ورد في نشرة الاكتتاب الخاصة بشركة (جبل عمر) والمنشورة على موقع هيئة سوق المال، أسماء المؤسسين لهذا المشروع المبارك الذي يقع في أطهر بقاع الأرض..

والذي يلفت النظر ويدعو للتأمل وجود عدد كبير من أموات المسلمين بين مؤسسي هذا المشروع، وذلك بمساهمات عينية تمثل أراضي في الموقع قاموا رحمهم الله بتوقيفها لما ينفع الناس، وبعضهم قد انتقل الى رحمة الله من مئات السنين، وبقي وقفه محفوظاً مصاناً لدى هذه الأمة الإسلامية العظيمة على مدى الدهور، وكان من أوائل المؤسسين لشركة جبل عمر بل هو أولهم تاريخاً ومكانة الخليفة الراشد الرابع عثمان بن عفان ذو النورين رضي الله عنه وأرضاه.. فالخليفة الراشد ساهم في تأسيس جبل عمر بوقف جيّد قديم (قبل أربعة عشر قرناً!) وقد ورد اسمه رضي الله عنه في أسماء المؤسسين كالتالي: (وقف سيدنا عثمان بن عفان) (عيني يمثل 10.537.929) فرجل الخير يمتد خيره في حياته ومماته، فعثمان بن عفان هو مجهز جيش العسرة، ومن أوائل من أسلموا ونصروا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بجهاده وعتاده وماله ودعوته، وكان - رحمه الله - شديد الكرم محباً للإنفاق السخي في سبيل الله، محباً لمجتمع المسلمين، عاملاً في التجارة بكفاءة وأمانة، جاءته عير (قافلة) مليئة بالأرزاق وقد غلت الأسعار وظهر الفقر في المدينة المنورة وكان بإمكانه أن يبيعها بثروة كبيرة ولكنه بدلاً من هذا تبرع بها كلها لفقراء المسلمين وفضل ما عند الله عز وجل، وكان الرسول يحبه ويدعو له ويقول "إن عثمان تستحي منه الملائكة" وذلك لشدة حيائه وسخائه ومكارم أخلاقه..

الشاهد في هذا أن (الوقف) النافع يستمر نفعه للناس آلاف السنين، ويستمر أجره لمن أوقفه على مدى الدهور، فالأوقاف الإسلامية النافعة كثيرة ومحفوظة في سجلات وزارة الشؤون الإسلامية في المملكة، وفي وزارات الأوقاف ومؤسساتها في العالم الإسلامي كله، بل وفي الأندلس وغيرها من البلاد التي دخلها الإسلام والمسلمون ثم ضاعت عليهم مع الأسف وبقيت أوقافهم - إن كانت محفوظة وإلا فهم على نياتهم رحمهم الله - وبقيت آثارهم، ومن أشهر الأوقاف (عين زبيدة) زوجة هارون الرشيد وهي عين الماء المشهورة التي أنشأتها وصرفت عليها وأوقفتها على الحجاج والمسافرين بين المدينة المنورة ومكة المكرمة ولا تزال نافعة حتى اليوم..

@@@

وفي نشرة الاكتتاب الخاصة بشركة جبل عمر، يوجد مؤسسون كثيرون أموات كما ذكرنا.. دخلوا مؤسسين بأوقافهم التي حفظها المجتمع الإسلامي الكريم على مر التاريخ..

فيهم أسر.. ورجال.. ونساء..

يرجى لهم جميعاً الخير.. ونفعوا بأوقافهم الناس.. والخير لا يضيع،

"من يفعل الخيرَ لا يُعءدَمُ جوازيَهُ

لا يذءهَبُ العُرءفُ بينَ اللهِ والناسِ"

وبعضهم - رحمهم الله جميعاً - نصّ على مصارف الوقف، فقد ورد بين أسماء مؤسسي شركة جبل عمر: (وقف محمد بن إبراهيم رمل الموقوف على مؤذني المسجد الحرام) (عيني 895/083) وهذه الأرقام تمثل تقدير قيمة الأرض الموقوفة.

إن هذا الوقف (وقف عثمان رضي الله عنه) - كعين زبيدة وغيرها - يومض لنا بعديد من المعاني ومنها:

1- أن الموفَّق هو من يستمر عمله الصالح بعد وفاته، وكلما استمر هذا العمل الصالح، واستفاد منه أكبر عدد من الناس على مدى السنين، تضاعفت حسنات الإنسان الصالح حتى وهو ميت..

وقد ورد في الحديث الشريف:

"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث:

علم يُنءتفعُ به..

أو ولد صالح يدعو له..

أو صدقة جارية"

والوقف من الصدقة الجارية، فهو في اللغة الحبس، وفي الاصطلاح حبس الأصل والتبرع بالعائد أو جزء منه فيما ينفع المسلمين، ونجد في وصايا آبائنا وأجدادنا القريبين أوقافاً كثيرة جداً على قدر أملاكهم في زمانهم حيث كان زمان شح، وأكثرها أوقاف (نخل ومزارع) تُفصَّل في وصاياهم بشكل عجيب، فهذه النخلة ريعها لسراج المسجد، وتلك النخلة ريعها لإمام المسجد، وذلك النخل أو القمح (البُرّ) لفقراء المسلمين وقد قرأت في احدى وصايا الوقف:

(ويطعم منه اللاعي)..

و(اللاعي) هو الذي يصيح في القرية ليلاً لشدة جوعه حين كان الجوع يضرب بأطنابه في نجد خاصة قبل توحيد المملكة على يد بطل العروبة والإسلام الملك عبدالعزيز طيّب الله ثراه..

ومن أشهر الوصايا وأضبطها وأقواها أسلوباً (وصية صبيح) من أهل أشيقر قبل ما يقارب ثمانية قرون وهي محفوظة بنصها حتى الآن ودقيقة محكمة مفصلة ومكتوبة بأسلوب أدبي عجيب وقد قلدها كثيرون.

2- أن هناك من أوقفوا أراضي وعقارات ومزارع كانت في زمنهم زهيدة الثمن نسبياً ثم ارتفعت قيمتها وعوائدها بشكل هائل مع الزمن مما يضاعف لهم الأجر ان شاء الله..

3- أن السائد عند كثيرين الآن أن يوصوا بإخراج كذا أضحية من أوقافهم والباقي يوزع على الورثة، والأضحية سنة ولكن هناك مصارف للأوقاف الكبيرة على الجمعيات الخيرية وجمعيات البر بما يجعل الخير ينتشر وينفع أكبر عدد من المحتاجين ويسهم في السلام الاجتماعي والتكافل..

توقيف الأسهم

أعتقد أنها فكرة جيدة أن يوصي الإنسان ممن أتاه الله مالاً، بتوقيف بعض أسهم العوائد على أعمال الخير، وإذا كان له ذرية صغار فيستطيع جعل عوائد الأسهم مقسومة بينهم وبين الفقراء ومجالات البر بما يراه مناسباً، فالأسهم تنمو مع الزمن، والحصول على عوائدها أسهل من الحصول على عوائد العقار..

تجربة عالمية

والوقف (بمعنى المنع من البيع وإجبار الورثة على الاكتفاء بعائد الأصل وتوزيع جزء منه للفقراء) موجود عند بعض الشعوب، وقد درس باحث أمريكي حال أكثر الأسر الأمريكية ثراء منذ تأسست أمريكا وماذا آل إليه حال الورثة بعد سنوات طويلة، فوجد أن (عائلة روكفلر) هي الوحيدة من بين قدماء العوائل الثرية التي احتفظ أبناؤها وبناتها بثرائهم بعد وفاة عميد الأسرة بمئة سنة وسبب ذلك أنه منعهم من بيع أصول التركة وأوصى بتوزيع العائد عليهم وجزء منه للمشاريع الخيرية..

ومع الزمن والتضخم تضاعفت ثروة العائلة عشرات المرات.