• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 2497 أيام , في الاثنين 15 ذي الحجة 1428هـ( حسب الرؤية )
الاثنين 15 ذي الحجة 1428هـ( حسب الرؤية )- 24 ديسمبر 2007م - العدد 14427

الكرامة والأنفة وعزة النفس في الأدب العربي والمأثور الشعبي

خلقت عيوفاً لا أرى لابن حرة يداً أغضي لها حين يغضب

عبدالله الجعيثن

    لا يهنأ الكريم بحياة الذل ولو كان يرفل في الدمقس والحرير وينعم بأطايب الطعام وموفور المال، لأن نفس الكريم يمرضها الذل مرضاً شديداً فتعاف كل ما حولها وتحب معزة النفس ولو على الشظف.

ذل من يغبط الذليل بعيش

رب عيش خير منه الحمام

كما يقول المتنبي "الحمام هو الموت" والذين هانت عليهم أنفسهم ورضوا بمعيشة الذل كالأموات لا يشعرون:

من يهن يسهل الهوان عليه

ما لجرح بميت إيلام

ويقول الشاعر:

ليس من مات فاستراح بميت

انما الميت ميت الاحياء

وهو الذليل المهان..

والعرب بالذات من أشد الأمم اعتزازاً بأنفسهم وصوناً لكرامتهم، وكراهية للذل فهم لا يصبرون عليه أبداً.. قال شاعرهم:

ولا يقيم على خسف يراد به

إلا الاذلان عير الحي والوتد

هذا على الخسف مربوط برمته

وذا يشج فلا يرثى له أحد

ويقول عنترة بن شداد:

لا تسقني ماء الحياة بذلة

بل فاسقني بالعز كأس الحنظل

ماء الحياة بذلة كجهنم

وجهنم بالعز أطيب منزل

وعنترة جاهلي فكلمة (جهنم) عنده ليست بمعناها الشرعي، ولكنها رمز للحياة المتعبة جداً ولكنها مع العز الذ من النعيم مع الذل.

والعز من الله عز وجل، هو الذي يعز العباد او يذلهم حسب ما ارتكبوا، فكلما حسن عمل المرء وطابت نيته أعزه الله وأبعده عن الذل الذي يقتل نفس الكريم، قال أبو فراس الحمداني:

ومن لم يوق الله فهو ممزق

ومن لم يعز الله فهو ذليل

ومن لم يرده الله في الأمر كله

فليس لمخلوق اليه سبيل

وأكثر من يلقون الاذلال والإهانة هم الفساق الفجرة والوقحون والسفهاء، فإن من لا يحترم نفسه لا يحترمه أحد، ومن لا يكرم نفسه فليبشر بالهوان:

ومن هاب الرجال تهيبوه

ومن حقر الرجال فلن يهابا

@ @ @

ومن شعرنا الشعبي البليغ في هذا المعنى قول حميدان الشويعر:

الاعمار ما يرجى لهن رجوع

غدت بخلان لنا وربوع

امرقت انا الدنيا بيوم وليلة

واعد اسبوع من وراه اسبوع

سود الليالي ما دري عن بطونها

يمسن حوامل ويصبحن وضوع

والأيام لو تخلف بيوم عذرتها

لها بالليالي الماضيات صنوع

وانا احب يوم اجي فيه مذنب

ولا نيب مفراح ولا بجزوع

وانا احب جلوسي عند حي يفيدني

ولا ميت ما في لقاه نفوع

وانا احب قعودي عند قوم تعزني

لو كان فيهم من غريب طبوع

فيا مانع اشرف لي على راس مرقب

من قبل ما شمس النهار طلوع

فترى ياولدي من ثمن الخوف ماسطا

والانجاس ما خلو سبيلك طوع

فلا يلزم القالات من لا يشيلها

ولا تحمل ارقاب الحريم دروع

ويقول راشد الخلاوي (وهو شاعر صادق اللهجة حكيم القول):

يجزي عمل راعي الحساين بمثلها

ويجزي علم راعي النكد بالنكايد

فلا تتقي في خصلة ما بها ذرا

ولا تنزل الا عند راعي الوكايد

فلي من قديم العمر نفس عزيزة

اعض على عصيانها بالنواجد

قد أوزمتها ما كان خوف الى بقى

علي من ايام الردى تعاود

ويطاول ما وسدت راسي نكاده

من خوفتي يعتاد لين الوسايد

فمن عود العين الرقاد تعودت

ومن عقود العين المساري تعاود

ومن عود الصبيان اكل ببيته

عادوه في عسر الليالي الشدايد

ومن عود الصبيان ضرب بالقنا

نخوه يوم الكود: يابا العوايد!

ومن تابع المشراق والكن والذرا

يموت ما حاشت يديه الفوايد

الايام ما باق بها كثر ما مضى

والاعمار ما اللي فات منها بعايد

وقولوا لبيت الفقر لا يا من الغنى

وبيت الغنى لايا من الفقر عايد

ولا يامن المضهود قوم لعزه

ولا يامن الجمع العزيز الضهايد

وواد جرى لابد يجري مع الحيا

اما جرى عامة جرى عام عايد

ومن لا يسقي كنة الصيف زرعه

فهو مفلس منها نهار الحصايد

@ @ @

ويرى الشاعر الكبير محمد بن أحمد السديري ان الحياة بلا عزم وصبر تورث صاحبها الذل، فهو يقول:

مصايب الدنيا كفى الله شرها

الراس منها يالفهيم يشيب

اليا غنت حمر الهموم وقادها

هاجوس فكري والضمير يجيب

تلقيتها بالعزم، والعزم غايتي

وفتى بلا عزم تراه يخيب

فتى بلا عزم حياته مذلة

والعزم لقلوب الرجال طبيب

ويقول الشاعر القديم:

إذا هم القى بين عينيه عزمه

ونكّب عن ذكر العواقب جانبا

@ @ @

والعرب يكرهون التذلل تماماً الا امام المحبوبة، يقول الشريف المرتضى:

واذا الرجال تعززوا ومشت الى

مهاجتهم رسل الغرام تذللوا..

ويقولون:

"للمعشوق ان يتدلل وعلى العاشق ان يتذلل" قلت: وهو ليس ذل الهوان بل ذل الانبهار فالاعجاب والحب والاصطياد!..

@ @ @

ويرى الشاعر عبدالله بن شيبان - في قصيدة جميلة - ان العز يأتي بإكرام النفس وابعادها عن الهوان، وبكريم الفعال والخصال..

يقول:

دور لنفسك دروب العز واركبها

تراك وان هنتها، من هانها هاني

من لا يحوش المراجل في مقاديمه

ما حاشها عاد لا جاشايب فاني

ان كان ما للفتى فعل يماري به

ما ينفعه قولة: ابواني وجدان!

لا تحسب الدار قبلتها مبانيها

ان اصلها يافتى طين وجدران

ما تستقيم البيوت الا بزينتها

ولا لها قبلة الا بسكان

ما كل من لبس له ثوب فهو زاكي

الناس ما بين عقال وسفهان!.



عفواً هذه الخدمة متاحة للأعضاء فقط... يرجى تسجيل الدخول أو اضغط هنا للتسجيل
احصل على رابط الخبر عبر رمز الإستجابة السريع QRcode


التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق ..

عدد التعليقات : 4
ترتيب التعليقات : الأحدث أولا , الأقدم أولا , حسب التقييم
عفواً ترتيب التعليقات متاح للأعضاء فقط...
سجل معنا بالضغط هنا
  • 1

    جميل جدا
    ماجمل عزة النفس والكبرياء في محلها
    مااجمل الكرامه والاعتزاز والاحساس بها كقيمه تعلو على كل القيم الماديه
    بالاخص في هذا الزمن الهيّن
    اعشق كل القصائد اللتي تحمل معاني النبل والاعتزاز والكرامه
    شكرا لك يااستاذ عبدالله
    مواضيعك لها تكهه خاصه تجمع دائما
    الثقافه الفصيحه بالثقافه الشعبيه في ربط جميل بين التاريخ والحاضر

    الجازي الدوسري (زائر)

    UP 0 DOWN

    06:48 صباحاً 2007/12/24

  • 2

    تذكرت بعض الابيات للامير الشاعر محمد الاحمد السديري
    في هذا المعنى وهي من عيون الشعر وراحت مضرب المثل :
    ان صار زود المال بيدين الانذال ***حنا من المعروف تندى يدينا
    وان باعوا الشيمه بدينار وريال***حنا دخلنا سوقها واشترينا
    ويقول ايضاً :
    الذل يرضى به من الناس خامل***والحر عاف الخاملات وشام
    يشوم من دارٍ لدارٍ يرومها *** وعساك يادار البغيض هدام
    ويقول ابن جلحان الدوسري :
    من قال لي (وش هاه)ماقلت له سم!***والحمدلله والثنا والسياده
    لبس الحرام يسّد في الثوب ابو كم***ويكفي ذراعي عن ليان الوساده
    قولن على قول الخلاوي مقيّم***كم ليلةٍوسدّت راسي لكاده
    من ذلتّي يعتاد راسي على الذّم***وافقد على طول الزمان الجلاده
    من شّد حبل العز طال وتسنّم***روس المعالي والمعزّه سعاده
    وسلامتك وسلامة القارئين :)

    الجازي الدوسري (زائر)

    UP 0 DOWN

    07:07 صباحاً 2007/12/24

  • 3

    شكر الله لك أستاذنا الفاضل عبدالله الجعيثن
    الشعر العربي الفصيح والشعر النبطي بينهما توافق تحسن توضيحه على تلك الصفحة الرائدة ولك منا التقدير.
    غفر الله للشاعر محمود سامي البارودي والقائل:
    سواي بتحنان الأغاريد يطرب *وغيري باللذات يلهو ويعجب
    وعفى الله عن من تولى الطباعة وقصم ظهر البيت وقال:
    خلقت عيوفاً لا أرى لابن حرة يداً أغضي لها حين يغضب
    وليته قال:
    خلقت عيوفاً لا أرى لابن حرة *(لديّ)يداً أغضي لها حين يغضب
    نشكرك أستاذنا الكريم ونجد فيما تعرض الكثير من المتعة والفائدة.
    التحية للأستاذ الكريم الكاتب وللصفحة والصحيفة من محب.

    عبدالعزيز بن محمد اليحيان التميمي (زائر)

    UP 0 DOWN

    07:43 صباحاً 2007/12/24

  • 4

    استاذنا الكبير عبد الله الجعيثن شكرا لك من اعماق قلبي
    والشكر موصول للاستاذه الجازي الدوسري على اضافتها الرائعه

    عرفان المحمدي (زائر)

    UP 0 DOWN

    07:33 مساءً 2007/12/24



مختارات من الأرشيف

  • لا تصدق كل شيء على تويتر

    إن كان للشبكات الاجتماعية من سلبيات؛ فستأتي درجة ضعف المصداقية على رأسها، فحتى ولو شاركت الغالبية من مستخدمي ...

نقترح لك المواضيع التالية