يواصل الأستاذ الجنبي ملاحظاته في الحلقة الثالثة حول كتاب مسجد جواثى:

14- في الصفحة 113تحدث الدكتور عن سوق المشقر، فقال: "وأهمية سوق المشقر التجارية أوغرت صدور الحاقدين على بني تميم لمنفعتهم - كذا ويبدو أنه أراد لمعرفتهم - بما يدره عليهم إشرافهم على السوق من الأموال".

ومن الواضح من قوله "إشرافهم" أنه جعل بني تميم هم المشرفون على السوق قبل يوم الصفقة الذي أوقعه بهم عامل كسرى في المشقر، وهذا الكلام غير صحيح لأنّ بني تميم كانوا مسئولين عن سوق الجرعاء في الأحساء، والذي سبق وحددنا موضعه قبل قليل كما نصّ على ذلك الهمداني في صفة جزيرة العرب، وأما سوق المشقر فكان لعبد القيس، وكان المسئول عنه منهم بنو محارب بن عمرو بن بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس، وبنو عامر بن الحارث بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس، وذلك بنصّ الهمداني في كتابه صفة جزيرة العرب بالنسبة لبني محارب؛ كما إنّ أكثر من مؤرخ، ومنهم ابن حبيب في المحبر ذكروا أنَّ بني عامر بن الحارث من عبد القيس كانوا سدنة الصنم ذي اللبا بالمشقر، وأما المنذر بن ساوى التميمي حاكم هجر الذي راسله النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكان حاكم الفرس على هجر بعد حادثة المشقر، وهو من الأسبذيين الذين جاءوا من فارس وانضموا إلى بعض قبائل العرب، ومنهم المنذر هذا الذي اختار أن يكون مولى لبني تميم، وبالتالي لا يصح الاستدلال بذلك على أنّ سوق المشقر كان لبني تميم، ثم إنّ إيقاع عامل كسرى ببني تميم في المشقر ليس لأنهم كانوا أصحابه أو القائمين على سوقه؛ بل لم يكن لبني تميم كبير وجود في هجر ومشقرها، وإيقاع عامل كسرى بهم في المشقر كان بسبب تعرضهم لقافلته التي كانت متوجهة لليمن كما ذكر الدكتور بعد كلامه هذا، وقد تم بعد ذلك استدراجهم بواسطة المكعبر عامل كسرى على هجر حينها من بوادي الأحساء بحجة أنّ الملك كسرى قد أمره بإعطائهم الميرة، وطلب منهم أن يأتوا لأخذها من حصن المشقر، فكانت الوقعة المفصلة في كتب التاريخ،وإذاً فإنّ القول بأنّ الإيقاع ببني تميم في المشقر كان بسبب حقد الحاقدين عليهم لقيامهم بأمر سوق المشقر وأخذهم ريعه وضرائبه هو كلامٌ غير دقيق.

15- في الصفحة 114تحدث الدكتور عن الحصن الهجري الشهير المعروف بالمشقر، فقال: "ولعل موقع المشقر يكون ضمن موقع جواثى بإقليم هجر من بلاد البحرين قديماً لأسباب وقفنا على بعضها من خلال أعمال الدراسة والتوثيق بجواثى".

وقد ذكر الدكتور سبعة أسباب جعلته يرى أنّ هذا الحصن يقع في منطقة جواثى، ولأنني معنيٌّ بحصن المشقر هذا كوني أول من اكتشف موضعه وحدده، وذلك في كتابي (هجر وقصباتها الثلاث؛ المشقر والصفا والشبعان ونهرها محلم)، ولأنني أرى - مبدئياً - أنّ الدكتور قد جانبه الصواب في ترجيحه أوظنه بأنّ المشقّر كان يقع ضمن ما سماها الآن بمنطقة جواثى، فأود أنء أذكر بشيء من التفصيل النقاط السبع التي ذكرها، وأوضح للدكتور الفاضل ما جانبه من الصواب فيها، وهي كالتالي:

النقطة الأولى: قال الدكتور الفاضل: "ذُكر أنّ (المشقر بالبحرين نحو هجر، وبه نخل لا يبرح الماء أصوله)، وأنه (قصر بالبحرين بناه معاوية بن الحارث بن معاوية الملك الكندي قال ابن الأعرابي: المشقر بمدينة - كذا - قديمة في وسطها قلعة)، وهي مدينة هجر. وأثبتت التنقيبات أن جواثى أرض زراعية تميزت بكثرة مائها وامتداد رقعتها".

وأقول: إنّ ما وضعه الدكتور بين القوسين () أولاً، وهو قوله (المشقر بالبحرين ... الخ) أحال فيه الدكتور إلى الهمداني في كتابه صفة جزيرة العرب، ولكنّ الدكتور الفاضل لم يذكر كلاماً مشابهاً لياقوت الحموي في معجم البلدان رسم (المشقر)، قاله في تحديد موضع المشقر، وهو وإن كان مشابهاً لقول الهمداني إلا أنه أكثر دقة منه؛ قال ياقوت: "المشقر حصنٌ بالبحرين عظيم لعبد القيس يلي حصناً لهم آخر يقال له الصفا قبل مدينة هجر". فقول ياقوت أو من روى عنه أنّ المشقَّر "قبل مدينة هجر" يدل على قربه من المدينة، وأنه يقابلها لأنّ الراوي قد حدد مدينة هجر بالذات، ولم يقل هجر فقط فلو قال هجر لأُخذ كلامه على أنه يعني إقليم هجر كله؛ أما إذ حصر كلامه بمدينة هجر، فهذا يعني أنّ حصن المشقر كان يقع أمام مدينة هجر مباشرة، وهذا هو المتبادر إلى الذهن عند كلّ من خبر لغة العرب وعلومها.

وأما ما نسبه الدكتور إلى ابن الأعرابي في هذه النقطة، وقوله على لسانه: "المشقر بمدينة قديمة في وسطها قلعة"، فالدكتور كما نرى خسَف بهذا النصّ الخطير في تحديد المشقر خسفاً شديداً، ولم يذكره كاملاً مع أنّ له الفضل الكبير في اكتشاف موضع المشقر، وسأذكر هنا نصّ ابن الأعرابي الخطير هذا كاملاً كما ورد في كتاب معجم ما استعجم للبكري لأنه النصّ الذي هداني الله به لمعرفة التل أو القارة التي كان يقوم عليها وفيها حصن المشقر العظيم، وهو قوله: "المشقر مدينة عظيمة قديمة، في وسطها قلعة على قارة تُسمى عطالة، وفي أعلاها بئر تثقب القارة حتى تنتهي إلى الأرض وتذهب في الأرض، وماء هجر يتحلّب إلى هذه البئر في زيادتها، وتحلّبها نقصانها". وقد بينت في كتابي (هجر وقصباتها الثلاث) أنّ ابن الأعرابي قد أهدانا بنصّه هذا ما يشبه العلامة الفارقة التي تستخدمها دائرة الأحوال الشخصية والجوازات اليوم لتمييز الأشخاص بذكر علامة فارقة تكون في وجوههم، وهي قوله إنّ قلعة المشقَّر كانت على قارة جبلية، وأنّ هذه القارة في أعلاها بئر تثقبها حتى تصل إلى الأرض ثم تمضي في الأرض، وهنا أسأل الدكتور الفاضل هل يستطيع أن يدلنا على قارة جبلية بهذه الصفة في منطقة جواثى في أعلاها بئر تثقبها كلها حتى تصل إلى الأرض ثم تمضي فيها؟ إنني على يقين بأنّ جوابه سيكون بالنفي، وبالتالي فقد فَقَدَ الدكتور أهم الإثباتات في تحديد موضع المشقر، وإنني أزعم بكل تأكيد بأنه لا يوجد في واحة الأحساء كلها قارةٌ بها بئرٌ يثقبها من أعلاه إلى أسفلها مصداقاً لقول ابن الأعرابي سوى قارة واحدة فقط، وهي التي حددتها - في كتابي المذكور - في بلدة القارة من قرى الأحساء الشهيرة، والمعروفة لدى الأهالي باسم (راس القارة) حتى الآن، فهي القارة الوحيدة في واحة الأحساء كلها التي يوجد فيها بئرٌ تثقبها من أعلاه إلى أسفلها حتى تصل إلى الأرض إلى عينٍ تُعرف الآن عند الأهالي بعين الخسيف، وقد أثبت في كتابي المذكور أنها هي ما كانت تُعرف بعين هجر العظيمة التي تنخت عندها قبائل وبطون عربية عُرفت فيما بعد باسم قبيلة تنوخ.

ثم من الغريب أنّ الدكتور الفاضل قد ذكر بعد نقله لكلام ابن الأعرابي المبتسر "المشقر بمدينة قديمة في وسطها قلعة" جملة: "وهي مدينة هجر" وأشار في الحاشية (2) من الصفحة إلى جواد علي في كتابه المفصل في تاريخ العرب يعني بذلك أنّ جملة "وهي مدينة هجر" نقلها عنه، ولكنني لم أجد الدكتور قد خَطَّأ صاحب المفصل أو رد عليه قوله أن المدينة التي ذكرها ابن الأعرابي هي مدينة هجر، فإن كان يتفق معه، فهو بهذا يناقض ترجيحه كون المشقر في منطقة جواثى لأنّ مدينة هجر غير جواثى، وإنء كان يخالفه الرأي فلماذا لم يبين ذلك ويرده عليه لأنّ ذكر رأي الآخرين من دون الرد عليه يعني القبول به.

النقطة الثانية: وتتلخص بمحاولة الدكتور أن يثبت أن المشقر كان قديماً في المنطقة، وأنه كان سابقاً لذكر بني عبد القيس في بلد البحرين مستشهداً ببيتين من الشعر لمن سماه بعمرو بن أسوى العبسي، وهو خطأ آخر للدكتور لأنّ عمرو بن أسوى عبديٌ من عبد القيس وليس بعبسي من بني عبس، كذلك ذكر الدكتور بيت امرئ القيس:

أو المكرعات من نخيل ابن يامنٍ

دوين الصفا اللائي يلين المشقرا

ليستدلّ به على أنّ حصن المشقر قرب حصن آخر يقال له الصفا ليستدل من كل ذلك على أنّ المشقر كان موقعاً قديماً مزدهراً في فترات ما قبل الإسلام وبعده موضحاً أنّ جواثى هو كذلك كان موقعاً قديماً مزدهراً في فترات ما قبل الإسلام وبعده، وهذه المقارنة - حسب رأي الدكتور - تجيز له أن يمرّر رأيه في أنّ المشقر كان يقع في منطقة جواثى لتشابههما في القدم والازدهار قبل الإسلام وبعده، وكم كنت أتمنى من الدكتور الفاضل أن لا يهبط بنا إلى هذا المستوى التسطيحي من الاستدلال، لأنه وفق كلامه هذا فإنّ كل مدينة قديمة كانت مزدهرة قبل الإسلام وبعده في منطقة الأحساء أو القطيف أو ثاج يحق لها أن تكون المشقَّر إذاً، وما هكذا يكون التحقيق.

النقطة الثالثة: وتتلخص في أنّ الدكتور الفاضل ذكر مرّة أخرى أنّ حصن المشقر قرب حصن آخر يقال له الصفا كما في النقطة السابقة، ولكنه زاد هنا بأنّ موقع الصَّفا من المواقع المعروفة بالأحساء حتى الآن ويقع غرب موقع جواثى.

ولكن الدكتور لم يذكر مصدر قوله بأنّ موقع الصَّفا من المواقع المعروفة بالأحساء حتى الآن، وأنه يقع غرب موقع جواثى، فقوله هذا غير موثق، وأزعم بأنني قد ذرعت واحة الأحساء طولاً بعرض، وسألت الكثير من كبار السنّ فيها، ولا سيما أهل القرى الواقعة بالقرب من منطقة جواثى كالجبيل والقارة والتويثير والحليلة والقرن والجليجلة والشعبة والبطالية، فلم أجد فيهم من أخبرني بوجود موضع يُعرف بالصَّفا، وكل الذي أخبرني به أهل القارة أنه يوجد في بلدتهم حيٌّ صغير يُعرف بالصُفَيَّة وليس الصَّفا، ومع ذلك، فهو يقع جنوب جواثى لا غربها، ثم إنني أضيف إلى معلومات الدكتور الفاضل أنّ حصن الصَّفا مثله مثل حصن المشقر كان هو الآخر يقوم فوق تلًّ أو قارة جبلية مثله مثل المشقر، ولا يوجد غرب جواثى سوى جبلٍ واحد يعدهما البعض جبلين، فيسمونهما بجبل البريقة وجبل الشعبة، ولم أجد من يسميهما الصَّفا، أو حتى يعرف موضعاً قربهما يُسمى الصَّفا، فأين إذاً هذا الصَّفا الذي قال الدكتور إنه يقع للغرب من جواثى، وما مصدره في ذلك.