يسأل الجميع عن ذلك الشاب الموهوب الذي فاجأهم في نهاية الثمانينات عندما اشترك في أهم المسرحيات السعودية وقدم أداء ملفتاً.. ثم اختفى بنفس السرعة.. ليبقى السؤال عن الأسباب التي أدت إلى ابتعاده عن الفن سنوات طويلة وعودته المتأخرة والتي لم تكن أقل تميزاً من انطلاقته المتميزة.. عبدالإله السناني ضيف (ثقافة اليوم) يكشف الأسباب في هذا الحوار:

@ من البدايات دعنا ننطلق، حدثنا عن طفولتك؟

  • ولدت في مدينة المجمعة، ولكني نشأت في عدد من بلدان العالم العربي فمن الجزائر إلى لبنان وحتى اليمن ثم الاستقرار في السعودية عند المرحلة الثانوية كانت تلك سنين طفولتي، وسبب ذلك التنقل يرجع إلى طبيعة عمل الوالد حفظه الله في الملحقية الثقافية لسفارات المملكة.

@ إذن هل لنشأتك المتنقلة إسهام في غرس بذرة حب الفن لديك؟

  • بالتأكيد، وللبنان أكبر الأثر في ذلك لقد سكنا في نفس الحي الذي توجد فيه دار للسينما وبجانبه كان مسرح السيدة (فيروز)، وذلك قبل الحرب الأهلية بسنة أو سنتين، كنت حينها لم أتجاوز التاسعة من عمري حينما أذهب مع ابن جارنا لمشاهدة فيلم بشكل أسبوعي، أو الدخول خلسة إلى إحدى مسرحيات (فيروز) والتي كانت تقتصر على الكبار وقتها، هي مرحلة مهمة في نظري أسست في داخلي قيمة العمل الفني منذ الصغر.

@ ألم تقف عائلتك ممانعة أمام تلك الزيارات التي هي محرمة عند بعض الأسر المحافظة؟

  • لا أبدا، فرغم أن والدي كان خريج كلية الشريعة إلا أنه بوعيه الفقهي وخبرته التربوية من مجال عمله كمستشار في وزارة التربية (المعارف سابقا) أدرك أهمية الفن في تشكيل الروح المرهفة لدى الطفل وأثرها الملموس عليه مستقبلا، وهو ما يحصل لي الآن كفنان.

@ وماذا عن عودتك للسعودية لإكمال الدراسة الثانوية؟

  • من بين كل المواد في المرحلة الثانوية عشقت مادة (الأحياء) وخلب لبي المجهر الذي ضخم ما لا نراه في الكائنات الدقيقة والصغائر في أبداننا من الخلايا، ربما لأجل ذلك أحببت الكاميرا وأحببت الشاشة لأنها تكشف وتكبر دواخل النفس الإنسانية وما يعتريها من حيرة وضياع قد لا نراها بعيننا المجردة في حياتنا الواقعية من هنا قد تستطيع القول أنني بدأت أتطلع أن أكون عنصرا فاعلا في المجال الفني.

@ ومتى بدأت في تكريس هذا التطلع؟

  • في الجامعة، ومع أن اختياري وقع على كلية علمية بحتة (كلية العلوم قسم النبات) -ولا يخفى عليك أنه تخصص بعيد كل البعد عن الفن والأدب- إلا أنني التقيت بالمصادفة في أحد الأيام بمخرج تونسي تعاقدت معه جامعة الملك سعود حيث اقترح علي أن أنضم إليه في فريق مسرحي من الكلية شكله منذ فترة قريبة فشاركت معه في مسرحية من تأليف توفيق الحكيم كان عنوانها (المخبأ رقم 13)، ودخلت المسرحية في منافسة مع بقية كليات الجامعة فحققتُ على إثرها المركز الأول لأفضل ممثل وحاز على المركز الثاني شاب خجول اسمه: (ناصر القصبي)!.

@ (ناصر القصبي) كان معك في الجامعة؟

  • نعم، ولكني لم أعرفه في حينها إلا أننا بعد ذلك كونا فريقا مسرحيا معه ومع زميلنا في كلية الآداب (عبدالعزيز الغامدي) وبعض الممثلين وكانت بداية الصداقة بيني وبين (ناصر القصبي) والتي امتدت منذ بدايات الثمانينيات 1982م وإلى الآن.

@ هل كانت علاقة صداقة فقط أم أنها زمالة في المسرح أيضا؟

  • الاثنتان معاً، لقد كان معظم أصحابي من كلية الزراعة وكلية الآداب وأما زملائي من كلية العلوم فلم يكن لهم اهتمام في المسرح بل كان تركيزهم على تخصصهم العلمي طاغياً.

@ هل أفهم من هذا الكلام أنك كنت مهملاً للدراسة؟

  • ضاحكاً أجاب: بالتأكيد لا، لكن كما تعرف فالصداقة غالبا ما تعتمد على عوامل مشتركة بعيداً عن ما تفرضه عليك الدراسة الأكاديمية، في شبابي كان وقت الفراغ يمثل مشكلة عندي ولكن المسرح غطى حيزاً كبيراً وأعطى لحياتي شعلة من الإثارة لذا فأغلب وقتي أقضيه في البروفات المسرحية أو الإعداد مع الشباب لمسرحية أخرى.

@ خلال الأربع سنوات هي مدة دراستك في الجامعة، ما هي أبرز المسرحيات التي شاركت فيها؟

  • قبل أن أنضم إلى منتخب الجامعة قدمت للكلية ست مسرحيات ثم انضممت للمنتخب ومعي كما قلت (ناصر القصبي) و(عبدالعزيز الغامدي) و(يوسف الجراح) وعرضنا عدة مسرحيات استوحيناها من الأعمال المسرحية والأدبية الشهيرة وكان من أهمها قصة (ماكبيث).

@ وبعد التخرج؟

  • بعد التخرج انتقلنا فجأة ومن دون مقدمات إلى جمعية الثقافة والفنون وانضممنا إلى فريق مميز على رأسهم (محمد العلي) و(بكر الشدي) رحمهما الله و(عامر الحمود) والذي قدمت معه مسرحية من إخراجه عنوانها (الحل الأكيد) ومثل معي فيها (ماجد العبيد) و(محمد العيسى) وغيرهم ويعتبر ذلك أول عمل لي مع جمعية الثقافة والفنون وقتها، بعد تلك المسرحية تعرفت على (عبد الله السدحان) من خلال مشاركتنا في المسرحية التي قام بتأليفها (راشد الشمراني) وأخرجها (عامر الحمود) وهي بعنوان (عويس التاسع عشر) والتي قام ببطولتها (محمد العلي) و(بكر الشدي) وحققت صدى واسعاً بين الجماهير والمهرجانات العربية التي شاركت فيها المسرحية، وخاصة أن الجميع نسب هذا النجاح إلى الوجوه الجديدة التي طعمت بها المسرحية من مخرج وكاتب وممثلين وجميعهم سعوديون، وكان هذا بحد ذاته نقلة مهمة للمسرح السعودي، مع أن المسرح بشكل عام لا تعنيه الحدود الجغرافية كثيراً.

@ متى عرضت المسرحية؟

  • على ما أعتقد في عام 1986م

    @ ماذا عن التلفزيون متى كان أول عمل درامي تقوم به؟

  • في 1988م فقد شاركت أنا وعبد الله السدحان ويوسف الجراح وبشير الغنيم بمسلسل صور في استديو داخلي بعجمان مع سعد خضر عنوانه (لا يحوشك حبروك)، وقدمت فيه دور طبيب نفسي.

@ وكيف كان وقع المسلسل في الشارع السعودي؟

  • كانت له أصداء جيدة ولكن لم يكن بذلك المأمول منه، وخاصة أنني لم أقتنع بالدور الذي قمت به.

@ ولماذا لم تقتنع بالدور؟

  • لقد كنت صغيرا في السن ولم يعط وجهي ذلك الإيحاء المناسب لدور طبيب نفسي بلغ من العمر ثلاثين عاما وأنا في حينها لم أتجاوز الثالثة والعشرين.

@ بعد (لا يحوشك حبروك) هل تسمي تلك التجربة البداية الفعلية في عالم الدراما التلفزيونية؟

  • في الحقيقة عمل (لا يحوشك حبروك) لم يشجعني للخوض أكثر في المسلسلات التلفزيونية فركزت اهتمامي على المسرح لفترة مؤقتة، إلا أن البداية الفعلية كانت في المسلسل الذي قدمته مع (عبدالله السدحان) و(ناصر القصبي) إبان الغزو العراقي للكويت في سنة 1991م بعنوان (حكايات قصيرة) وهو من إخراج (مصطفى الشال) وعرض في رمضان من ذات العام، هذا العمل أستطيع الجزم أنني دخلت المجال التلفزيوني وبقوة من خلاله.

@ ولكن قبل ذلك كانت لديك سهرات تلفزيونية مع القناة الأولى، لماذا لم تذكرها؟

  • لأكون صريحا معك كانت تلك الأعمال تجارية بحتة وكانت تصور في فترة قصيرة تباع للقناة الأولى مباشرة، لا أجدها ذات تأثير كبير على الساحة الدرامية.

@ قد أخالفك الرأي فنحن نفتقد مثل هذه الأعمال التي تقتصر على ساعتين بدلا من التمطيط لثلاثين حلقة؟

  • كلامك صحيح، لا أنكر أن تلك السهرات التلفزيونية حققت نجاحاً في وقتها إلا أنه كان محدودا، والمنتج أو شركات الإنتاج ساهمت في اختفائها.

@ وكيف ذلك؟

  • إذا فكرنا بعقلية المنتج التجارية سنجد أن المردود المادي من السهرات التلفزيونية لا يقارن مع الدخل المرتفع الذي ستحققه المسلسلات في المقابل، وابتعاد الدعم المادي عن مثل هذه الأعمال حرمها من التطوير وترسيخها في وجدان المشاهدين مما أدى بتلك الطفرة للانقراض.

@ هل لك أن تحدثنا عن أهم هذه السهرات؟

  • أول عمل كان مشاركة بيني وبين (عبدالله السدحان) الذي اقترح تقديم شخصية موازية لشخصية (أبو مساعد) التي حققت قبولا لدى الناس في تلك الفترة، فابتكرت شخصية (أبو سعد) وهي قريبة من الشخصية السابقة لكن تميزت تلك الشخصية بسلاطة اللسان والوقوع في المشاكل جراء ذلك، وعلى ضوء تلكما الشخصيتين قدمنا فيلماً تلفزيونياً عنوانه (من غير ليش) وكان من إخراج (عامر الحمود) ومثل معنا فيه (يوسف الجراح)، تلتها سهرة أخرى مميزة كانت من بطولتي ومشاركة (محمد العلي) و(عبدالعزيز الحماد) أسميناها بفيلم (الميكانيكي) وكلا الفيلمين مع سهرات أخرى لاقت استحسانا واسعا من الجماهير.

@ ما الذي دفعكم لمثل هذه النوعية من الأفلام؟

  • كان نوعاً من الرد على قرار للوزارة أثر سلباً على المسيرة الدرامية في السعودية.

@ نوع من الرد! هل لك أن توضح أكثر؟

  • في السابق أصدرت وزارة الإعلام قراراً عمم على المسلسلات الغير سعودية حيث اشترط شراء هذه الأعمال بوجود ممثل سعودي فيها، ورغم حسن نية الوزارة في هذا القرار إلا أنهم في الحقيقة فتحوا المجال للتلاعب والتحايل على هذا الشرط من قبل بعض شركات الإنتاج المصرية فصنعوا خطاً في السيناريو للممثل السعودي يمكن إلغاؤه ببساطة حين عرض المسلسل على القنوات في الدول الأخرى، فقتل روح المحلية هنا، مما شكل دافعاً عندي وعند (القصبي) و(السدحان) و(الحمود) والمنتجين (ماضي الماضي) و(خالد المسيند) في تشكيل فريق يكتب العمل ويخرجه ويمثل فيه من دون الاستعانة بالأجانب وكان نوعاً من الحماس والوطنية يجبرنا على إثبات وجودنا في الساحة الدرامية على المستوى العربي بشكل عام والمحلي بشكل خاص، وقد وفقنا في ذلك أيما توفيق.

@ إذن يمكن تسميتها بالفترة الذهبية؟

  • يمكن ذلك، المهم أنها كانت أياماً بسيطة وممتعة وكفى.

@ بعد تلك الفترة الذهبية بدأ الناس بربط (عبدالإله السناني) كثلاثي مكمل مع (السدحان) و(القصبي) بالإضافة ل(عامر الحمود) وتوقع الجميع أن تكون عنصراً أساسيا في (طاش) إلا أنك اختفيت فجأة من دون مقدمات، بعضهم أشاع أنك تبت وتركت الفن! وبعضهم قال أنك ذهبت لإكمال الدراسات العليا في الخارج، ما الذي حدث بالضبط؟

  • في الحقيقة كان زواجي هو السبب في ابتعادي عن (طاش)..

@ هل كانت هناك ضغوط من (أم العيال)؟

  • لا ليس كذلك، كل ما في الأمر أنني كنت أؤسس لبيت الزوجية وهذا يحتاج مني التفرغ والالتفات أكثر لتكوين أسرة، أضف لذلك أنه قبل الزواج اضطررت إلى السفر لأمريكا لإكمال الدراسات العليا، وكان رجوعي للسعودية لأستقر عائلياً وإكمال الدراسة هنا في السعودية..

@ ألم يعرض (السدحان) و(القصبي) عليك بأن تكون ثالثهما في (طاش)؟

  • بلى وعرضوا علي أن أكون رئيسياً مثلهما في المسلسل، ولكن كما قلت لك الظروف لم تسعفني.

@ ألم تندم على عدم المشاركة وخاصة بعد نجاح (طاش) محلياً وعربياً؟

  • على العكس من ذلك، استغللت فترة الهدوء هذه لإعادة النظر في الماضي وتقييم ما قدمته وتصحيح الأخطاء ومعالجة العيوب، لذا لم أندم بتاتاً على ذلك الرفض.

@ وماذا عن المسرح في تلك الفترة؟

  • قدمت مع بكر الشدي رحمه الله مسرحية (للسعوديين فقط) وكانت في عام 1994م على ما أظن، تلك المسرحية صنعت أصداء واسعة في المجتمع السعودي والذي لامست فيه المسرحية مشكلة السعودة وطرحته بشكل صريح وجريء بحثاً عن حل للبطالة التي بدأت تظهر بوادرها في ذلك الوقت، في العام الذي يليه رشحني الأمير (فيصل بن فهد) رحمه للمشاركة في المسرحية التي تميزت باختيار نجوم المسرح العربي وتقديم مسرحية عنوانها (واقدساه) عرضت في القاهرة ولمدة شهر كامل ثم عرضت في افتتاح مهرجان المسرح العربي بدمشق وعدد من عواصم الدول العربية.

@ علاقتك مع المسرح تجاوزت العقدين ما هي التجربة التي تعتبرها الأميز في هذه المسيرة؟

  • مسرحية المئوية لكاتبها الأمير بدر بن عبد المحسن والتي أديتها أمام خادم الحرمين الشريفين الملك (عبد الله بن عبد العزيز) حينما كان ولياً للعهد في ذلك الوقت، تلك التجربة أثرت بشكل كبير في فكري الفني، وذلك لقوة الاستعدادات لهذه المسرحية والجدية في ظهورها بالشكل الأفضل فقد تدربت على ركوب الخيل لمدة شهر كامل وكيفية النزول منه بسلاسة والصعود عليه بسرعة، وكان مخرج المسرحية هو مخرج المسرح الملكي البريطاني مما ساهم في إضفاء روح جديدة على العمل، والمسرحية أبهرت الجمهور وما زلت حتى الآن رغم مرور تسع سنوات على هذا العمل أسمع عبارات الثناء على هذه المسرحية التي جمعت بين روعة النص وجودة الإخراج وإبداع الممثلين.

@ ومتى رجعت إلى الشاشة؟

  • كانت لي مشاركات كضيف شرف في مسلسل (طاش)، إلا أن العودة القوية كانت من خلال مسلسل (دعاة على أبواب جهنم) والذي عرض على قناة أبو ظبي في رمضان عام 1426ه، والذي حصل على جائزة أفضل مسلسل عربي حكومي في مهرجان (أبو ظبي) وفزت فيه أيضاً بجائزة أفضل ممثل وقد كرمت من قبل ولي عهد أبو ظبي الشيخ (محمد بن زايد آل نهيان) وهذا الفوز هو الذي أهلني للتمثيل في الفيلم السينمائي (أحلام عطيل) حيث كان المخرج (محمد مفتاح) متواجداً في المهرجان نفسه وهو الذي رشحني للدور بعدما رأى أنني أمتلك الوجه المناسب للتعبير عن الشخصية المرسومة في الفيلم.

@ إذن هذا هو عملك القادم؟

  • نعم، وأعتبر هذا المشروع خطوة مهمة للممثل السعودي بشكل عام ولي أنا على وجه الخصوص.

@ ختاماً هناك سؤال طرحه العديد من القراء، هل بينك وبين الممثل (عبد الله السناني) قرابة؟

  • مبتسماً أجاب: لا ليست بيني وبينه أية قرابة، لكن الصلة التي بيننا هي صلة الفن والتقدير والمحبة المتبادلة.