• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 2369 أيام , في الثلاثاء 11 شوال 1428هـ
الثلاثاء 11 شوال 1428هـ - 23 أكتوبر 2007م - العدد 14365

ايقاع الحرف

بناء القيم في المجتمع

ناصر الحجيلان

    تُعدُّ القيم (Values) من المفاهيم الفلسفية التي يكثر الجدل حولها بين المدارس والمذاهب الفكرية المختلفة. ويقصد بها مجموعة الممارسات السلوكية التي تأخذ موقعها في الثقافة حينما يؤمن بها عدد كبير من أفراد المجتمع بحيث تصبح جزءاً أساسياً من تلك الثقافة؛ وقد تكون القيم عامة بالمجتمع وقد تكون خاصة بفرد معين.

على أن تحديد ما يعدّ قيمة في مجتمع معين أو ما يعتبر عادة أو تقليداً إنما يخضع لاعتبارات الممارسة السلوكية. وفي هذا يؤكد جون ديوي على أن الآراء حول موضوع القيم تتفاوت بين الاعتقاد من ناحية بأن ما يسمى "قيماً" ليس في الواقع سوى إشارات انفعالية أو تعبيرات صوتية، وبين الاعتقاد في الطرف المقابل بأن المعايير التي لها الأسبقية (apriority) ضرورية ويقوم على أساسها كل من الفن والعلم والأخلاق. ومن هنا فإن تعريف القيم يخضع لاشتراطات المجتمع والبيئة والزمان؛ فقد تتحول القيمة إلى مجرد انفعال، وقد ترتفع العادة إلى درجة القيمة بحسب تغيرات المجتمع وحركة الزمن بين الأجيال.

وتكمن أهمية القيم في ارتباطها عند البشر بمعنى الحياة ذاتها؛ فالقيمة ترتبط بدوافع السلوك المبنية على هدف معين يسعى المرء إلى تحقيقه. ولو افترضنا أن موضوعاً معيناً فقد قيمته عند الشخص فإن حماسه سوف يضعف وتفتر معه الهمة ويكف عن السعي إلى ذلك الموضوع؛ وربما يتجه إلى ما سواه من الأمور التي لها قيمة عنده. والحقيقة أن انتقاء الفرد قيمة معينة إنما هو محكوم بقيم المجتمع الذي يعيش فيه سواء تابعهم أو عارضهم. لأن المرء في بحثه عن القيمة يتأثر بما لديه من قيم مكتسبة مع التنشئة الثقافية (acculturation)، فلا يستطيع الخروج - في الغالب - عمّا في عقيدته ممّا يكون وما لا ينبغي أن يكون.

إن مصدر القيم الثقافية السائدة في مجتمع ما هو تاريخ الجماعة أو تراثها التاريخي الذي تنقله عن طريق التربية من جيل إلى جيل. فالتنشئة هي وسيلة المحافظة على القيم الأساسية بشكل امتدادي أفقي (في الجيل الواحد) وبشكل عمودي (بتتابع الأجيال).

ولا بد من التوضيح بأن تأثر الناس بما لديهم من قيم في سلوكهم لا يعني أن القيم هي محركات السلوك، أو أنها الأساس في تحديد السلوك وتوجيهه. فالسلوك يمكن أن ينظر إليه على أنه نتاج عوامل مختلفة تحيط بالفرد، منها القدرة على الأداء والظروف الموضوعية والمواقف الطارئة والوسائل المتاحة والدوافع والحوافز المباشرة، إضافة إلى القيم التي يؤمن بها الفرد. وفي بعض الحالات قد تلتقي قيم الفرد مع رغباته فينتفي عنده الصراع بين ما يعتقد في ضرورته وما يحس الرغبة فيه أو النزوع إليه. وهذا يفتح المجال للسؤال عن السبب الحقيقي الكامن وراء الصراع الفكري في المجتمع الواحد ودور القيم في تشكيل ذلك الصراع. وللتوضيح يمكن الإشارة إلى مثال للصراع بين من يسمّون بالليبراليين السعوديين وبين الصحويين، أو الصراع بين الحداثيين والتقليديين. إن المحور الأساسي الذي ينشأ عنه ذلك الصراع إنما يكمن في القيم وما يرتبط بذلك من تحديد مستوى القيم ودرجتها وأولويتها أو أهميتها وأثرها.

وبسبب أهمية القيم عند الأفراد والمجموعات، نجد أن الصراع حولها يمثل صراعاً حول الوجود ذاته. فعلى سبيل المثال، فإن فقدان موضوع معين قيمته يعني زوال ما يرتبط به من محفزات؛ وفي بعض الحالات ومع بعض الأشخاص تفقد الأشياء كلها قيمتها تحت وطأة ظروف معينة، وبهذا فإن الحياة نفسها تفقد طعمها عند ذلك الشخص وتصبح حياته بلا معنى. ويمر المرء بمرحلة اليأس الشديد حينما تتساوى في نظره الأمور مما يدعوه إلى أن يجد أن شيئاً لا يستحق منه العناية والاهتمام، وربما أدى به ذلك إلى محاولة التخلص من الحياة ذاتها.

إن الحالة الفردية يمكن تعميمها لتصبح الصورة أكبر مع المجتمع أو مع مجموعة من فئاته؛ فالأشخاص الذين يتحوّلون تحولاّت فكرية لافتة للنظر - كالتحول من الفكر الصحوي إلى الفكر الليبرالي أو العكس - توضح ما طرأ على القيم من تغيرات، فثمة قيمة ضعفت وماتت ثم حلّت محلها قيمة أخرى في الغالب تكون مضادة لها.

ويأتي السؤال حول الطريقة التي بُنيت فيها القيمة الأولى ومقارنته بالطريقة التي نشأت فيها القيمة الأخرى (المضادة للأولى) ليكشف آليات بناء القيم الأساسية في المجتمع؛ على اعتبار أن القيمة الأولى المكتسبة من المجتمع تمثل ضمير الجماعة، في حين تمثل القيمة الأخرى ضمير الفرد.

والواقع أن "ضمير الجماعة" هو مصدر الإلزام في المجتمع لتحديد الواجبات والمحرمات الثقافية. ويعبر هذا الضمير عن مركز الالتقاء بين ضمائر أعضاء الجماعة الذي يتكون منذ الطفولة الأولى نتيجة للالتزام بالأوامر الصادرة للفرد من السلطة الضابطة الخارجية (الوالدين ثم المدرسين والإعلام والقانون) التي تمثل ثقافة المجتمع. وبالتدريج يقوم الطفل بالسلوك المرغوب فيه في المواقف المختلفة دون الحاجة إلى تلقّى التوجيه أو الأمر من الخارج في كل مرة. على أن ثقافة الأسرة أو المجموعة قد تنسجم قيمها الأساسية مع ثقافة المجتمع العام أو قد تختلف عنه قليلا. ويتوقف هذا الوضع بالنسبة للأسر المختلفة في المجتمع على درجة تماسك النظام الاجتماعي وتكامل الثقافة في المجتمع؛ فالأسرة المرتبطة بالمجتمع يكون انسجامها أكثر في حين أن الأسرة الطارئة على المجتمع تقل عندها عناصر الانسجام.

جدير بالذكر أن عملية تكوين الضمير التي تبني القيم هي عملية مستمرة وليست مقتصرة على مرحلة الطفولة؛ فهي تتضمن انتقالاً من الالتزام بالأوامر الخارجية إلى التوجيه الذاتي وضبط النفس، وتتضمن كذلك تحولاً من مجرد الرغبة في التوافق مع الجماعة والحصول على رضاها إلى العمل وفق صورة الذات المثالية. والضمير على هذا الأساس هو قدرة عقلية مكتسبة تبرز من خلال معالجة الفرد لما يواجهه من مواقف الصراع بإرجاعها إلى نظام القيم الذي يؤمن به وتنطوي عليه ذاته المثالية.



عفواً هذه الخدمة متاحة للأعضاء فقط... يرجى تسجيل الدخول أو اضغط هنا للتسجيل
احصل على رابط الخبر عبر رمز الإستجابة السريع QRcode


التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق ..

عدد التعليقات : 7
ترتيب التعليقات : الأحدث أولا , الأقدم أولا , حسب التقييم
عفواً ترتيب التعليقات متاح للأعضاء فقط...
سجل معنا بالضغط هنا
  • 1

    موضوع القيم هو من الموضوعات الفلسفية النظرية المهمة التي تحتاج الى امثلة وعرض تفصيلي لكي تفهم بشكل دقيق
    ولك تحياتي

    a. waeil (زائر)

    UP 0 DOWN

    06:25 صباحاً 2007/10/23

  • 2

    هذا المقطع (إن الحالة الفردية يمكن تعميمها لتصبح الصورة أكبر مع المجتمع أو مع مجموعة من فئاته؛ فالأشخاص الذين يتحوّلون تحولاّت فكرية لافتة للنظر - كالتحول من الفكر الصحوي إلى الفكر الليبرالي أو العكس - توضح ما طرأ على القيم من تغيرات، فثمة قيمة ضعفت وماتت ثم حلّت محلها قيمة أخرى في الغالب تكون مضادة لها. ) أراه منطقيا للغاية فهو من ناحية يحاكي الواقع لأن الشخص لن يتخلى عن فكره حتى يعرف بطلانها وأصحية فكرة أخرى مكانها ومن ناحية أخرى فهو يطابق قوانين الفيزياء التي تقول أن شيئين لايأخذان المكان نفسه لهذا فلايفكر الشخص بطريقتين مختلفتين وإلا أصبح عنده Bipolar disease
    أحب كذلك أن أشكرك عن الحديث عن الضمير الجمعي وهو مايعتقده بعض الباحثين مطبوعا في الجنيان إما بمعناها البيولوجي العلمي أو النفسي الغير علمي، لأن الناس بصفة عامة تميل أن تسير بنمط تفكيري متقارب حتى أنهم اخترعوا اختبار IQ لتصنيف مستويات ذكاء الناس وفق معايير ثابتة.

    سوزانا (زائر)

    UP 1 DOWN

    07:21 صباحاً 2007/10/23

  • 3

    الوضوح في التعامل... الصدق. النزاهة... الإيثار. كل هذه القيّم تجدها في معارض السيارات... بعض ولن أقول أغلب وهو في الواقع أغلب الشباب في المعارض يحلف بالله إن السيارة بإسمه وإذا تبينت الأمور طلع شي ثاني..
    ماهو الإنطباع لدى الأجانب عنا وعن أبنائنا ؟ مسلمين بالهوية... الله يصلح الحال... هذا يتطلب آباء مثاليين...

    سليمان بن حمد الطريّف (زائر)

    UP 0 DOWN

    07:55 صباحاً 2007/10/23

  • 4

    لقد قلت فاجدت
    وخلاصة مالفت انتباهي قولك:
    أن عملية تكوين الضمير التي تبني القيم هي عملية مستمرة وليست مقتصرة على مرحلة الطفولة؛ فهي تتضمن انتقالاً من الالتزام بالأوامر الخارجية إلى التوجيه الذاتي وضبط النفس، وتتضمن كذلك تحولاً من مجرد الرغبة في التوافق مع الجماعة والحصول على رضاها إلى العمل وفق صورة الذات المثالية. والضمير على هذا الأساس هو قدرة عقلية مكتسبة تبرز من خلال معالجة الفرد لما يواجهه من مواقف الصراع بإرجاعها إلى نظام القيم الذي يؤمن به وتنطوي عليه ذاته المثالية
    فلك التحية على هذا العرض الشيق المفيد.

    أبو سالم (زائر)

    UP 1 DOWN

    11:05 صباحاً 2007/10/23

  • 5

    هذا موضوع عميق للغاية ويحتاج الى قراءة اكثر من مرة
    ولهذا فاني اعتقد ان جرعته شوي زائدة على القراء امثالي ممن يحبون الشيء السريع
    ولهذا ياليتك تذكر مثال او اكثر وتحلله وتشرحه لكي نمشي معك على الخط
    ولك تحياتي

    حامد الحربي (زائر)

    UP 0 DOWN

    01:26 مساءً 2007/10/23

  • 6

    فقط أريد أن أعرف لماذا تستخدم الكلمات الأجنبية؟
    قد أعذرك في الثالثة لكن لا أرى وجها لاستخدام الأولى والثانية، فهي كلمات دارجة ومفهومة لمن سيقرأ مقال عميق كهذا.

    عبد الله (زائر)

    UP -1 DOWN

    09:40 مساءً 2007/10/23

  • 7

    اعقب على الأخ عبدالله
    اعتقد ان كتابة الكلمة بالانجليزية مقابل العربي لا ضرورة لها الا اذا كانت تفيد في التفسير او التحديد او التقييد.
    لهذا ارى ان الكلمة الاولى بسبب انها واسعة فقد قيدها بالمصطلح الانجليزي؛ فهناك القيمة بمعنى الثمن وبمعنى تقدير الشيء وتقييمه والقيم قد تعني كذلك مجموعة او محصلة ارقام رياضية.
    وكلمة اسبقية تعني في المقالة الأولوية التي تسبق الشيء. وليست الاسبقية بمعنى قبل الشيء بدون اولوية فقد يكون رقم 3 سابقا لرقم 4 ولكنه ليس رقما اوليا. ولو تركها بدون تحديد لكان هناك لبس في معنى الكلمة.
    وكنت اتمنى لو وضع مقابل كلمة (ضمير الجماعة) المصطلح الدقيق الذي يدل عليه لكي يفهم.
    وشكرا

    ابو سالم (زائر)

    UP -1 DOWN

    03:42 مساءً 2007/10/24


نقترح لك المواضيع التالية