رجل في العقد السادس من العمر متعاف ولا يشكو من أي أعراض بولية او سريرية مدمن على التدخين على مدى 40سنة تقريباً بمعدل 20سيجارة يومياً. تاريخه الطبي يشير الى إصابته بارتفاع الضغط الدموي وداء السكري المتجاوبين للعلاج الدوائي. خلال فحصه الروتيني السنوي اكتشف لديه بيلة دموية مجهرية مع عدم وجود أية بيلة بروتينية او اسطوانات دموية. بعد طمأنته نصحه طبيبه أن يعيد تحليل البول المجهري بعد بضعة أسابيع، فارتاح المريض ولم يتقيد بالتعليمات الطبية ولم يجر تحليل البول إلا بعد بضعة أشهر الذي أظهر مجدداً بيلة دموية مجهرية، فحوله طبيبه الى أخصائي جراحة مسالك بولية وتناسلية للتشخيص.

تمثل تلك الحالة نموذجاً لآلاف من حالات البيلة الدموية المجهرية التي قد لا تعبر عن أية آفة في الكلى أو المجاري البولية أحياناً أو التي قد تعكس تواجد سرطان في الكلية او المثانة او أمراض أخرى خطيرة ومميتة اذا لم تشخص في أوائل مراحلها ويتم علاجها بدون أية مماطلة.

ان تعريف البيلة الدموية المجهرية يرتكز على اكتشاف 3كريات حمراء على الأقل في البول بالتحليل المجهري ذاتي المقدار العالي High power field HDF رغم ان معظم الأطباء يعتمدون ربما خطأً على تغير لون شريط الغمس Dipstick الذي قد يشير الى وجود دم في البول رغم ان هذا التحليل يفتقد الحساسية العالية في التشخيص لأنه قد يكون إيجابياً أحياناً في حال وجود بيلة هيموغلوبينية او ميوغلوبينية بدون ظهور أي دم او كريات حمراء في البول وقد يكون إيجابياً في حال وجود كرية واحدة او اثنتين في البول في الأحوال الطبيعية مما يؤكد وجوب تحليل البول مجهرياً لإثبات التشخيص وذلك مرتين على الأقل. وأما بالنسبة الى معدل انتشار تلك الحالة عالمياً فإنه يختلف من دولة الى أخرى وحسب سن المرضى وجنسهم وتاريخهم الطبي وإدمانهم على التدخين وغيرها من العوامل التي سنناقشها لاحقاً. وقد تراوح هذا المعدل حسب تواجد بيلة دموية مستمرة او عابرة مع حصولها لمرة واحدة فقط ما بين 0.18و39% في مختلف الاختبارات مع التشدد حول احتمال حصول بيلة دموية مجهرية عابرة بعد التمرين الرياضي والمجانسة والرض الخفيف والحيض وجفاف الجسم الذي لا يعبر عن وجود أي مرض أو آفة في المجاري البولية او الكلى.

الكبيبة المنشأ

وأما أسباب البيلة الدموية المجهرية فيمكن تصنيفها الى فئتين أولها البيلة الدموية الكبيبة المنشأ Glomerular والتي تترافق عادة مع البيلة البروتينية وتواجد الاسطوانات الدموية RBC Casts في البول والتي تمثل اصابة الكلى باعتلال كلوي فئة IGA أو بيلة عائلية حميدة أو التهاب الكلية المزمن مع فقدان السمع (تناذر ألبورث) او رقاقة غشاوة قاعدة الكبيبات او التهاب كبيبات الكلى المحصور. وتلك الحالات تعالج من قبل اخصائي أمراض الكلى. واما الفئة الثانية غير الكبيبية فانها تشمل العديد من الأمراض أبرزها حسب سن المريض حصيات الكلى والجهاز البولي، سرطان الكلية، التهاب حديضة الكلية، الكلية المتعددة الكيسات، الكلية المصيبة باللب الاسفنجي، فرط إفراز الكلسيوم وحمض اليوريك في البول، رض الكلية والتخر الحليمي، تضيق الحالب وموه الكلية والاصابة بالدرن أو السل أو بنقص المناعة المكتسب اوا الايدز والاحتشاء الكلوي او فقر الدم المنجلي. واما بالنسبة الى آفات الجهاز البولي التي قد تسبب البيلة الدموية المجهرية فانها تشمل التهاب المثانة والبروستاتا والاحليل وسرطان البروستاتا او المثانة وتضيق الاحليل والصماخ والالتهاب البلهارزي. وفي بعض الحالات قد تعود اسباب البيلة الدموية الى الرياضة او فرط مضاد التخثر او لإسباب مجهولة او نتيجة اسباب مصطنعة كإدخال مواد في الإحليل او المثانة من قبل المريض.

الوسائل التشخيصية

ومن الأهمية القصوى تحديد سبب البيلة الدموية ومصدرها لاستثناء امراض خطيرة قد تسبب مضاعفات وخيمة واحياناً مميتة اذا لم تشخص بسرعة وتعالج في أول مراحلها للتمكن من وضع حد لها. ومن أبرز الوسائل التشخيصية تحليل البول المجهري مرتين على الأقل لإثبات وجود أكثر من 3كريات حمراء اذا ما فحص تحت المجهر ذات المقدار العالي HPF والذي قد يحدد موقع الآفات لاسيما أن شكل الكريات الحمراء وتشوهها وتواجد اسطوانات دموية وبيلة بروتينية يؤكد خصوصاً في حال تشخيص فشل كلوي بناءً على تحليل الكرياتينين في الدم على اصابة المريض بآفات في كبيبات الكلية الذي لا يتطلب اية تحاليل او اشعة اضافية بل يستوجب احالة المريض الى اخصائي الأمراض الكلى للمعاينة والمعالجة. واما في الحالات الباقية، لاسيما اذا اكتشف اكثر من 3كريات حمراء غير مشوهة في البول مع غياب البيلة البروتينية او الفشل الكلويى حسب تحليل تصفية الكرياتينين البولية، فتعتمد التحاليل والفحوصات الاضافية على عدة عوامل أبرزها سن المريض وتاريخه الطبي وإدمانه على التدخين وعرضه لبعض السموم أثناء وظيفته كالعمل في مصنع دباغة الجلود او الصباغ او المطاط او اطار العجلة المطاطي التي قد تسبب اصابته بسرطان المثانة. ففي تلك الحالات خصوصاً اذا ما تجاوز المريض 50سنة من العمر واذا ما اشتكى من أعراض بولية كالالحاح بالتبول بسرعة وتكرار التبول نهاراً وليلاً أو في حال حصل نزيف ظاهري في البول يجب إجراء أشعة مقطعية مع الصبغة وتحليل البول النسيجي لاكتشاف خلايا سرطانية فيه وتنظير المثانة وأخذ خزعات من أية مواقع مشبوهة داخلها حيث أنه كما أظهرت الاختبارات العالمية حول تلك الحالات يمكن تشخيص سرطان في الكلية او المثانة أو البروستاتا بنسبة 5% الى 10% عند الرجال. واما بالنسبة الى النساء وخصوصاً اذا لم تظهر التحاليل النسيجية للبول أية خلايا سرطانية اذا ما تم هذا التحليل على أو تبول في الصباح 3مرات متتالية فإن معدل فإن معدل تشخيص المثانة لا يتعدى حوالي 3.5% مما دعا بعض الاخصائيين عن الامتناع عن اجراء تنظير المثانة في تلك الحالات خصوصاً اذا لم يتعد سن المريض 50سنة. واما في الحالات التي تتميز بالبيلة المجهرية بدون أعراض بولية أو بيلة دموية ظاهرية عند الأشخاص الذين لم يتجاوزوا 50سنة من العمر اذا لم يكونوا مدمنين على التدخين فإن الوسائل التشخيصية تشمل التحاليل البولية والدموية والأشعة المقطعية والمتابعة فقط بدون الحاجة الى تنظير المثانة إلا في حال استمرار البيلة الدموية المجهرية لعدة أشهر أو سنوات أو في حال حصول نزيف بولي ظاهري او ظهور خلايا سرطانية في تحليل البول النسيجي. وفي حال عدم اكتشاف سبب البيلة الدموية المجهرية بالرغم من جميع التحاليل والفحوصات وتنظير المثانة الذي قد يحصل بنسبة 19% الى 68% من تلك الحالات فيتوجب عندئذِ متابعة المريض دورياً كل 6أشهر واعادة التحاليل البولية وأحياناً الأشعة والتنظير في حال الاشتباه، سريرياً بوجود آفات في الكلى او المجاري البولية لم تكن ظاهرة في الاختبارات الأولية.

والجدير بالذكر أنه بالرغم من الاعتقاد الخاطيء عند بعض الأطباء والمرضى أن استعمال مضادات التخثر قد يسبب بحد ذاته البيلة الدموية المجهرية فإن العديد من الاختبارات لم تثبت ذلك إلا في حال وجود آفات أو أمراض في الكلى او الجهاز البولي ونادراً في حال فرط استعمال مضادات التخثر بجرعات عالية جداً.