تميزت المدينة المنورة بجبالها المحيطة بها من مختلف الجهات والتي أغلبها تاريخية شهدت أحداثا منذ فجر الإسلام وأبرزها جبل أحد، وهو جبل كبير يقع شمالي المدينة المنورة وكان يبعد عنها ثلاثة أميال ونصف الميل، ولكن عمران المدينة اليوم أصبح متصلاً به ومحيطاً به من كل جوانبه، وبسفوحه توجد احياء حديثة بمراكزها الأمنية والصحية والتعليمية ومساجدها ذات المآذن العالية الجميلة.

وجبل أحد يمتد كسلسلة من الشرق إلى الغرب مع ميل نحو الشمال في الجهة الشمالية من المدينة المنورة ومعظم صخوره من الجرانيت الأحمر وأجزاء منه تميل ألوانها إلى الخضرة الداكنة والسواد وتتخللها تجويفات طبيعية تحتجز مياه الأمطار أغلب أيام السنة وتسمى تلك التجويفات (المهاريس) ويبلغ طول جبل أحد ما يقارب 7كلم وعرضه ما بين 2إلى 3كلم كيلومترات وارتفاع يصل إلى 350م.

وتنتشر على مقربة من جبل أحد عدة جبال صغيرة أهمها جبل ثور في شماله الغربي وجبل عينين في جنوبه الغربي ويمر عند قاعدته وادي قناة ويتجاوزه غربا ليصب في مجمع الأسيال.

الموقع والمعالم والحدود

يقع جبل أحد في منطقة إستراتيجية مهمة من المدينة المنورة فهو يشرف على التقاء أودية المدينة المنورة وواحاتها الخضراء ومن أهم المعالم التي تحد هذا الجبل من جهاته الأربعة من الشمال طريق الجامعات والمعروف بطريق غير المسلمين ويحجز هذا الطريق بينه وبين الجبل مساحات كبيرة من الأراضي البيضاء وبها بعض المنازل والمساكن الشعبية ومن الجنوب يحد الجبل الطريق الدائري الثاني الذي يعتبر من أجمل وأروع ما قامت به وزارة المواصلات في هذه المدينة الطيبة ويحجز هذا الطريق بينه وبين جبل أحد مساحة كبيرة تتمثل في وجود المناطق الحضرية والتاريخية لسيد الشهداء بما فيها من معالم وخصائص عديدة ويحد جبل أحد من الجهة الجنوبية بعض المزارع والبساتين وأما من الشرق فيحد الجبل طريق المطار وجبل تيأب ويحجز طريق المطار فيما بينه وبين الجبل منطقة عشوائية كبيرة تعرف بتلعة الهبوب.

ما ورد في تسمية أحد

ورد في تسمية أحد أقوال منها:

@ أنه سمي بأحد لتوحده عن الجبال لأنه محاط بالسهول والأودية.

@ أنه سمي باسم رجل من العمالقة اسمه أحد وهو أول من سكنه، وكما هو معروف فان العمالقة هم أقدم الأمم التي سكنت المدينة (يثرب آنذاك) فهم أول من زرع وحفر وبنى الآطام في المدينة.

@ وقيل أن اسمه يرمز إلى وحدانية الله تعالى وهذا السبب الثالث من أسباب التسمية.

الموقعة التاريخية

بعد أن هزم الله المشركين يوم بدر ظل الغيظ يتوقد في صدورهم واتفقوا على أن يغزوا الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين للثأر والانتقام لقتلاهم يوم بدر ورصدوا لذلك أرباح (عير) أبي سفيان التي نجت من المسلمين يوم بدر وقد وقعت غزوة أحد في السنة الثالثة للهجرة وكان ميدانها الساحة الممتدة ما بين قاعدة أحد الجنوبية الغربية وجبل عينين الذي يبعد عنه كيلو مترا واحدا تقريبا ويسمى أيضا جبل الرماة.

ويذكر التاريخ أن جيوش قريش وحلفاءها زحفت إلى المدينة وتصدى لهم المسلمون في هذا المكان ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم الرماة على جبل عينين وأوصاهم ألا يغادروه مهما كانت الظروف حتى يأتيهم أمره ودارت رحى المعركة ورجحت كفة المسلمين وبدأ المشركون بالهرب وظن معظم الرماة أن المعركة حسمت لصالح المسلمين فنزلوا من الجبل ولم يلتفتوا لنداءات أميرهم وتبعوا المشركين وبدأوا بجمع الغنائم وانتهز قائد فرسان المشركين آنذاك خالد بن الوليد ولم يكن قد أسلم بعد الفرصة والتف بفرسانه بسرعة من حول الجبل وفاجأوا بقية الرماة فقتلوهم ثم هاجموا المسلمين من خلفهم فتشتت صفوفهم واستشهد منهم أكثر من سبعين صحابي وكان منهم حمزة بن عبدالمطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فضائل جبل أحد

ورد في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أحد جبل يحبنا ونحبه) وهذا يعني أن الله خلق في هذا الجبل الجماد عاطفة المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما يخلق الكلام في الجوارح يوم القيامة فتنطق بما عملت بعد إنكار الكفار بأفواههم كما في قوله تعالى: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون) وكما خلق الكلام في الجبال مسبحة مع نبي الله داوود عليه السلام قال تعالى: (يا جبال أوبي معه والطير) وكون معنى يحبنا أي يحبنا أهله مجاز لا داعي له مع استقامة المعنى الحقيقي.

وورد في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا الحديث في رجوعه من غزوة خيبر وقيل في رجوعه من الحج حين بدا له أحد وكأنه يقول له لقد وصلت المدينة فدخل الفرح على النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى المدينة.

وورد في الأوسط للطبراني عن انس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أحد جبل يحبنا ونحبه فإذا جئتموه فكلوا من ثمره ولو من عضاهه) وورد في ابن شبة: (أحد على باب من أبواب الجنة فإذا مررتم به فكلوا من شجره ولو من عضاهه) وقال ابن شبة: إن زوجة أنس بن مالك وهي زينب بنت نبيط كانت ترسل ولائدها إلى أحد فيأتونها بشيء من نباته ولو من عضاهه، وكانت تعطي ولائدها منه قليلا قليلا.

أماكن أثرية

يوجد في أحد أماكن أثرية كالشهداء وهم سبعون شهيدا على الصحيح، وجبل الرماة وكان يسمى (عينين)، وشعب أحد وبه المهراس ومسجد الفسح، ووادي قناة وعلى عدوتها الشمالية الشهداء، ووادي الشظاة وهو جنوبي جبل الرماة على بعد رمية بسهم.

نباتات أحد

ومن النباتات المنتشرة في جبل أحد (لوز النبي) وهي من النباتات الصغيرة ذات الأوراق العريضة وأسمها العربي مصفوفة الأوراق وتنتمي إلى الفصيلة الصقلابية وكذلك نبات (الحميض) وله مذاق حامض خاصة زهوره ذات اللون الزهري الجميل وتنتمي إلى فصيلة البطباطية وأنواع أخرى من الأعشاب والنباتات كالشجيرات الشوكية المختلفة كالعوسج والسمر والسلم والسدر ومن الشجيرات العشبية كالمسيكة المعروفة بشجرة الريح والشكيرة المعروفة بالشكربل أو الربلة وشجرية أبو حاد والمعروفة بطرطر وهي شجرة ذات رائحة كريهة وعشبة شوكة العنب والمعروفة عند أهل المنطقة بشوكة الابل وهي شجيرة ذات أشواك طويلة وحادة ومن أهم الأعشاب الزاحفة الحنظل وهو نبات ذو ثمرة مرة جدا وله محاليق بالاضافة الى الكثير من النباتات والأعشاب.

الطريق إلى أحد

يعتبر الطريق إلى جبل أحد طريقاً قديماص وهو من أول الطرق والدروب القديمة التي وصلت بين ضاحية سيد الشهداء وبين المسجد النبوي الشريف ولا يتجاوز عرضه عن أربعة أمتار وقد كان هذا الطريق يستخدم للسير على الأقدام وخاصة وقت الزيارة وظل هكذا حتى بداية العهد السعودي الزاهر حيث تمت توسعة هذا الطريق وتعديل مساره من خلال توسعة هذا الطريق وإزالة جميع العقبات حيث دبت الحياة والحركة وانتعش العمران في هذه الجهة وفي عهد خادم الحرمين الشريفين والذي يعتبر عصر النهضة الكبرى للمدينة المنورة لما شهدته من تطور عمراني شامل حظي خلالها هذا الشارع بالتوسعة وإخضاعه لمشروع التجميل والتحسين التي جعلت منه معلماً حضارياً وحيوياً يربط شمال المدينة بالمسجد النبوي الشريف كما يمكن الوصول إلى هذه المنطقة عبر مجموعة أخرى من الشوارع والطرق غير المباشرة كالطريق الدائري الثاني وطريق المطار عبر شارع أحد وطريق الجامعات عبر طريق العيون.

الشعراء وجبل أحد

تغنى الشعراء بجبل أحد وخلدوا اسمه في شعرهم وشوقوا إليه واشتاقوا فهذا نفيلة يقول:

فكم من حرة بين المصلى

إلى أحد إلى ما حاز ريم

إلى الجماء من خد أسيل

نقي اللون ليس به كلوم

وقال الفقعسي:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة

بسلع ولم تغلق علي دروب

وهل أحد باد لنا وكأنه

حصان أمام المقربات جنوب

يخب السراب الضحل بيني وبينه

فيبدو لعيني تارة ويغيب

وقال شاعر آخر:

بكى أحد إذ فارق النوم أهله

فكيف بذي وجد من القوم آلف

من أجل أبي بكر جلت عن بلادها

أمية والأيام ذات تصارف

وقال آخر:

بكى أحد لما تحمل أهله

فسلع فبيت العز فيه تصدعوا

ونرحل نحو الشام ليس بأرضنا

ولابد منها والأنوف تجدع

على أثر البيض الذين تحملوا

لمعليهم منا جميعا فودعوا

وقال ابن عاصية يتشوق إلى المدينة وكان مغتربا في اليمن مع ابن زائدة الجواد:

هل ناظر من خلف عمران مبصر

ذرا أحد رمت المدى المتراخيا

فلو أن داء اليأس بي وأعانني

طبيب بأرواح العقيق شفانيا