درجت المجتمعات على التنقل بين المناطق واناخة الركاب في تلك التي تجد فيـــها منافعها وقوتها ومقومات حياة أفضل فيها. وهذا أمر طبيعـــي سلكه وتسلكه فئات المجتمع المختلفة حتى صـــار هاجساً من أولويات المنظرين للتجمعات المدنية والمخطــطين لها فصارت الهجرة من أولويات المنظرين للتجمعـــات المدنية والمخططين لها فصارت الهجرة من الأرياف والقرى إلى المدن معضلة تعايشها المجتمعات المتقدمة بالذات.

ولذا فالمشكلة ليست افراز حديثاً من افرازات التقدم والمدنية، ومن أجل هذا عملت دول العالم المتحضر إلى خلق الأساليب والطرق التي يمكن ان تساعد في الحد من تلك الهجرة، والسبب وراء كل هذا هو في نظري العامل الاقتصادي. فالمنظرون يرون ان في بقاء المجتمعات في أماكنهم وعدم التكدس في مناطق محدودة هي من أجل تخفيف التكلفة الاقتصادية إذ ان الكلفة أعلى فيما لو جمعوا في منطقة واحدة. وهكذا بالنسبة للمهاجرين فهم يرون ان في هجرتهم ميزة نسبية لتلك المناطق المهاجر إليها كي يعيشوا عيشة اهنأ. وفي المملكة كباقي العالم لازال المجتمع يهجر مرابعه لمناطق محدودة يرون ان فيها فرص العيش ونمو الاقتصاد الفردي أفضل حين انتقالهم. ساعد في ذلك بعض السياسات الاقتصادية التي لا تخلو من السلبيات. فوجود الأعمال والمؤسسات الحكومية وفرص العمل وغير ذلك في منطقة أو مناطق أو ربما اضيق من ذلك حين يكون في مدينة من منطقة ساهم بلاشك في نزوح الأعداد الكبيرة لهذه الأماكن. ولازال بكل اسف الاستمرار في التوجه في مثل هذه السياسات مأخذاً سلبياً على بعض القرارات الاقتصادية. وخذ مثالاً وهذا ليس حصراً بقدر ما هو ابراز لطبيعة المشكلة وبحكم محيط عملي تجد ان هناك مشاريع تعليمية لازالت تقام في أماكن تكدس فيه المجتمع بشكل كبير حتى صعب معه التخطيط. فماذا لو اقتصر الترخيص لتلك المؤسسات التعليمية الخاصة أو العامة على أماكن ريفية أو شبه ريفية. وماذا لو اقيمت بعض المشاريع أو المجمعات التصنيعية أو المؤسسات الحكومية في مثل تلك المناطق خصوصاً ان أساليب الاتصال اصبحت فعالة جداً ولا تحصرها أو تقيدها المسافات. يضاف إلى هذا ما توفر من بنية اساسية معقولة للبدء في مثل تلك الأفكار.

ان بعض المشاريع التي تساعد على التوطين لا تحتاج لأن تكون مجاورة لسور المطار أو محاذية للميناء مثلاً خصوصاً في ظل توافر وسائل الاتصال العديدة. فكم من الكليات والجامعات في الدول المتقدمة اقيمت في مناطق ريفية وقروية وصارت معلماً لتلك المناطق. وهكذا في غير هذه الأفكار. يضاف لكل ما سبق اننا بحاجة إلى توعية شاملة يضاف إليها البعد الاقتصادي خصوصاً ان هناك قصوراً واضحاً في هذا الجانب والتي منها نشر أرقام وحقائق عن تكاليف المعيشة بين المناطق والمدن مثلاً إذ انها ليست معلومة تحجب ولا ادري ما سبب عدم ابرازها حتى لاشباه المهتمين بها. فابرازها وجعلها في متناول الناس سيساعد بلاشك على عمل قرار اقتصادي راشد. والله من وراء القصد.

  • رئيس قسم المالية والاقتصاد ـ

جامعة الملك فهد للبترول والمعادن