• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 2535 أيام , في الاربعاء 4 ذي القعدة 1428هـ
الاربعاء 4 ذي القعدة 1428هـ - 14 نوفمبر 2007م - العدد 14387

في الصحافة العراقية ضجة حول مذهبه

هل كان بدر شاكر السياب سنياً أم شيعياً؟

بيروت - مكتب الرياض، جهاد فاضل:

    ثارت في الصحافة العراقية في الآونة الأخيرة معارك ضارية ضد الشاعر العراقي بدر شاكر السياب. لا تتصل هذه المعارك بالناحية الفنية في شعره، أو بإعادة تقويم مسيرته الشعرية وما الذي بقي منها، إلى آخر هذه القضايا التي يعنى بها النقد عندما يعرض لشاعر، وإنما تتصل هذه المعارك اتصالاً صريحاً بمذهبه الديني. فهل هو سني أم شيعي؟.

لقد كان الانطباع السائد عند كثيرين انه شيعي استناداً على الأرجح الى شيوعيته التي بدأ بها حياته الفكرية سواء في ابي الخصيب قبل ان يأتي الى بغداد، أو في بغداد نفسها عندما كان طالبا في دار المعلمين العالية، حيث كان عضوا في الحزب الشيوعي العراقي. وفي تلك الفترة كان قسم كبير من اعضاء الحزب الشيوعي العراقي من ابناء الطائفة الشيعية.

وربما تأسس هذا الانطباع أيضاً على كون بيئة أبي الخصيب التي تربى فيها بدر كانت بيئة ثورية وعلمانية. فأحد أعمامه كان من مؤسسي "الحزب اللاديني" الذي نما في البصرة وجنوبي العراق في نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي، وهو حزب ملحد كما قد يستنتج من اسمه. وربما كان حزباً علمانياً ولكنه على التأكيد حزب سياسي واجتماعي اعتزل المسألة الطائفية والمذهبية. ولما كانت مثل هذه البيئة التي تنتج مثل هذا الحزب ليست بيئة سنية أوإسلامية تقليدية، فقد ألحقه بعضهم بالتشيع وعدوه احد شعراء الشيعة العراقيين، مثله في ذلك مثل الجواهري، والحبوبي، وسواهما..

ولكن هؤلاء عندما اكتشفوا في وقت لاحق كونه ولد لأبوين سنيين، ولم يكن أبداً شيعياً كما ظنوا، تحولوا من النقيض إلى النقيض. فالحب الذي كان يعمر قلوبهم تجاهه تحول الى جفاء وكراهية.

ومن هنا كانت هذه المقالات الشديدة السلبية تجاهه وتجاه شعره في الصحافة اليومية العراقية ذات النزعة الشيعية، مع انه لم يكن يوماً سنياً ايديولوجياً ولا حتى مسلماً متعصباً. فالذي تعصب له في بدء حياته كان الماركسية في البداية، ثم العروبة فيما بعد، فالمسألة الدينية، أو المذهبية لم تدخل يوما في حساباته، ولم تكن مثارة على النحو الدارج الآن، في زمانه.

وإذا كان من الممكن ان نضيف "تعصبات"، أو ولاءات أخرى لبدر غير الماركسية في البداية ثم العروبة أو الفكر القومي بعد ذلك، لقلنا إن بدر كان منحازاً إلى قضية الشعر، وإنه امضى حياته يحارب بلا جدوى شبح الفقر. وهذا هو الإطار العام لسيرته.

على أن كثيرين، سواء في داخل العراق أو في خارجه، لم يفاجأوا بمثل هذه المراجعة ولو البدائية أو الفجة لمكانة بدر في الشعر العربي الحديث فأية مراجعة لابد أن تستند الى ثقافة وموازين سائدة زمن المراجعة، ولأنه لا صوت يعلو اليوم على صوت المذهبية، وبخاصة في العراق، فمن الطبيعي أن ينفر كثيرون من بدر لأنه كان على هذا المذهب ولم يكن على ذاك، أي على مذهب هؤلاء المراجعين فالأعصاب في ذروة فورانها، والقتل هو على الهوية لا على أي شيء آخر. وطالما أن الأمر هو على هذه الصورة، فمن الطبيعي أن يقع صاحب ذاك الجسد النحيل الذي يشبه قصبة طويلة تنفخ فيها الريح، مضرجاً بدمه عند أول متراس لجيش المهدي، أو لأي جيش آخر على غرار جيش المهدي فالذي يعتد به عندما يصل المرء الى المتراس المذهبي هو تذكرة هويته فقط لا غير. لا وقت عند هذا المتراس للتحقيقات والاستجوابات، بالنظر لكثرة المارين ولضرورة إصدار الأحكام بسرعة. وطالما أن بدر شاكر السياب ولد على الفطرة، سنياً، فهو مستوجب الإدانة!

شعراء عراقيون آخرون ملتبسو المذهب! مثل عبدالوهاب البياتي، هم في طريقهم الآن الى هذا المتراس الذي قضى على بدر فور علمه بمذهبه. فالبياتي، الى ما قبل عدة أشهر أو سنوات، كان مثل بدر، غامض المذهب. على أن هذا الغموض كان يعمل لمصلحته عند هؤلاء الذين يعيدون محاكمة بدر على أساس انتمائه المذهبي، فالبياتي كان أيضاً شيوعياً أو كالشيوعي، ولأن الشيوعية في العراق التصقت بمثقفي الشيعة أكثر مما التصقت بمثقفي السنة، إذ كان هؤلاء موزعين على الأحزاب القومية، فهناك لبس عند المتراس الذي نتحدث عنه يتصل بانتمائه المذهبي، والأرجح، بنظر هذا المتراس، أن يكون البياتي شيعياً. ثم إن أسرة البياتي نفسها، وربما هي عدة أسر، فيها شيعة وفيها سنة. فإلى أي فخذ في هذه القبيلة ينتمي البياتي؟ البياتي لم يكن معنياً أبداً بهذه المسألة. ولم يكن لا مع هذا الفريق ولا مع ذاك. ولكني أذكر الآن انني في أحد اللقاءات الأخيرة لي معه، وكان ذلك في بيروت، سأله أحد المثقفين اللبنانيين وعلى الطريقة اللبنانية عما إذا كان سنياً شيعياً.. لاذ البياتي بالصمت قليلاً قبل أن يجيب أنه سنّي.. فيا لمصير البياتي الأسود إذا ما مرّ يوماً على حاجز جيش المهدي، وأجاب، إذا سئل عن مذهبه، بنفس الجواب الذي سمعته منه!

على أن ثقافة التخلف لا تكتفي بفتح ملفات الشعراء والأدباء على أساس انتماءاتهم الطائفية والمذهبية، فهي كثيراً ما تفتح ملفاتهم الجهوية والمناطقية وربما القبلية. فقد شاع في السنوات الأخيرة حديث يتصل بموطن عنترة العبسي، وموطن طرفة بن العبد، وموطن امرئ القيس، وكون المتنبي عراقياً والمعري سورياً.. قالت الأخبار مراراً أن تحقيقات محلية شتى أُجريت في بعض نواحي أبوظبي، أثبتت أن عنترة العبسي كان من تلك الناحية. وقالت أخبار أخرى ان طرفة بن العبد من مملكة البحرين ولهذا السبب ربما اهتم به أهل البحرين قبل سنوات وعقدوا ندوة حوله وحول شعره.. وإذا كان معروفاً أن امرئ القيس من نجد، وحول ذلك أدلة كثيرة أكثرها مستقى من شعره، فلم يكن معروفاً مثلاً أن الفرزدق كان يعيش في "القوين"، أو في "كاظمة"، وهما من أسماء الكويت

القديمة. ولاشك أن قطري بن الفجاءة من قطر، ومن اسمه يمكن أن يستنتج المرء ذلك.. ولكن ما استنتجته أنا طيلة حياتي ان هؤلاء هم عُمد الثقافة العربية ورموزها، وان انتماءهم الأول والأخير - على التأكيد - هو لهذه الثقافة العربية الواحدة وللتاريخ العربي الواحد دون سواهما.. ولاشك ان قسماً كبيراً من حياة الوجدان عندنا نحن عرب هذا الزمان مؤسس على مسيرة هؤلاء، وعلى أنهم الأصول والمرجعية لكل من يؤمن بوحدة الثقافة العربية. ولاشك أن ضرراً كبيراً يصيب هذه الحياة الوجدانية العربية إذا ما جرى تجزئة تراث العرب وتصنيفه على أساس قُطري أو جهوي أو مناطقي أو طائفي ومذهبي. فهو تراث واحد لا عدة تراثات، وتبعيضه، أو تفكيكه، يسيء إلى جوهره ووحدته وتماسكه.. هو تراث متنوع له تجليات متعددة، مختلفة، ولكن هذا التعدد والاختلاف لا يضران به بل يحسنان إليه.. فهما غنى لا فقر.. فلنتق الله في هذه المتاريس الحمقاء المنكرة التي نقيمها بحثاً عن الانتماءات الطائفية أو الجهوية لهذه الرموز، ولا نفقد العقل والمنطق والبوصلة ونستسلم لثقافة التخلف السائدة هنا أو هناك!



عفواً هذه الخدمة متاحة للأعضاء فقط... يرجى تسجيل الدخول أو اضغط هنا للتسجيل
احصل على رابط الخبر عبر رمز الإستجابة السريع QRcode


التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق ..

عدد التعليقات : 14
ترتيب التعليقات : الأحدث أولا , الأقدم أولا , حسب التقييم
عفواً ترتيب التعليقات متاح للأعضاء فقط...
سجل معنا بالضغط هنا
  • 1

    من ضمن معلوماتي في هذا الموضوع أن الشاعر الأعشى من عندنا من منفوحة( الرياض) و الشاعرة نازك الملائكة من الشيعة حسب علمي لكن ليست المشكلة في السني والشيعي... المشكلة في أن بعض الناس قد يعحبون بكاتب أو ممثل أو مذيع مثلا ثم يكتشفون بأنه مسيحي مثلا فينقلب إعجابهم إلى هجوم عليه وأنهم كانوا مخدوعين به طوال الوقت خاصة إذا كان اسمه لا يدل على ديانة معينة وهذا ألاحظه كثيرا في منتديات الإنترنت.

    ساري (زائر)

    UP 0 DOWN

    04:59 صباحاً 2007/11/14

  • 2

    ومى الفرق
    كلنا مسلمين وراية التوحيد خفاقة على لسان الكل الشيعي والسني
    وشهادة أن محمد رسول الله تدوي في أسماع العدو

    عبدالله (زائر)

    UP 0 DOWN

    06:00 صباحاً 2007/11/14

  • 3

    مقال غريب يبث الفتنة !!! أعرف الكثير من المثقفين العراقيين و لم أسمع منهم شيئا مما ذكر في هذا المقال الا اذا كان من مخيلات الكاتب. العراق بدأ يعود لحياته الطبيعية بفضل رجاله المخلصين و لا داعي لدق الاسفين الطائفي الكريه مرة أخرى فعجلات الزمن لن تعود للوراء أبدا أيها الكاتب.

    سامي الميلادي (زائر)

    UP 0 DOWN

    08:53 صباحاً 2007/11/14

  • 4

    كما انت.. اخي الفاضل.. كتاباتك لا تخلو من الطائفية.. ارجو ان ترسخ قلمك لخدمة هذا الوطن.. بدل من اشعال الفتن.. بين المذاهب.. يرحمك الله

    ahmed (زائر)

    UP 0 DOWN

    10:43 صباحاً 2007/11/14

  • 5

    الرجاء التصحيح والتفريق مابين الشيوعيه والتشيع

    ayman (زائر)

    UP 0 DOWN

    10:53 صباحاً 2007/11/14

  • 6

    الاستاذ جهاد فاضل
    ارى انك وقعت عن ( قصد) او عن ( غير قصد) في نفس الشرك الذي تحذر منه (بفتح الشين) , ما اعنيه هنا اننا عرفنا السياب شاعرا من رواد الشعر الحديث , ولم نعرفه شيخ في مسجد او امام في حسينيه.
    لذلك ارى ان نبتعد عن هكذا مواضيع ونقاشات , احتراما لما قدمه
    تحياتي

    أنور الحازمي (زائر)

    UP 0 DOWN

    11:31 صباحاً 2007/11/14

  • 7

    قطري بن الفجاءه من قطر لان اسمه قطري!

    اذا كان هذا كلام صحفي في احد اكبر صحفنا فماذا نقول عن رجل الشارع البسيط

    ماجد (زائر)

    UP 0 DOWN

    11:51 صباحاً 2007/11/14

  • 8

    نشكر الأخ جهاد على هذا المقال الرائع عن الشاعر الكبير بدر شاكر السياب والذي لو لم يكتب الا ديوان انشودة المطر.. لكفى شاهدا على عبقرية هذا الرجل
    ذلك الديوان الذي يحتوي على تحفة السياب.. انشودة المطر.. والتي ابدع الفنان محمد عبده بأدائها
    وانا اتفق كل الاتفاق مع من يرون ان السياب رائد الشعر العربي الجديد.. مع كل الاحترام لجمهور نازك الملائكة

    أبو أحمد (زائر)

    UP 0 DOWN

    11:56 صباحاً 2007/11/14

  • 9

    شكرا اخي على هالمقال
    بدر السياب منذ ولادته وابواه سنيان لم يغيرا مذهبهم والشيوعيه تختلف عن الشيعه ليس له دخل الحزب بالمذهب فمالذي تغير الان ومن الذي وراء هذه التخبطات سؤال لابد له من اجابه
    كلنا مسلمين اخوان شيعه وسنه والدوله العراقيه اعتقد لاتفرق بين احد مع اختلاف الاديان لكن يبقى فن بدر السياب من سمعه من اشاد به من تراقص على نغماته هل هم شيعه ام سنه ام عرب في اعتقادي انهم جميعهم يطربون له كما هو لاعب كرة القدم فالمنتخب العراقي مختلط بسنه وشيعه اجتمعو على المحبه ولكن يبقى الوطن هو الاهم
    موضع اظن انه يحتاج الى مراجعه عقلانيه قبل الخوض فيه
    شكرا للجميع

    فلاح الشمري (زائر)

    UP 0 DOWN

    01:31 مساءً 2007/11/14

  • 10

    الابداع ليس له مذهب وسواء كان شيعي ام سني هذا لا يعنينا.
    كلنا اخوان شيعة وسنة واي شي ثاني...

    عبدالله (زائر)

    UP 0 DOWN

    03:32 مساءً 2007/11/14

  • 11

    أتفق مع الكاتب فيما قاله، و خصوصا خاتمته الرزينة، و أعتب على بعض القراء الذين ظنوا الكاتب لم يفرق بين الشيعة و الشيوعية ؛ فحديث الكاتب واضح و لاأعلم كيف أتت فكرة أنه خلط بينهما ؛ فهو يقول: "لأن الشيوعية في العراق التصقت بمثقفي الشيعة" ؛ فهو يفرق بينهما.
    والمهم في الأمر كله أن الإبداع لا دين له و إلا لما أعجبنا بالمعلقات.
    وأخيرا لنتق الله في هذه المتاريس الحمقاء المنكرة التي نقيمها بحثاً عن الانتماءات الطائفية أو الجهوية لهذه الرموز، ولا نفقد العقل والمنطق والبوصلة ونستسلم لثقافة التخلف السائدة هنا أو هناك!

    محمد إبراهيم - الرياض (زائر)

    UP 0 DOWN

    04:39 مساءً 2007/11/14

  • 12

    بالفعل الابداع ليس له مذهب..!
    واتذكر هنا الشاعر العراقي عباس جنجان.. شاعر شيعي رائع.. انتقد صدام ابان حكمه ولكنه ورجع ورثاه بعد اعدامه بهذه الطريقة الحاقدة.. وعندما ابدع قصيدته ثار عليه قومه.. ونسو انه شاعر..لايفكر بمذهبه او معتقده وانما بشاعريته واحاسيسه..!

    اسامه - الشرقية (زائر)

    UP 0 DOWN

    05:38 مساءً 2007/11/14

  • 13

    اذا كان الدراسة متجردة من العصبية , فلايوجد بأس في البحث عن الهوية المذهبية لاي شخص موضع الدراسة اديبا كان او عالما او فقيها اوغير ذلك ,
    خصوصا ان الانتماء له ( ومنه الانتماء المذهبي) مدخل في شخصية الفرد ,
    ولايضيرالسنة كونه شيعيا كمالايضير الشيعةالكرام كونه سنيا فالشيعة كانت ولازالت معطاءه للغالب من العظماء في تاريخنا الاسلامي والعربي في شتى الحقول ففي الفقه مثلا هناك استاذ ائمة المذاهب الاسلامية الامام الصادق
    وفي العلوم والاداب هناك مثلا جبر ابن حيان / ابن سينا / المتنبي/ ابوالعتاهية/ابوفراس الحمداني / ابوالاسود الدؤلي / الخليل الفراهيدي / جمال الدين الافغاني /.الخ

    علي محمد موالي (زائر)

    UP 0 DOWN

    05:54 مساءً 2007/11/14

  • 14

    يجب على الامةوالاخوة الكرام ان يترفعوا عن النظر الى مثل تلك النظرة الطائفية والسطحية المحدودة ويجب ان ينظر الى الشاعر من حيث مكانته الشعرية لا انتماءاته الطائفية او المذهبية او حتى القبلية

    ali alkhalaF (زائر)

    UP 0 DOWN

    09:05 مساءً 2007/11/14



مختارات من الأرشيف

نقترح لك المواضيع التالية