ثارت في الصحافة العراقية في الآونة الأخيرة معارك ضارية ضد الشاعر العراقي بدر شاكر السياب. لا تتصل هذه المعارك بالناحية الفنية في شعره، أو بإعادة تقويم مسيرته الشعرية وما الذي بقي منها، إلى آخر هذه القضايا التي يعنى بها النقد عندما يعرض لشاعر، وإنما تتصل هذه المعارك اتصالاً صريحاً بمذهبه الديني. فهل هو سني أم شيعي؟.

لقد كان الانطباع السائد عند كثيرين انه شيعي استناداً على الأرجح الى شيوعيته التي بدأ بها حياته الفكرية سواء في ابي الخصيب قبل ان يأتي الى بغداد، أو في بغداد نفسها عندما كان طالبا في دار المعلمين العالية، حيث كان عضوا في الحزب الشيوعي العراقي. وفي تلك الفترة كان قسم كبير من اعضاء الحزب الشيوعي العراقي من ابناء الطائفة الشيعية.

وربما تأسس هذا الانطباع أيضاً على كون بيئة أبي الخصيب التي تربى فيها بدر كانت بيئة ثورية وعلمانية. فأحد أعمامه كان من مؤسسي "الحزب اللاديني" الذي نما في البصرة وجنوبي العراق في نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي، وهو حزب ملحد كما قد يستنتج من اسمه. وربما كان حزباً علمانياً ولكنه على التأكيد حزب سياسي واجتماعي اعتزل المسألة الطائفية والمذهبية. ولما كانت مثل هذه البيئة التي تنتج مثل هذا الحزب ليست بيئة سنية أوإسلامية تقليدية، فقد ألحقه بعضهم بالتشيع وعدوه احد شعراء الشيعة العراقيين، مثله في ذلك مثل الجواهري، والحبوبي، وسواهما..

ولكن هؤلاء عندما اكتشفوا في وقت لاحق كونه ولد لأبوين سنيين، ولم يكن أبداً شيعياً كما ظنوا، تحولوا من النقيض إلى النقيض. فالحب الذي كان يعمر قلوبهم تجاهه تحول الى جفاء وكراهية.

ومن هنا كانت هذه المقالات الشديدة السلبية تجاهه وتجاه شعره في الصحافة اليومية العراقية ذات النزعة الشيعية، مع انه لم يكن يوماً سنياً ايديولوجياً ولا حتى مسلماً متعصباً. فالذي تعصب له في بدء حياته كان الماركسية في البداية، ثم العروبة فيما بعد، فالمسألة الدينية، أو المذهبية لم تدخل يوما في حساباته، ولم تكن مثارة على النحو الدارج الآن، في زمانه.

وإذا كان من الممكن ان نضيف "تعصبات"، أو ولاءات أخرى لبدر غير الماركسية في البداية ثم العروبة أو الفكر القومي بعد ذلك، لقلنا إن بدر كان منحازاً إلى قضية الشعر، وإنه امضى حياته يحارب بلا جدوى شبح الفقر. وهذا هو الإطار العام لسيرته.

على أن كثيرين، سواء في داخل العراق أو في خارجه، لم يفاجأوا بمثل هذه المراجعة ولو البدائية أو الفجة لمكانة بدر في الشعر العربي الحديث فأية مراجعة لابد أن تستند الى ثقافة وموازين سائدة زمن المراجعة، ولأنه لا صوت يعلو اليوم على صوت المذهبية، وبخاصة في العراق، فمن الطبيعي أن ينفر كثيرون من بدر لأنه كان على هذا المذهب ولم يكن على ذاك، أي على مذهب هؤلاء المراجعين فالأعصاب في ذروة فورانها، والقتل هو على الهوية لا على أي شيء آخر. وطالما أن الأمر هو على هذه الصورة، فمن الطبيعي أن يقع صاحب ذاك الجسد النحيل الذي يشبه قصبة طويلة تنفخ فيها الريح، مضرجاً بدمه عند أول متراس لجيش المهدي، أو لأي جيش آخر على غرار جيش المهدي فالذي يعتد به عندما يصل المرء الى المتراس المذهبي هو تذكرة هويته فقط لا غير. لا وقت عند هذا المتراس للتحقيقات والاستجوابات، بالنظر لكثرة المارين ولضرورة إصدار الأحكام بسرعة. وطالما أن بدر شاكر السياب ولد على الفطرة، سنياً، فهو مستوجب الإدانة!

شعراء عراقيون آخرون ملتبسو المذهب! مثل عبدالوهاب البياتي، هم في طريقهم الآن الى هذا المتراس الذي قضى على بدر فور علمه بمذهبه. فالبياتي، الى ما قبل عدة أشهر أو سنوات، كان مثل بدر، غامض المذهب. على أن هذا الغموض كان يعمل لمصلحته عند هؤلاء الذين يعيدون محاكمة بدر على أساس انتمائه المذهبي، فالبياتي كان أيضاً شيوعياً أو كالشيوعي، ولأن الشيوعية في العراق التصقت بمثقفي الشيعة أكثر مما التصقت بمثقفي السنة، إذ كان هؤلاء موزعين على الأحزاب القومية، فهناك لبس عند المتراس الذي نتحدث عنه يتصل بانتمائه المذهبي، والأرجح، بنظر هذا المتراس، أن يكون البياتي شيعياً. ثم إن أسرة البياتي نفسها، وربما هي عدة أسر، فيها شيعة وفيها سنة. فإلى أي فخذ في هذه القبيلة ينتمي البياتي؟ البياتي لم يكن معنياً أبداً بهذه المسألة. ولم يكن لا مع هذا الفريق ولا مع ذاك. ولكني أذكر الآن انني في أحد اللقاءات الأخيرة لي معه، وكان ذلك في بيروت، سأله أحد المثقفين اللبنانيين وعلى الطريقة اللبنانية عما إذا كان سنياً شيعياً.. لاذ البياتي بالصمت قليلاً قبل أن يجيب أنه سنّي.. فيا لمصير البياتي الأسود إذا ما مرّ يوماً على حاجز جيش المهدي، وأجاب، إذا سئل عن مذهبه، بنفس الجواب الذي سمعته منه!

على أن ثقافة التخلف لا تكتفي بفتح ملفات الشعراء والأدباء على أساس انتماءاتهم الطائفية والمذهبية، فهي كثيراً ما تفتح ملفاتهم الجهوية والمناطقية وربما القبلية. فقد شاع في السنوات الأخيرة حديث يتصل بموطن عنترة العبسي، وموطن طرفة بن العبد، وموطن امرئ القيس، وكون المتنبي عراقياً والمعري سورياً.. قالت الأخبار مراراً أن تحقيقات محلية شتى أُجريت في بعض نواحي أبوظبي، أثبتت أن عنترة العبسي كان من تلك الناحية. وقالت أخبار أخرى ان طرفة بن العبد من مملكة البحرين ولهذا السبب ربما اهتم به أهل البحرين قبل سنوات وعقدوا ندوة حوله وحول شعره.. وإذا كان معروفاً أن امرئ القيس من نجد، وحول ذلك أدلة كثيرة أكثرها مستقى من شعره، فلم يكن معروفاً مثلاً أن الفرزدق كان يعيش في "القوين"، أو في "كاظمة"، وهما من أسماء الكويت

القديمة. ولاشك أن قطري بن الفجاءة من قطر، ومن اسمه يمكن أن يستنتج المرء ذلك.. ولكن ما استنتجته أنا طيلة حياتي ان هؤلاء هم عُمد الثقافة العربية ورموزها، وان انتماءهم الأول والأخير - على التأكيد - هو لهذه الثقافة العربية الواحدة وللتاريخ العربي الواحد دون سواهما.. ولاشك ان قسماً كبيراً من حياة الوجدان عندنا نحن عرب هذا الزمان مؤسس على مسيرة هؤلاء، وعلى أنهم الأصول والمرجعية لكل من يؤمن بوحدة الثقافة العربية. ولاشك أن ضرراً كبيراً يصيب هذه الحياة الوجدانية العربية إذا ما جرى تجزئة تراث العرب وتصنيفه على أساس قُطري أو جهوي أو مناطقي أو طائفي ومذهبي. فهو تراث واحد لا عدة تراثات، وتبعيضه، أو تفكيكه، يسيء إلى جوهره ووحدته وتماسكه.. هو تراث متنوع له تجليات متعددة، مختلفة، ولكن هذا التعدد والاختلاف لا يضران به بل يحسنان إليه.. فهما غنى لا فقر.. فلنتق الله في هذه المتاريس الحمقاء المنكرة التي نقيمها بحثاً عن الانتماءات الطائفية أو الجهوية لهذه الرموز، ولا نفقد العقل والمنطق والبوصلة ونستسلم لثقافة التخلف السائدة هنا أو هناك!