وأقول إن مؤسسة الفكر العربي التي ربانها الأمير متعدد المواهب خالد الفيصل هي تجسيد صادق لدعوة الأدباء والمثقفين، وهي مؤسسة واعدة، ولا أعرف أمراً تنموياً قال به الأمير خالد الفيصل إلا والنجاح والفلاح حليفه.

على مقربة من كاظمة المكان العربي المشهور في بر الكويت، التي يقول عنها الشاعر العربي:

ياحبذا البرق من أكناف كاظمة

يسعى على قصرات المرخ والعشر

لله در بيوت كان يعشقها

قلبي ويألفها إن طيبت بصري

أقول وأنا متأكد مما أقول أن الشعر العربي بنوعيه الفصيح والشعبي المليح استطاع أن يمتلك بيتاً من أجمل البيوت التي يحلم بها رفاقه من ضروب الأدب والفن. والشعر فن العرب الأول لا منازع ولا مقارع، وهو سجل ناصع لتاريخ العرب وتراثهم وبيئاتهم ولذا أطلق عليه: الشعر ديوان العرب. ونحن نلاحظ أن العرب في قديم أيامهم وحاضرها يهتمون بالشاعر أكثر من اهتمامهم بمختلف كتاب ومبدعي فنون الآداب الأخرى، وهو اهتمام تعدى مرحلة العدل والإنصاف بالنسبة لفنون الأدب والثقافة والفن.

ومن اهتمامهم بالشعر اخترعوا مسمى: مجموعات الشعر، وهي مجموعات، وإن شئت قلت دواوين، تجمع الشعر لعدد من الشعراء المبرزين، وقد انتشرت المجموعات عند العرب وتنوعت واتخذت كل مجموعة مسمى ليسهل التفريق والتعريف، ومن تلك المجموعات: المعلقات، والسبع الطوال، والسوط، والعشر الطوال، والمذهبات، والحوليات، والمفضليات، والأصمعيات، والحماسات، إلى غير ذلك من المسميات التي تدل على احتفاء العرب قاطبة بالشعر والشعراء.

ومع كل هذا فإن العرب في مختلف عصورهم ودولهم لم يبنوا للشعر بيتاً يأوي إليه، إلا منتديات موسمية في أسواقهم التجارية، ولعل أشهر بيت بني للشعر العربي في القديم هو القبة التي تضرب لأمير الشعر آنذاك ليحكم بين الشعراء ويميز قصائد الجياد منها ودون ذلك.

واليوم يقوم الوجيه والشاعر الأخ عبدالعزيز سعود البابطين ببناء بيت للشعر لا سابق له، ويطلق الأستاذ البابطين على بيت الشعر اسم: مكتبة البابطين المركزية للشعر العربي. وبهذا يحق للكويت أن تفخر أنها وطنت الشعر العربي على أديمها، ويحق لكاظمة أن تفخر أن الشعر العربي عرفها قديماً وهاهو يستقر فيها حديثاً.

يلخص الأستاذ البابطين في كلمته عند وضع حجر الأساس للمكتبة أن أهداف المشروع العملاق هي جعل الكويت مركزاً شعرياً يؤمه الشعراء والباحثون في الشعر، وتجميع شتات التراث الشعري بأنواعه، المطبوع منه والمخطوط، وبناء قواعد شعرية حديثة ليسهل عملية البحث والاسترجاع والفهرسة، وأيضاء بناء قواعد نقدية وتاريخية للشعر العربي من نواحي عديدة، وإنشاء مركز بحثي خاص بالشعر وتوثيقه ودراسته وتجلية مذاهبه، خاصة الشعر الشعبي الذي لم يظفر بما يستحق من عناية بحثية أو دراسية، والرعاية الحانية للشعراء العرب، وأخيراً ربط المكتبة بأهم دور العلم والمكتبات العربية والعالمية والمجامع اللغوية، وروابط الأدباء، واتحاد الكتاب، ومراكز الاستشراق. ذلك ما قاله الأستاذ البابطين عن أهداف المشروع العملاق. وهي ـ وأيم الحق ـ أهداف ينوء بها أولو العصبة، وأني لأشفق على أخي الأستاذ عبدالعزيز ومؤسسته الرائدة: مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري من ثقل المسؤولية وجسامتها.

ويقول أخي عبدالعزيز أيضاً أن المكتبة ستخدم العرب والناطقين بالعربية وهم جمع غفير يتجاوز مائتين وخمسة وسبعين مليوناً لهذا فإن المجموعات التي ستتوزع المكتبة هي عشرون مجموعة، وبمتوسط لا يقل عن 5000مجلد للمجموعة الواحدة. وبحسبة بسيطة سيبلغ إجمالي مقتنيات المكتبة مائة ألف مجلد، وهذا العدد سيزداد مع مرور السنين، ذلك أن خطة الأستاذ عبدالعزيز هو أن تنمو المكتبة بواقع 5000مجلد سنوياً.

وقد أعجبني ما أطلق عليه (المجموعات الشعرية العشرون) التي اقترحت لتتوزع جنبات المكتبة، وهي كما أحسبها: (1) مجموعة دواوين ودراسات الشعر العربي في العصر الجاهلي (2) مجموعة دواوين ودراسات الشعر العربي في عصر صدر الإسلام وبين أميه (3) مجموعة دواوين ودراسات الشعر العربي في العصر العباسي والفاطمي والأيوبي (4) مجموعة دواوين ودراسات الشعر العربي في الأندلس (5) مجموعة دواوين ودراسات الشعر العربي في العصر المملوكي والعثماني (6) مجموعة دواوين ودراسات الشعر العربي في منطقة الخليج والجزيرة العربية (7) مجموعة الشعر النبطي ودراسات التراث الشعبي ( 9) مجموعة المصادر والمراجع الرئيسية التي تتناول الشعر العربي تاريخياً ونقداً (10) مجموعات الدوريات الشعرية (11) الموسوعات والمعاجم الشعرية وكتب طبقات الشعراء والمختارات الشعرية (12) مجموعة الرسائل الجامعية في دراسات الشعر العربي ونقده وتحقيقه (13) مجموعة المخطوطات الشعرية (14) مجموعة كتب الشعر النادرة (15) مجموعة المكتبة السمعية للشعر العربي (16) مجموعة المكتبة المرئية للشعر العربي (17) اصدارات المجامع اللغوية والجامعات والمراكز الأكاديمية العربية والأجنبية (18) مجموعة الشعر العالمي لمشاهير الشعراء (19) مجموعة الأرشيف الصحفي عن الشعر والشعراء مثل الأفلام والصور والوثائق (20) مجموعة خاصة بما يكتب بغير العربية عن الشعر ونقده.

تلك إذن المجموعات، وفيها تداخل مخل، وفيها تكرار، وفوق هذا وذلك فإنه صعب وعسير توفير مواد وعناوين كافية تغطي كل المجموعات. وأقترح اعادة النظر في تسمية المجموعات. فأين الشعر في الإمارات العربية والفارسية التي قامت في المشرق الإسلامي وفي مغربة؟، وأرى حذف الخليج والاكتفاء بالجزيرة العربية فليس في الجزيرة العربية عدا اليمن إلا دول الخليج، فالعام أبلغ من الخاص.

وقفت على أرض المشروع العملاق ورأيت مدى اتساع الأرض المخصصة له حيث تبلغ المساحة حوالي 12ألف متر مربع، ويحيط بأرض المشروع أربعة شوارع رئيسة، وتجاور أرض المشروع مبانٍ حكومية ومؤسسية ومالية مهمة ما يعني أن المكتبة تحتل موقعاً فريداً واستراتيجياً. وتصميم المكتبة يمثل كتاباً مفتوحاً، وهو تصميم يمثل فلسفة معمارية تشع شعراً فصيحا وشعراً شعبياً. ويتكون المبنى من أربعة أدوار وقبو، وكل دور خصص لعناصر معينة.

هذا هو الأستاذ عبدالعزيز البابطين الذي ينتسب إلى أسرة البابطين المعروفة في روضة سدير، وهي أسرة منجبة، برز منها علماء وفقهاء وشعراء ورجال أعمال،. وكان الأخ عبدالعزيز وفياً للكويت، فقد سمعته يقول في خطابه الجميل في حفل وضع حجر الأساس لمكتبة البابطين للشعر العربي ما معناه: مشروع مكتبة البابطين المركزية للشعر العربي من أهم المشاريع الرائدة للإبداع الشعري، والمكتبة ذات تخصص نوعي، تقدم هدية للكويت بمناسبة اختيارها عاصمة للثقافة العربية عام 2001م. والمكتبة ليست ترفاً فكرياً، وإنما هي مشروع ثقافي تنموي في عصر العولمة وعصر ثورة المعلومات وعصر الانترنت.

وفاجأ الأخ عبدالعزيز الحضور بخبر سار وهو تبرع شقيقه الأستاذ عبدالكريم البابطين بمكتبته الخاصة للمشروع، البالغ عدد مجلداتها 100000مجلد، كلها من النوادر وأوائل المطبوعات، والتي قضى صاحبها في جمعها ثلاثين عاماً، وقال أنه خصص لتلك المكتبة دوراً كاملاً يحمل اسم المتبرع.

وعودة لعنوان هذا الحديث، وهو عنوان قصيدة طويلة للشاعر سمير فراج الذي ألقاها في الحفل أعجبني منها:

في الليل وحدك لا نجم ولا قمر

يا شعر صوتك مسكون بمن هجروا

فلا القلوب التي كانت لنا مدناً

تأوي إليها إذا أوى بنا السفر

كيف الوجوه التي تداعت في مخيلتي

ماعاد يلمسها سمع ولا بصر

ها قد رفعنا البيت الذي اتسعت

أركانه فهو بحر ملؤه الدرر

يابيت حسنك قد أعيا فصاحتنا

أين البلاغة والتخييل والصور

وقال الأديب التونسي عبدالسلام الصليع أن دولة الشعر لابد من قيادة لها، تجمع بين المال والفكر، وطالب أثرياء العرب المساهمة في تنمية الفكر والثقافة. وأقول أن مؤسسة الفكر العربي التي ربانها الأمير متعدد المواهب خالد الفيصل هي تجسيد صادق لدعوة الأدباء والمثقفين، وهي مؤسسة واعدة، ولا أعرف أمراً تنموياً قال به الأمير خالد الفيصل إلا والنجاح والفلاح حليفه. وأقول أيضا أن ديوان العرب وجد له بيتاً واسعاً في الكويت، ووجد له رباناً حاذقاً هو الأخ عبدالعزيز البابطين، فهنيئاً للشعر العربي به.. وهنيئاً للفكر العربي بخالد الفيصل وكوكبته المتميزة.

أنني أشكر الأخ عبدالعزيز البابطين على دعوته الكريمة، وحفاوته بالشعراء والمثقفين والأدباء العرب من المشرق والمغرب، وأشكره أيضا لعنايته الفكرية والمادية بديوان العرب،. وأقول له لعل بيت الشعر العربي في الكويت يجعل من أهدافه اعادة طبع دواوين الشعر العربي القديم التي نفدت ولم تعد متاحة لشبابنا وشاباتنا. وأقول له لعل بيت الشعر العربي في الكويت يتولى طبع الدواوين الشعرية للشباب التي سمعنا عنها كثيراً خلال الأسبوع الذي أقمناه في رحاب دولة الشعر العربي في الكويت، فقد تردد كثيراً مقولة: (له أو لها ديوان شعر أو اثنان أو ثلاثة مخطوطة) وكم يحز في النفس، ويوجع القلب، ويكدر الخاطر ألا يجد الشاعر أو الشاعرة سبيلاً لإخراج ونشر مكنونات صدره، ونفثات إلهامه. وهكذا عشنا أسبوعاً شعرياً قلما يتكرر. والله أعلم.