عدد السكان منذ الأزل وإلى الأبد سوف يظل عاملاً مهماً ومقياساً رئيسياً له دوره الأساسي في تقييم قوة الأمة ومدى مقدرتها على إدارة برامجها المختلفة من مدنية وعسكرية بأيدٍ وطنية دون الحاجة إلى استقدام ملايين الأيدي العاملة ذات المشارب والثقافات المتباينة وما يترتب على ذلك من مشاكل أمنية واجتماعية نحن نعاني منها اليوم والتي كشفت الحملات الأمنية الموفقة بعضاً منها.

إن الدول المختلفة تتباها بالنمو السكاني وبزيادته المضطردة ويستثنى من ذلك تلك الدول التي وصل عدد السكان فيها إلى الحد الذي أصبح معه الحد من عدد زيادة عدد السكان هو الهاجس الرئيسي لها وإن كان عدد تلك الدول قليلاً جداً. لكن نظريات الحد من النمو السكاني والموجهة بصورة رئيسية للدول النامية بصورة عامة ودول العالم العربي والإسلامي بصورة خاصة لها أسباب منظورة وأخرى خفية ومبهمة.

أما الأسباب الظاهرة فتتمثل في الضغط على الخدمات المختلفة وارتفاع تكاليف الحياة بسبب خصخصة الخدمات الأساسية من صحية وتعليمية واجتماعية مما جعل تكاليفها عالية وغير مقدور عليها. ناهيك عن انشغال الوالدين في العمل، هذا بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف المعيشة الأخرى مثل ارتفاع أجور السكن وأسعار المواد الغذائية والملابس ووسائل النقل وارتفاع تكاليف الزواج من مهر وغيره مما يعيق الزواج المبكر ويعمل على تحديد النسل. ولعل من أهم العوامل التي تساعد على زيادة عدد السكان العمل على الحد من تلك المعوقات وإيجاد الوسائل والبرامج التي تجعل الحياة أسهل وتكاليف المعيشة أقل.

أما الأسباب غير المنظورة والتي تفرض بطرق مباشرة أو غير مباشرة بما فيها ما سبق ذكره من أسباب ظاهرة للحد من زيادة عدد السكان فإنها ربما تخضع لحسابات من يسعى من أجل السيطرة على مقدرات الأمة وهذا المنظور ربما ينظر إليه البعض على أنه ضيق، لكن الهجمة الصهيونية على المنطقة تجعل كل السيناريوهات ممكنة ومحتملة، خصوصاً أن بني صهيون يملكون مراكز الدراسات الاستراتيجية والبحثية وهم من يطلق النظريات التي يتلقفها بعض مثقفينا ويبدأون يرددونها على أساس أنها حقيقة مطلقة وليست نظرية قابلة للصواب والخطأ، ومن ذلك نظرية المؤامرة والحد من عدد السكان وغيرها مما يصلح في موضع ولا يصلح في موضع آخر.

نعم الصهيونية العالمية بدأت خططها الاستعمارية منذ قرون وهم يخططون للقرون القادمة وليس للأعوام القادمة فقط.

لقد بدأت مشاكل الحد من زيادة عدد السكان تظهر في الآونة الأخيرة على السطح في بعض الدول التي طبقت نظام تقنين عدد أفراد الأسرة، حيث بدأ عدد السكان يتناقص وأصبح عدد المسنين أكثر من عدد القادرين، وعدد المتوفين في كل عام أكثر من عدد المواليد في العام نفسه، مما سوف يجعل تلك الدول تشيخ وتهرم خلال العقود القليلة القادمة، وخير مثال على ذلك الصين واليابان التي أثبتت آخر دراسة فيها أن نسبة المسنين إلى الشباب هناك قد وصلت إلى (1:3) وهذا يعني أنه خلال العشرين سنة القادمة سوف يصبح كل اثنين من القادرين يعولان واحداً من المسنين. هذا وقد تنبهت كل من الدولتين إلى تلك المشكلة وبدأتا تسنان القوانين العاجلة ومن ذلك السماح بزيادة عدد المواليد المسموح به لكل أسرة وذلك من أجل إعادة شباب شعبها وزيادة نسبة الشباب إلى المسنين.

وفي المقابل هناك دول عديدة لازالت تسعى من أجل زيادة عدد سكانهما وذلك مثل استراليا وكندا اللتين تعملان على زيادة عدد سكانهما بكل الوسائل الممكنة بما في ذلك التجنيس وتسهيله للقادرين بدنياً أو مادياً أو علمياً. ومن الدول العربية التي تنحو هذا المنحى دولة الإمارات العربية المتحدة. وبعض دول الخليج الأخرى، أما العدو الصهيوني المتمثل في دولة إسرائيل فإن شعبها بكامله قد جمع من الشتات وهُجر بطريقة أو بأخرى من دول العالم المختلفة إلى أرض فلسطين. وإسرائيل لازالت تعمل الليل والنهار وبكل الوسائل والسبل من أجل زيادة عدد سكانها، فهي تشجع الهجرة إليها وتشجع التناسل، فعدد أفراد الأسرة هناك مفتوح، بل أكثر من ذلك وضعت الجوائز التي تشجع على وجود أسر كبيرة لذلك اهتمت إسرائيل ببرامج الأمومة والطفولة وجعلت النمو السكاني من أهم أولوياتها وذلك لأهميته في مجال التنمية البشرية التي تمثل الركيزة الأساسية للأمن القومي لهم، وكذلك لأهميته لبرامج التنمية المختلفة وإنشاء المستعمرات وكذلك في الدفاع والأمن وغيرهما من البرامج التي تسيِّر الحياة هناك وتضمن النمو والبقاء. ليس هذا فحسب، بل وصل الأمر إلى أنهم يحتفلون كل عام بالأم التي تنجب أكثر من عشرة أطفال ويقدمون لها جائزة الدولة. وما تقوم به إسرائيل من هدم لبيوت الفلسطينيين واحتلالها ومصادرة الأرض وتهجير لأصحاب الأرض وبناء المستعمرات وجلب المهاجرين إليها إلا دليل على اهتمام الدولة الصهيونية بالنمو الديموجرافي وأهميته بالنسبة لها. ولعل ما حدث ويحدث في جنين ورفح وبيت حانون وغزة ومدن الضفة الغربية إلا خير شاهد على ذلك.

وفي المقابل نجد الدول العربية مازالت لا تدرك الخطر المحدق بها فالأمور تسير دون تخطيط وبعض منها استسلم للمؤثرات الخارجية وأخفقت خطط التنمية لديه مما جعله يعتقد أن الحد من النمو السكاني هو الحل لذلك لجأ إلى وضع خطط للحد من التناسل إما انجرافاً مع التيار أو قبولاً بالدعاية والضغوط الممارسة عليه من قبل بعض المنظمات الدولية. أما من لديه ضرورة فإن للضرورة أحكاماً.

ولا شك أن الأحداث والضغوط والهزات الاقتصادية وارتفاع مستوى المعيشة بسبب غلاء الأسعار وسائل تفرض من الخارج لأهداف عديدة يأتي في مقدمتها الحد من زيادة عدد السكان. ومن الوسائل المباشرة التي تؤدي إلى هذا الغرض التثقيف الموجَّه وخصخصة الخدمات مثل التعليم والصحة مع عدم وجود تأمين اجتماعي يساعد غير القادرين على الدفع، هذا بالإضافة إلى إيجاد بعض المشاكل الاقتصادية التي تؤدي إلى خفض مستوى الدخل مثل ارتفاع تكاليف المعيشة أو انخفاض مستوى صرف الأجور وكل ذلك يؤدي إلى عدم القدرة على الزواج أو الحد من عملية التناسل للقادرين على الزواج من سواد الناس. ولا شك أن ذلك سوف يؤدي إلى تباطؤ زيادة عدد السكان على المدى المتوسط أو الطويل.

وإذا نظرنا إلى واقع الحال في المملكة نجد أن لدينا دولة تحتل مساحة شاسعة تربو على أكثر من (2.2) مليون كلم مربع يسكنها حوالي (23) مليون نسمة منهم ستة ملايين نسمة من غير السعوديين و(17) مليون نسمة من السعوديين (8) أشخاص لكل كلم2، وهذا العدد صغير جداً بالنسبة للمساحة الكلية للمملكة، ولذلك فإن أغلب مناطق المملكة عبارة عن مناطق قليلة السكان إذا استثنينا منطقة مكة المكرمة ومدينة الرياض وحاضرة الدمام.

لقد وصل معدل النمو السكاني في المملكة في مرحلة من المراحل إلى 3.5% سنوياً، لكنه تراجع الآن إلى حوالي 2.8% أو أقل، وهذا أقل من المرغوب فيه. وقد كتب بعض المتشائمين من ذاك عن الانفجار السكاني الذي سوف تشهده المملكة والمستقرأ من معادلة رياضية توقعت وصول سكان المملكة إلى (45) مليون نسمة بحلول عام (2025)م أي بعد (18) سنة من الآن وبالطبع فإن واقع الحال يشير إلى غير ذلك.

نتمنى أن يصل عدد سكان المملكة إلى (45) أو (50) مليون نسمة خلال عقدين أو ثلاثة عقود من الزمن، وذلك لأن عدد السكان الكبير للمملكة سوف يزيدها قوة ومكانة مما يجعلها يحسب لها ألف حساب. وقد أثبتت الأحداث القريبة والبعيدة أهمية عدد السكان وأهمية توزيعهم على الخريطة الجغرافية للدولة.

أما المصادر الاقتصادية التي يمكن أن يعتمد عليها السكان فإنها غير محدودة فالثروات الموجودة في أرض هذا الوطن غير محدودة هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى فإن الشعوب الحية تستطيع أن تخلق الثروة والمصادر الاقتصادية حتى ولو عاشت فوق جزر بركانية قليلة الخصوبة وكثيرة الزلازل والبراكين، وخير مثال على ذلك الشعب الياباني الذي ينعم بثاني أقوى اقتصاد على مستوى العالم على الرغم من ندرة الموارد الاقتصادية الطبيعية في أرضه. ولا شك أن "الحاجة أم الاختراع" ولا شك أن زيادة عدد سكان المملكة له فوائد عديدة وتحتاج إلى محفزات عديدة أيضاً. والله المستعان.

hluhaidan@alriyadh.com