منذ العام 1926م إلى نهاية الثمانينات الميلادية أثر في مسيرة علاقات البلدين البعد الاستراتيجي الدولي، والتوجهات الأيديولوجية للبلدين، حتى أفضى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بمبادرة من الجانب السوفيتي، ثم عاش البلدان مرحلة الحرب الباردة التي خلقت مناطق نفور بين البلدين كان آخرها التدخل السوفيتي في أفغانستان، وعاد شيء من دفء العلاقات بعد الموقف السوفيتي الايجابي من حرب العراق الأولى في العام 1991م، وما تلا ذلك من لقاءات على مستوى وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل مع قيادات الكرملين حتى عادت مجدداً العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وموسكو في العام 1991م، وتم تبادل التمثيل الدبلوماسي.

والحدث الأكبر في العلاقات المعاصرة بين الرياض وموسكو هو زيارة الملك عبدالله بن عبدالعزيز (ولي العهد آنذاك) إلى موسكو في سبتمر 2003م، وتفاعلت بدرجة كبيرة العلاقات السعودية - الروسية، وساعد في ذلك كنتيجة مهمة لهذه الزيارة الدعوة طرح فكرة انضمام روسيا الاتحادية إلى منظمة المؤتمر الإسلامي (عضو مراقب) وتم اتخاد القرار في الدورة الثانية والعشرين لوزراء خارجية الدول في منظمة المؤتمر الإسلامي، في 30يونيو 2005م في العاصمة اليمنية (صنعاء) وهذا توجه استراتيجي حيث يظهر النهج الجديد لموسكو في الشؤون الدولية، ويعكس المتغيرات الجديدة في الوضع الدولي، بما فيها توزع القوى في العالم). وبرأي بوبوف الوزير المفوض للمهمات الخاصة للرئيس بوتين - سابقا، فقد ظهر "توجه جديد" للسياسة الروسية "مقياسها الإسلامي" لاعتبار "دور وثقل الدول الإسلامية" وتعاظم هذا الدور في العالم المعاصر بشكل مستمر.

وفي فبراير 2005م، وبمبادرة من المملكة العربية السعودية، عقد في الرياض المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب، شارك فيه ممثلون عن 51دولة في العالم وكانت روسيا أحد المشاركين في هذا المؤتمر، حيث ترأس وفدها سافونوف سفير المهام الخاصة، والممثل الخاص لرئيس روسيا لشؤون التعاون الدولي في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وراء الحدود القومية، وشددت المملكة في خطابها على التنافر المبدئى بين الإسلام والإرهاب (الفكرة التي أصبحت أساسية في المملكة بعد أحداث 11سبتمبر 1001م) وفي المقابل طرح الوفد الروسي إلى المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب رؤيته الخاصة بشأن مشكلة الإرهاب، المنبعثة من فكرة أن "الإرهاب العالمي لا يهدد المصالح القومية لروسيا فحسب، بل إنه أصبح أكثر تحديات البشرية خطورة على أعتاب الألفية الجديدة"، وأن تنامي التهديد الإرهابي مرتبط بالعملية الحثيثة للعولمة، التي تعزز التوتر في مناطق العالم، التي لم يتم بعد إيجاد حلول لحالات النزاع القائمة فيها أصلاً، علاوة على ذلك، إن عملية "العولمة الحثيثة تولد تنافراً في المصالح الاقتصادية، والجوانب العرقية، والفكرية". وإن التنظيمات الإرهابية اتجاهاتها الدينية والسياسية "مبنية على مصالح اقتصادية إجرامية، تمتلك تنظيماً معقداً، وأفكاراً عقائدية حاذقة". إضافة إلى ذلك، فمعظمها "مرتبطة بتجارة المخدرات والسلاح، وكذلك "غسيل" الأموال. مما يستلزم توحيد الجهود لإنهاء الخطر الإرهابي، والعمل من أجل التقارب بين الدول، وتنسيق جهودها من أجل بناء عالم مبني على القيم والمعايير المتعارف عليها من قبل الجميع، وهذا التوجه يلتقي في كثير من جوانبه مع الموقف السعودي، بمعنى تقارب وجهات النظر السعودية - الروسية، بل تكاد تتطابق وجهتا نظر كل من المملكة العربية السعودية وروسيا فيما يتعلق بماهية الإرهاب، وسبل مواجهة هذه الظاهرة.

وفي 7- 8ديسمبر 2005م عقدت في مكة المكرمة القمة الاستثنائية الثالثة لرؤساء بلدان وحكومات دول منظمة المؤتمر الإسلامي، وشاركت فيها 75دولة، وخمس دول بصفة مراقبين، بما فيها روسيا، التي مثلها وفد برئاسة الممثل الحالي الدائم لرئيس روسيا الاتحادية لشؤون منطقة الشرق الأقصى ايسحاقوف، وفي خطاب خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، قال: "ونحن نجتمع هنا نستذكر تلك الحقبة التي انطلقت فيها دعوة الإسلام معلنة وحدانية الخالق، ومنهية لعبودية الإنسان للإنسان، ومؤكدة لمبادئ المساواة والحق والعدل. ونستذكر أن هذه الدعوة، وخلال قرن واحد فقط، تمكنت من الوصول إلى مشارق الأرض ومغاربها ليس بقوة السيف... وإنما بالمثل الصالح والقدوة الحسنة. ومنذ ذلك الحين أصبحت الحضارة الإسلامية منارة أغنت اشعاعاتها الحضارات الأخرى بروح التسامح والإنصاف، وانجازات المسلمين في مجال الفقه، والفكر السامي، والعلم، والأدب، وبفضل هذه الانجازات تمكن الغرب من الخروج من القرون الوسطى إلى عصر النهضة".

ويتضح من خطاب خادم الحرمين، وبشكل جلي، سعيه إلى التأكيد على الاعتماد المتبادل للتطور اللاحق للعالم المعاصر، حيث تطورت هذه الفكرة لاحقاً في خطابه، إذ قال: "يدمى قلب المؤمن وهو يرى كيف انحدرت أفكار هذه الحضارة المجيدة... واختطفتها عصابات تفسد في الأرض، وتدمر كل ما هو حي عليها... إلا أنني على ثقة من أننا سنتمكن من إنهاء عهد الفرقة والشتات والضعف، وننتقل إلى عهد جديد، عهد الوحدة والقوة والعزة". وتمثلت الوثيقة الأهم لهذه القمة في بلاغ مكة، الذي شارك ممثلو روسيا الاتحادية وبشكل نشط، في صياغة فقراته. والفكرة الغالبة على نص هذا البلاغ هي ضرورة قطع العلاقة بين الإرهاب الملصق بالدين والدين نفسه. وما أقلق أصحاب بلاغ مكة ليس فقط "مستقبل الأمة الإسلامية" وإنما، في المقام الأول ذلك "المأزق" الذي تعيش فيه هذه "الأمة" والذي يؤثر سلباً على مستقبل البشرية والحضارة الإنسانية". لذا تم التأكيد على أن المجتمع العربي الإسلامي "يحتاج إلى الإصلاح" الذي يستلزم بدوره تنسيق العلاقات بين "العالم الإسلامي" و"المجتمع الدولي"، واستبعاد احتمال أية "حروب بين الحضارات"، "يمكن أن يولدها الإرهاب العالمي". وتتاطبق هذه الفقرة من بلاغ مكة، وبشكل تام، مع التوجهات الروسية إلى مسألة التعايش السلمي لممثلي المجموعات الدينية المختلفة (الأرثوذكس والمسلمين بالدرجة الأولى) على أراضي روسيا الاتحادية.

لقد تطلب التقارب اللاحق بين السعودية وروسيا إلى عوامل مساعدة اضافية، بجانب العامل الرئيس المتمثل في زيارة الملك عبدالله بن عبدالعزيز لموسكو. وتمثل العامل الآخر في زيارة الرد التي قام بها في فبراير 2007م، إلى الرياض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وما حظيت به الزيارة من اهتمام الأوساط السياسية والاقتصادية السعودية، وتجسد ذلك "الاهتمام"، في النظر إلى الزيارة كونها "للمرة الأولى، ولأكثر من ثمانين عاماً من تاريخ العلاقات الثنائية يزور المملكة رئيس الدولة الروسية والذي يسعى إلى تعزيز العلاقات مع البلدان العربية والإسلامية، وتعتبر المملكة العربية السعودية من أهمها، ومن المهم هنا من الجانب السعودي، التأكيد على أن زيارة بوتين هي "زيارة رد"، وأن زيارة الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى موسكو "وضعت الأساس لشراكة استراتيجية" بين البلدين و"ساعدت التحرك اللاحق للعلاقات السعودية الروسية في مجالات السياسة، والاقتصاد، والثقافة، والتعليم". وبالاضافة إلى ذلك، تتمثل أهمية زيارة بوتين في أن الطرفين حققا درجة جيدة من التفاهم بشأن كثير من القضايا الدولية والاقليمية، وينعكس ذلك في التأييد الروسي في مشروع السلام الذي طرحه الملك عبدالله في مارس 2002م، في قمة بيروت لجامعة الدول العربية والتأييد الروسي لهذه المبادرة أكد على أن المبادرة تتضمن حلاً سياسياً مقبولاً، ومخرجاً من الأزمة بوجود دولتين معترف بهما دولياً - فلسطين وإسرائيل". إلا انه بالاضافة إلى ذلك رأوا تغيرات هامة أخرى في الموقف الروسي - "رؤية موسكو الأكثر ايجابية، قبل كل شيء، تجاه القضية الفلسطينية، وكذلك تفهمها لعدالة الآمال العربية". وبعبارة أخرى، اهتمت العاصمة السعودية بما يحدث في روسيا من تحول عن الحالة التي سادت في فترة "الحرب الباردة"، حيث كانت موسكو آنذاك قريبة جداً من القضايا العربية عامة، والقضية الفلسطينية على وجه الخصوص".

و"التحول" الجاري في موسكو كان بمثابة دافع ايجابي لتوجه الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى التقارب مع موسكو. حيث كانت المملكة "من أولى الدول التي أيدت المبادرة الروسية للانضمام إلى منظمة المؤتمر الإسلامي بصفة مراقب، ولعبت الدور الحاسم في اتخاذ القرار الايجابي بهذا الشأن"، فبفضل المساندة السعودية "شاركت روسيا للمرة الأولى، بهذه الصفة، في أعمال الدورة الاستثنائية لمنظمة المؤتمر الإسلامي، المنعقدة في مكة 7- 8ديسمبر

2005.كذلك، جرى الحديث عشية زيارة بوتين إلى الرياض عن العنصر الاقتصادي للعلاقات السعودية - الروسية الذي "لم يتقدم بالشكل الكافي" ومنذ زيارة الملك عبدالله لموسكو، ظهرت أدوات (مختلف اللجان الاقتصادية السعودية - الروسية المشتركة، وكذلك مجلس الأعمال السعودي - الروسي والتي يمكن للبلدين، الاعتماد عليها، لتطوير علاقاتهما الاقتصادية المثمرة. ولايزال المستوى الراهن للعلاقات الاقتصادية السعودية الروسية في بداية مرحلة تشكلها. وقبيل زيارة بوتين إلى المملكة برز التفاؤل بأن هذه الزيارة ستشكل "دفعة قوية" لترسيخ العلاقات الاقتصادية، التي سيجريها "أعضاء الوفد الروسي، والخبراء الاقتصاديون ورجال الأعمال" خلال زيارة الرئيس الروسي.

وفي زيارة بوتين إلى المملكة العربية السعودية في المدة 11- 12فبراير 2007م، وقع الجانبان مجموعة من الوثائق الهامة لتطوير العلاقات الثنائية، من بينها اتفاقية (إلغاء الازدواج الضريبي، ومذكرة تفاهم وتعاون في المجال الثقافي، ومذكرة تفاهم وتعاون بين البنك الاقتصادي الخارجي والبنك الروسي الاقتصادي من جانب وصندوق التنمية السعودي، واتفاقية حول تعاون بين وكالة الأنباء السعودية ووكالة أنباء "ريا نوفوستي" وكذلك اتفاقية بين الحكومتين حول النقل الجوي. وخلال الزيارة التقى الرئيس الروسي مع الأمير سلطان بن عبدالعزيز ولي العهد، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الدفاع والطيران والمفتش العام، وخلال هذا اللقاء ناقش الأمير سلطان وبوتين "المستجدات على المستويين الاقليمي والدولي، ولاسيما القضية الفلسطينية والوضع في العراق، فضلاً عن آفاق التعاون بين البلدين الصديقين.

@ دكتوراه الدولة في العلوم

السياسية - جامعة موسكو

Majedat@gmail.com