثاني هو الفن ويقصد الطبيعة من وجهة موضوعية مجموعة الكائنات من حيوان ونبات وجماد ومن وجهة ذاتية الأخلاق والطبائع.

وقد ارتبط العقيلي ببيئته فوصف جبالها وسهولها وسواحلها وشواطئها وتغنى بما شهدته بعض معالمها من أمجاد وتطور وفي قصيدة جبل فيفا أو لبنان تهامة التي نشرها الشاعر عام 1366ه.

يتفنن الشاعر في عرض صورة البصرية والسمعية المتتابعة وفي تسميته لجبل فيفا إشارة واضحة إلى ما تتمتع به تلك المنطقة الجبلية في شرقي منطقة جازان من طبيعة ساحرة بكر تخلب الألباب وتمتلك الأفئدة وفيفا من محافظات منطقة جازان.

فيفا هل لي بأن اجلوك للفكر

في معرض الفن كالرسام للصور

فاليوم قد آن أن تجلي محاسنها

ويبرز الفن منها درة الفكر

وآن للشاعر الموهوب معتز ما

بأن يزفك للأجيال والعصر

ورسم الشاعر في قصيدته جازان لوحة فنية للطبيعة الجازانية خاصة البحرية منها إذ يبين موقع تلك الطبيعة واثرها على ذاته ونفسيته والقصيدة مواكبة لانفعال الشاعر ومبينة اثر الطبيعة على ذاته الفنية والإبداعية ومنها:

جازان إني من هواك لشاكي

فتنصتى لهزارك وفتاك

اصغى إلى همسات قلب طامح

متوثب الالهام والادراك

يتعشق الفجر الوضيء ويرتوي

اشعاع نور كواكب الافلاك

افاق علمت ولا أقول مباهياً

قد صاغ من درر البيان حلاك

انجبته فسرى نسيماً عاطراً

بالشعر يعبق في رياض علاك