تـعدد مصادر الدخل ـ 2ـ
لـنستفيد من عمتنا النـخلة

تشهد المملكة نهضة اقتصادية شاملة في مختلف قطاعاتها الانتاجية بصفة عامة والزراعة بصفة خاصة. والسياسة التي اتبعتها المملكة في دعم المشاريع الزراعية تعتبر اتجاها رائدا في تحقيق الاستراتيجية الرامية الى تنويع القاعدة الاقتصادية فأهمية الزراعة في المملكة تنعكس في امور كثيرة منها المساهمة في الناتج الوطني وتوفير فرص العمل في القطاع الزراعي وفي الصناعات الزراعية المرتبطة به فضلاً عن تقليل الواردات ورفع مستوى الدخل وتحسين مستوى المعيشة. ويعد التكامل الزراعي ـ الصناعي القائم على الصلة الوثيقة بين القطاعين من اهم عوامل تحقيق التنمية الاقتصادية.

وعلى اية حال فإن الاقتصاديات المرتبطة في زراعة النخيل كبيرة وواعدة ذلك ان النخلة شجرة مباركة حبى الله سبحانه وتعالى بها ارض العرب والمسلمين وغني عن القول ان تلك الشجرة تمتاز بأن كل جزء فيها مفيد اذا احسنا الاستفادة منه. فالتمر غذاء الآباء والاجداد وبقية منتجات النخلة كان يتم الاستفادة منها بصورة مباشرة او غير مباشرة لكي تفي بالغرض. وقد كانت هناك كثير من الصناعات اليدوية التي تعتمد على مشتقات النخلة. والنخلة لها اهمية كبيرة وقد ورد اسم النخلة في القرآن الكريم اكثر من عشرين مرة قال تعالى: {"ونزلنا من السماء ماء مباركاً فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقاً للعباد، واحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج}.

كما ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم في كثير من الاحاديث، فقد قال صلى الله عليه وسلم "اذا قامت الساعة وفي يد احدكم فسيلة فإن استطاع الا تقوم حتى يغرسها فليغرسها" او كما قال. وهذا دليل على اهميتها واهمية زراعتها، فهي من اشجار الجنة.

والنخلة تعتبر شجرة البيئة المحلية فهي تتحمل درجة عالية من الحرارة كما انها تقاوم البرودة وتصبر على العطش والاهمال ناهيك عن انها تتحمل الملوحة وعلى الرغم من كل الندوات والبحوث والكتب والدراسات التي اهتمت بالنخلة الا ان النخلة لا زالت تعامل بنفس الطرق البدائية من حيث الزراعة والاستثمار ولم تتجه الانظار الى تلك الشجرة المباركة سيدة الشجر لتجعلها تمثل ركناً اساسياً ورافداً اقتصادياً في الثروة الوطنية.

ان اعداد النخيل قد تناقص في كثير من الدول الاخرى بصورة كبيرة خلال العقدين الماضيين ففي العراق نقص عدد النخيل بنسبة تصل الى 53% وفي المغرب نقص عدد النخيل بنسبة تصل الى 25%.

وبالمقارنة فقد تضاعف عدد النخيل في المملكة العربية السعودية عدة مرات خلال العقدين الماضيين وذلك بسبب تشجيع الدولة وحرصها على شقيقة جدنا آدم عليه السلام.

ولعل اهم الشواهد الظاهرة حالياً تشير الى ما يلي:

1ـ لا شك ان هناك اقبالاً كبيراً على زراعة النخيل في المملكة حيث ان معدل النمو يتراوح بين 3ـ 4% وطبقاً لاحصائيات وزارة الزراعة لعام 1416فقد وصل عدد النخيل في المملكة الى اكثر من 18مليون نخلة وهذا العدد مرشح لان يتصاعد في السنوات القليلة القادمة وهو ما سوف يترتب عليه زيادة في كمية العرض، وذلك بفضل تشجيع الدولة للاستثمار في هذا المجال الحيوي حيث يتم دعم المزارع بخمسين ريالا لكل فسيلة نخل تزرع. ناهيك عن شراء الدولة لكميات كبيرة من التمور لصالح برنامج الغذاء العالمي.

2ـ ان استهلاك التمور لم يتطور وذلك بسبب بقاء الطرق التقليدية في اسلوب الاستهلاك والحفظ وعدم توفر قنوات تستوعب هذه الكميات المتزايدة في اغراض التصنيع على الرغم من وجود اكثر من 20مصنعاً للتمور في المملكة الا انها محدودة القدرة والمقدرة.

3ـ طبقاً لبيانات وزارة الزراعة لعام 1416فقد تراجعت اسعار التمور في الثلاث سنوات السابقة لذلك التاريخ حتى بلغ متوسط سعر التجزئة لأهم التمور في المملكة وعددها 11صنفاً لتبلغ (,131) ريالا للكيلو ثم انخفض في عام 1417هـ الى (,122) ريالا ثم تراجع حتى بلغ (,94) ريالات للكيلو في عام 1419هـ اما سعر الجملة فقد تراجع من (,86) ريالات للكيلو عام 1416هـ الى (,64) ريالات للكيلو عام 1419هـ.

4ـ ان حجم صادرات المملكة من التمور لا يتجاوز 5% من نسبة الانتاج الكلي مع العلم ان 90ـ 95% من الكمية المصدرة تتجه الى دول مجلس التعاون الخليجي وبقية الدول العربية الاخرى ونسبة قليلة جداً لا تتجاوز 1% تتجه الى الاسواق الاوربية ومثلها الى الاسواق الافريقية اما دول آسيا فلا يتجه اليها اي كمية تصديرية تذكر من تمور المملكة رغم امكانياتها الاستيعابية والاستهلاكية الكبيرة والسبب في ذلك يعود الى جهات عديدة مثل التاجر والمصنع اللذين اخذا بحاجة المستهلك المحلي فقط، وبصورة تقليدية ليس فيها اي ابداع. وعلى اية حال فإن السوق العالمية للتمور كبيرة جداً الا انه مهمل. واكبر تلك الاسواق تتمثل في الهند والصين واندونيسيا وماليزيا والجمهوريات الاسلامية في وسط آسيا. كما ان غيرها من دول العالم يمكن ان تستورد المواد المصنعة من التمور مثل الشيكولاتة والخل وغيرها.

5ـ بلغ عدد مصانع التمور المسجلة في قوائم وزارة الصناعة حتى عام 1418هـ حوالي 218مصنعاً طاقتها الانتاجية مجتمعة تبلغ حوالي 46000طن وراس مالها مجتمعة يبلغ حوالي 400مليون ريال فقط عدد العاملين بها يقدر بحوالي 1000وهذا قليل جداً بالنسبة للانتاج الوطني البالغ 670الف طن سنوياً.

ولا شك ان شعار الامن الغذائي الذي رفعته المملكة منذ سنين قد نجح نسبياً في مجال زراعة القمح الا اننا نتوقع ان يكون نجاحه اكبر بكثير من مجال زراعة النخيل خصوصاً ان النخيل لا تحتاج الى كميات كبيرة من المياه كما هو الحال في زراعة القمح فالنخلة بنت الصحراء والبيئة المحلية. ولذلك فإن التوجه الى زراعة النخيل يعتبر توجها ايجابيا يفترض تدعيمه بقيام صناعة متكاملة تعتمد على منتجات النخلة من تمور وألياف وخشب وسعف وغيرها. وحيث ان المملكة من اكبر المنتجين للتمور في العالم، وحيث ان الامكانيات القائمة تؤهل المملكة ان تكون رائدة في مجال صناعة التمور خصوصاً اذا علمنا ان هذا لم يتم الالتفات اليه من قبل الدول الاخرى. مع محدودية عددها وقلة امكانياتها. وهنا يحبذ ان يكون طموحنا كبير بحيث نتجه الى استثمار النخيل ليس من اجل الامن الغذائي فقط بل باعتباره مصدرا اقتصاديا كبيرا يمكن ان يشكل احد مصادر الدخل القومي للبلد عندما يتم تحويل جميع منتجات النخلة الى سلع اقتصادية لها استعمالاتها المتعددة تتنافس اسواق العالم على استيرادها وهنا يمكن ان نشير الى ان:

1ـ التمور من اغنى الفواكه في الطاقة الحرارية ولهذا فقد صدق من قال بأن التمر واللبن غذاء كامل. فالتمر يحتوي على البروتين والكربوهيدات والسكريات وكذلك الماء والاملاح المعدنية والفايتمينات ناهيك عن القيمة الغذائية العالية للنوى الذي يمكن ان يستعمل كأعلاف. وللتمور فوائد كثيرة لايمكن حصرها في مقال قصير.

2ـ انتاج السكر العالي الفركتوز: ان تطوير هذا المنتج سوف يوفر اكثر من ألفي مليون ريال من الواردات ومما يجدر ذكره انه لا توجد مصانع حتى الآن منتجة لهذا النوع من السكريات. وهذا السكر يدخل في كثير من الصناعات الغذائية والدوائية المعروفة.

3ـ حمض الليمون يتم استيراده حالياً من الخاج مع انه يمكن ان يصنع من التمور وهذا الحمض يدخل في كثير من الصناعات الغذائية والدوائية. والجدير بالذكر ان المملكة تستورد كميات كبيرة من هذه المادة من دول متعددة مثل ألمانيا وبلجيكا والصين واندونيسيا ولا توجد مصانع محلية لانتاج هذه المادة ويتم استيراد حاجة البلاد بالكامل من الخارج.

4ـ وعلى اية حال فإن هناك صناعات عديدة اخرى تعتمد على التمور مثل تصنيع التمور ، صناعة الدبس، صناعة السكر السائل وصناعة الجلوكوز وصناعة انتاج الخل والخميرة بأنواعها وصناعة مربى التمر وهلم جرا.

5ـ صناعة المنتجات السليلوزية للنخلة ومن اهمها، صناعة الورق صناعة الفورفورال، صناعة الخشب المضغوط، صاعة الريون، وصناعة الالياف والكنبار بالاضافة الى صناعة الاعلاف والحصرو وغيرها.

6ـ كثير من الصناعات الغذائية يمكن ان يدخل بها التمر بصورة مباشرة او غير مباشرة مثل الايسكريم والبسكويت والحلويات المختلفة والكراميل واغذية الاطفال ومشروبات التمر المرطبة، ناهيك عن امكانية احلال التمر ومشتقاته محل بعض الفواكه المستعملة حالياً في انتاج كثير من المواد الغذائية.

7ـ لقد اكتشفت الدول ان اضافة الايثانول الى البنزين امر مفيد فهو مصدر من مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة لذلك فان كل من امريكا واليابان تقومان بإضافة الايثانول الى البنزين وقد وضعا هدفا هو ان يتم الاستغناء عن استيراد 20% من حاجاتهما من البنزين عن طريق تعويض ذلك بالايثانول. وعليه فإن صناعة الايثانول من مخلفات التمور سوف يكون له مردود اقتصادي واعد كمصدر من مصادر الطاقة.

من ذلك كله يتضح ان النخلة مصدر اقتصادي مهم للمواد الغذائية ومواد خام اخرى يمكن ان تقوم عليها صناعات متعددة لها عوائد اقتصادية مؤكدة اذا احسن التخطيط لها وتمت حمايتها من المنافسة الخارجية ناهيك عن كونها صناعة لم يلتفت اليها، والسبب هو ان 90% من الانتاج العالمي من التمور والذي بلغ حوالي , 418مليون طن عام 1417هـ هو من انتاج الدول العربية والاسلامية موزعة كالآتي:

ايران (795) الف طن، مصر (650) الف طن، السعودية (670) ألف طن، العراق (600) الف طن، الجزائر (318) الف طن، والباكستان (290) الف طن، والامارات العربية المتحدة (270) الف طن بينما يبلغ انتاج الولايات المتحدة الامريكية حوالي (23) الف طن فقط من التمور سنوياً وذلك حسب احصائيات منظمة الاغذية والزراعة الدولية. وبالطبع فإنه نظراً لضعف امكانيات البحوث والتطوير والانجازات التقنية المتقدمة في الدول النامية لم يحدث اهتمام يذكر في تطوير النظم الهندسية المناسبة وخطوط الانتاج الملائمة للتمور وحيث ان هذه الثروة توجد بصورة رئيسة في الدول العربية والاسلامية فإنه لم يكن هناك دافع لدى الدول المتقدمة للاهتمام بهذا الجانب وعليه فإنه لا توجد حتى اليوم شركة عالمية متخصصة ومتميزة في تطوير وتصنيع آليات جديدة للاستفادة من النخلة ومنتجاتها. ليس هذا فحسب بل ان الامر المؤكد ان المصنعين في الخارج لديهم ادراك ووعي كبيران بأهمية الصناعات التحويلية القائمة على التمور لذا فهم يحاربون صناعة التمور في المملكة ويفرضون حظراً تقنياً على كل ما يطور تلك الصناعة خصوصاً ان التمور لديها امكانيات كبيرة لمنافسة كثير من المنتجات العالمية مثل الكاكاو والشكولاته وغيرهما.

لقد حبى الله هذا الوطن بنعم كثيرة واهمها نعمة الاسلام ثم الامن في الاوطان والصحة في الابدان مدعومة بنعمتين رئيستين الاولى البترول والذي استفدنا منه ولازلنا نستفيد منه بصورته الخام وعلينا ان نستفيد منه عن طريق تصنيعه الى مشتقاته، حيث ان ذلك اربح من ناحية، واطول عمرا له من ناحية ثانية. اما النعمة الثانية فهي تلك الشجرة المباركة وهي النخلة التي يلقى المزارعون كل التشجيع من قبل الدولة ـ سلمها الله ـ لزراعتها فهل نحول تلك النعمة الى مصدر اقتصادي آخر يدر على الوطن امناً غذائياً ومصدراً اقتصادياً يعتمد عليه اذا احسن اعداد الخطط الطموحة للاستفادة من جميع منتجات النخيل من تمور وغيرها وتمت حمايتها من المنافسة الخارجية ناهيك عن اعداد الارضية المناسبة لتسويق تلك المنتجات في الاسواق العالمية من خلال الاستفادة من منظمة التجارة العالمية خصوصاً عند انضمام المملكة المتوقع الى تلك المنظمة حيث ان ذلك سيفتح اسواق الدول الاخرى امام منتجات المملكة من التمور وغيرها وعلى اية حال فإن الاتجاه المدروس للاستفادة من التمور والمنتجات الاخرى للنخلة يجب ان يكون مقروناً بتذليل الصعاب التي تواجه الاستثمار في هذه الثروة الوطنية خصوصاً بعد الاعلان عن انشاء وزارة المياه والذي جعل وزارة الزراعة متفرغة لتطوير مفهوم الامن الغذائي بشقيه النباتي والحيواني مما يجعلها مرشحة لكي تحمل اسم وزارة الزراعة والثروة الحيوانية وبالتالي فإن اهتمام الوزارة بالنخلة وهي موضوع حديثنا اليوم سوف يشمل الامور المختلفة التي تحدثنا عنها ناهيك عن اهمية دور البنك الزراعي الذي اعلن عن تطوير كثير من البرامج التي يمكن ان تتلقى دعمه والتي تدخل ضمن الامور المشجعة على الاستفادة من التطوير التقني والاتجاه الى الاعتماد على التقنية كوسيلة انتاجية وتصنيعية فاعلة. من ذلك كله فإن الاتجاه الى انشاء مؤسسة صناعية كبرى تعمل في مجال تصنيع المنتجات الزراعية خصوصاً تمور النخيل والاستفادة من مخلفاتها في صناعات اخرى بحيث تكون تلك الشركة على غرار شركة سابك التي تعمل في مجال البتروكيماويات ويمكن ان تقوم تللك الشركة الصناعية الزراعية في انشاء مدن صناعية في المناطق الزراعية الرئيسة التي تتوفر فيها النخيل وغيرها مثل مناطق المدينة المنورة والقصيم والاحساء ونجران وغيرها ويمكن ان ينضوي تحت تلك الشركة بعض الشركات الزراعية الناجحة التي ربما تجد فيها وسيلة لمزيد من النجاح وعليه فإن الاتجاه الى عدم هذا التوجه وانتشال المصانع التي بدأت تخرج من السوق بسبب المنافسة الخارجية يصبح امراً ضرورياً وهنا يجب ان نشير الى ان جريدة "الرياض" وهي الرائدة كعادتها في طرح كثير من الامور الوطنية المهمة، قد فتحت ملف التمور وصناعها قبل اكثر من عام. ناهيك عن ان الغرفة الصناعية والتجارية بالرياض قد قامت بدراسة جدوى عن صناعة التمور ومشتقاتها الا ان ذلك لم يلق صدى لدى المستثمرين لان رأس المال جبان كما يقال او بالاحرى لان صاحب رأس المال يريد ربحاِ مرتفعاً وسريعاً دون عناء او تعب وعليه فإن انشاء شركة تعمل في مجال الصناعات الزراعية وتكون مشاركة بين الحكومة والقطاع الخاص كما هي الحال في شركة سابك او ان تقوم الحكومة بإنشائها ثم تطرحها للاكتتاب بعد ان يقوى عظمها كما فعلت مع شركة سابك او كما سوف يتم العمل به في شركة الاتصالات السعودية التي سوف تطرح للاكتتاب العام بعد سنتين ماليتين من تاريخ انشائها.

ان الصناعات المعتمدة على النخيل ومنتجاتها تعتبر من الامور الواعدة التي ربما تشكل مصدراً اقتصادياً يعتمد عليه خصوصاً اذا مهد لذلك بمركز للبحوث والتطوير يخص منتجات تلك الشجرة المباركة التي يحسن بنا ان نعيدها الى الواجهة في اهتماماتنا الاقتصادية. سدد الله خطا العاملين المخلصين. والله المستعان.






مواد ذات صله

Image

«راجح» و«داعش» والمشكلة السورية!

Image

رهف القنون لن تكون الأخيرة!

Image

النفط لا يعني الاسترخاء والكسل

Image

نكون أو لا نكون

Image

علموهم شرف الخصومة!

Image

تطوير التعليم بحاجة إلى تطوير (1)

Image

في الطريق لحلّ أزمة الإسكان

Image

نحن وإيران!







التعليقات