ما أن تطأ قدماك ميدان "تيان آن من" وتنظر شمالاً حتى يلفت نظرك ذلك السور العظيم المزخرف الطويل والطوابير المتعددة التي تقف عند بوابته فقيمة تذكرة الدخول من خلال بوابة السور لا تتجاوز 20ريالاً ولكن المتعة والمعلومات لا تقدر بثمن داخل ذلك السور، فهو السور الذي يحيط بمدينة الأباطرة والملوك الصينيين التي حُرمت على الشعب لفترات طويلة من الزمن فسميت بالمدينة المحرمة وكانت من قبل تسمى القصر الإمبراطوري وكانت مقر إقامة الأباطرة من أسرتي "مينغ" ثم "تشينغ". وتشتهر ب "المدينة المحرمة". وقد استغرق تشييدها 14سنة (1406- 1420م). وتعتبر أكبر مجموعة من القصور القديمة المحفوظة في الصين.

ففي كل يوم يتوافد الآلاف من جميع أنحاء العالم ليطلعوا على حقبة من حقب التاريخ حُرِّمت على عامة الناس لسنوات طويلة فيها من الفنون ما يعجب أن يتصوره البشر أن يكون في تلك الأزمنة التي خلت من التقنية وكانت اليد لها كلمتها.

فهذه جيان مي تتقدم لكل من يقترب من بوابة الدخول لتعرض نفسها للترجمة في الجولة السياحية داخل المدينة المحرمة التي لن يستطيع إن يفك ألغازها الإنسان العادي تكلفة الجولة السياحية 20ريالا وتكلفة الدليل السياحي والترجمة 20ريالا أخرى تعيش خلال الجولة عالما من الخيال والإبداع فن المعمار وفن الخطوط وفن الزخرفة والبناء والطبيعة الخلابة داخل المدينة.

وما أن تتوسط المدينة حتى يستقبلك مركز المعلومات الذي يباع فيه دليل المدينة المحرمة في كتب ودليل مسموع يؤجر ويعاد عند الخروج من بوابة الخروج.

ولقد صنفته منظمة اليونسكو ضمن التراث الثقافي العالمي. حيث يعتبر من أهم الأماكن السياحية في الصين ومحطة من محطات محبي التراث والحضارات.ففي القصر الإمبراطوري يوجد حوالي مليون قطعة من التحف الفنية النادرة. وأصبح اليوم متحفا شاملا يجمع بين الفنون المعمارية القديمة والآثار الإمبراطورية والفنون القديمة المختلفة.

وتجري حالياً عملية تجديد للمدينة ومن المتوقع الانتهاء من عملية التجديد في 2020، حيث سيجرى الاحتفال بمرور 600سنة على تأسيس المدينة المحرمة. كما ان عمليات التجديد هي جزء من عمليات تطوير تنفذها السلطات الصينية في بكين قبل عقد دورة الألعاب الاولمبية في عام 2008.فعدد من الأماكن التي تجذب أعدادا كبيرة من السياح الأجانب والمحليين تشهد عمليات تجديد، مثل المدينة المحرمة ومعبد السماء، وهي تكلف عشرات الملايين من الدولارات، بل انه يجري هدم العديد من الأحياء السكنية القديمة لإنشاء مشاريع إسكانية جديدة، ومن بين هذه الأحياء حي كيانمين القديم الذي يقع على بعد ميل واحد من المدينة المحرمة والذي كان محرماً على ساكني هذا المكان دخول المدينة المحرمة.

وقال جين ان برنامج التجديد، الذي بدأ في عام 2002، يتركز على الانتهاء من أكبر المباني قبل الدورة الاولمبية، وسيجري تجديد المدينة بأكملها في عام

2020.وأكد جين هونغ كيو نائب مدير متحف القصر وهو الاسم الرسمي للمدينة الإمبراطورية. أن 2000عامل تقريبا وحرفي يعملون في المشروع الحرفيين والعمال من الصينيين ولكنه ذكر ان خبراء عمليات الصيانة الأجانب يقدمون النصائح حول مشاريع معينة. فمجموعة من خبراء الصيانة الايطاليين يقدمون خبراتهم في عملية تجديد قاعة التناغم الأعظم.

وأضاف جين ان الترتيبات مع صندوق الصروح العالمية هو اول تعاون تشارك فيه مجموعة اميركية. وقد بدأ التعاون في عام 2003، عندما دفع الصندوق 3.3ملايين دولار لتجديد المبنى المعروف باسم دار كيان لونغ للتقاعد.

وفي مارس الماضي تم الإعلان عن اتفاقية موسعة قيمتها 15مليون دولار، من بينها 5ملايين دولار من الجانب الصيني، لتجديد 24مبنى وجميع ساحات حدائق كيان لونغ.

ففي أحد الايام الماضية اصطحب الصينيون مجموعة محدودة من الزوار لزيارة الجناح الخاص للامبراطور بيوي آخر أباطرة الصين الذي طرد من المدينة المحرمة عام 1924م والذي كان يستخدم كمخازن. وكان كيان لونغ الامبراطور الخامس في اسرة كينغ، قد حكم منذ 1735حتى 1796، ثم استمر وجوده وراء الستار حتى موته بعد ثلاث سنوات، وكان مشهورا برعايته للفنون وإقراض الشعر ومهتم بأعمال السيراميك. وفي السبعينات من القرن الثامن عشر استخدم آلافاً من الحرفيين الصينيين والأجانب لتشييد مجموعة المباني والحدائق المخصصة لتقاعده.

لم تدرك أسرتا منغ وشينغ اللتان حكمتا الصين في القرن ال 15الميلادي أن قصورهم الفخمة والتي شارك في تشييدها مليون عامل والمعروفة بالمدينة المحرمة وسط بكين ستكون يوما من الأيام مستباحة للسياح بعد أن كانت محرمة على الشعب الصيني حتى إن ما في داخلها ظل مجهولا بل مادة للخرافات والقصص والتأويلات إلى العام 1925عندما فتحت أمام الجمهور لأول مرة.

وتحتل المدينة المحرمة مساحة تقارب 720.000م*. ويبلغ طولها من الجنوب إلى الشمال 960م وعرضها من الشرق إلى الغرب 750م. ويصل إجمالي مساحة مبانيها إلى أكثر من 150.000م2، يضم المجمع أكثر من 800مبنى وحوالي 8700غرفة.

يحيط بالمدينة المحرمة سور يبلغ ارتفاعه 10م، ويوجد خارج هذا السور نهر اصطناعي يبلغ عرضه 52م ويسمى "نهر هو تشنغ" أي نهر الدفاع عن المدينة. وعلى كل ركن من أركان السور المحيط بالمدينة المحرمة مقصورة جميلة ورائعة. وكانت هياكل هذه المقصورات معقدة للغاية. ويصفها الناس بأنها مكونة من تسع دعامات وثمانية عشر عمودا واثنتين وسبعين دعامة فرعية.

وقد تعاقب على "المدينة المحرمة" 42إمبراطورا (في عهدي أسرتي مينغ وتشينغ)، وسيطر هؤلاء الحكام على الصين لمدة 491سنة.

وأطاحت ثورة عام 1911م بحكم أسرة "تشينغ"، وحسب الاتفاقية "التفضيلية لعائلة تشينغ الملكية" التي وقعتها الحكومة الوطنية وديوان أسرة تشينغ، تم السماح للإمبراطور الأخير "بو يي" بالإقامة في الجزء الداخلي من القصر الإمبراطوري.

في عام 1914، أصبح الجزء الأمامي من القصر الإمبراطوري مفتوحا أمام الجماهير. وفي عام 1924م طرد آخر الأباطرة "بو يي" من القصر الإمبراطوري نهائيا. ثم فتح الجزء الداخلي للجماهير عام 1925م، وتمت تسميته ب"متحف القصر الإمبراطوري "، ثم وفي عام 1947م، دمج الجزءان الأمامي والداخلي تحت نفس المسمى دائما "متحف القصر الإمبراطوري".

وبعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، ظل الحزب والحكومة الصينية يهتمان بمتحف القصر الإمبراطوري، ويرصد كل سنة مبلغا خاصا لإصلاحه وإعادة ترميمه. وفي عام 1961، صنفه مجلس الدولة الصيني وحدة أثرية محمية هامة على مستوى البلاد كدفعة أولى. وأدرج في قائمة التراث الثقافي التي حددتها منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة عام 1987م.

وتنقسم المدينة المحرمة الى جزءين فالجزء الأمامي مكانا يقيم فيه الإمبراطور وتقام فيه المراسم الضخمة. وتتوسطه ثلاثة أجنحة وهي تاي خه وجونغ خه وباو خه الواقعة على الخط الوسط. والجزء الداخلي هو مكان يمارس فيه الإمبراطور أعماله اليومية، كما يقيم فيه الإمبراطور وعائلته. وتوجد فيه أجنحة تشيان تشينغ وجياو تاي وكون نينغ والأجنحة الستة الشرقية والأجنحة الستة الغربية وعمارات أخرى.

ويطغى على القصور والمباني الأخرى الملحقة بها اللونان الأصفر والأحمر اللذان يحتلان مساحة كبيرة في الثقافة الصينية لأن الأول ارتبط بالأسر الحاكمة التي احتكرته لنفسها وغير مسموح للعامة باستخدامه بينما يمثل الأحمر لونا للبركة.

وتفصل بين القصور المتراصة في شكل سلسلة وكلها تفتح في اتجاه الجنوب كما هو سائد في الثقافة الصينية منذ القدم، ساحات تتسع للآلاف تستخدم عادة للعروض العسكرية والمهرجانات الإمبراطورية. كما شيدت منازل على أطراف سور المدينة الذي يبلغ ارتفاعه عشرة أمتار ويقال إنها كانت مخصصة للصف الثاني من أمراء الأسرة الحاكمة.

كما خصت قاعة بأحد القصور سميت "قاعة ضبط الانسجام" لتكون مكانا لاختبار العلماء الذين يرغب الإمبراطور في تعيينهم لشغل مناصب في حكومته.

وتنتشر في ساحات القصور فوانيس ضخمة مصنوعة من النحاس لتوفير الإضاءة بينما نصبت ساعات قديمة تعتمد على حركة الشمس لحساب التوقيت.

وفي الجانب الخلفي للقصور من الجهة الشمالية صممت حديقة فخمة يتوسطها جبل اصطناعي ارتفاعه عشرة أمتار اتخذت حجارته أشكالا هندسية تماثل اللوحات التشكيلية تتدفق عليه المياه من فتحات بشكل فم تنين.

ولم تكن القوانين الإمبراطورية تسمح للأمراء والأميرات بالخروج من المدينة والاختلاط بعامة الشعب، وهي سياسة خلقت حاجزا بين الحاكم والمحكومين، وأسهمت فيما بعد مع عوامل أخرى في إضعاف حكم الأسر وانهياره في نهاية المطاف.

وللمحافظة على هوية المدينة المحرمة تاريخيا قامت الحكمة الصينية بإغلاق مقهى ستاربكس الامريكي في المدينة المحرمة مقر القصر الامبراطوري السابق في قلب بكين بعد أعوام من الجدل بشأن موقعه.

وانطلقت حملة للدعوة لإغلاقه مع بداية العام الجاري بعد أن شكا مذيع تلفزيوني من أن وجود المقهى الأمريكي داخل أحد رموز الصين يعد تعديا على الحضارة الصينية. فبعد أن افتتح المقهى أثار عاصفة من الاستياء في الصين دفعت مسئولي المتحف في المدينة المحرمة للتفكير في الغاء الترخيص الممنوح للمقهى بعد شهرين من افتتاحه واستبدل مكانه بمحل للتحف والهدايا.