في التحولات الاجتماعية يحدث الكثير من المظاهر التي تستحق التوقف والتحليل فإهمال الظواهر الاجتماعية المصاحبة للتحول الاجتماعي من منطلق أنها لا تترك أثرا في المجتمع أو من باب انه يمكن السيطرة علي نتائجها بكل سهولة فهذه فرضية خطيرة يجب عدم القبول بها بسهولة. في العقود الماضية مر المجتمع بالكثير من التحولات الاقتصادية التي ساهمت في ولادة الكثير من المظاهر ذات العلاقة بالبناء الاجتماعي ونسيجه الفكري وهذه التحولات لابد وأنها تركت الكثير من الآثار سواء الظاهرة منها أو تلك التي تختفي في البناء الاجتماعي ولا يشعر بها سوى من أدرك نتائجها السلبية مثل حالات التغير الطبقي أو المشكلات الاقتصادية. القضية الأساسية في كل تحول اجتماعي يقف خلفها منهجيات مختلفة سياسية أو فكرية أو اقتصادية وهي الحالة التي تصف مجتمعاتنا التي مرت بتلك التحولات فالاقتصاد تعبير عن نمو وتطور في الحياة الاجتماعية أو تعبير عن انحسار لتدفقات وسائل النمو الاجتماعي وتطوره. القضية الأساسية في فكرة التحول هي الآثار التي تتركها المظاهر المصاحبة فالكثير من الآثار الاجتماعية تعمل وتظهر حيث يكون المجتمع تحت تأثير كبير من مقومات التحول مثل وجود طفرات اقتصادية أو سياسية. الطفرات الاقتصادية أو السياسية ليست سببا للتطرف أو الانحلال في الفكر الاجتماعي ولكنها مرتع خصب لتحولات يصعب التكهن في أنواعها وثمارها ومصادرها. أيديولوجيا الصحوة وخلال عقود مضت ركزت في تكوينها على استثمار الطفرة الاقتصادية للمجتمع وراحت تروج لمنهجية فكرية تعددت نتائجها وآثارها فمزجت مع الفكر الاجتماعي الطبيعي في تدينه نغمة من التدين السياسي وتحولت العبادات إلى منهجيات متشددة فكانت النتائج مذهلة للعالم كله. لقد خلّفت مناهج الإسلام السياسي مظاهر الإرهاب الفكري وتم إعادة إنتاج العداء لما هو غير مسلم من ثقافات وعلوم ومناهج سياسة وثقافات بعينها،ففوجئت المجتمعات بكونها أمام منهجية تفرض عليها العداء للكثير من المظاهر الثقافية والسياسية على امتداد العالم. هذه المظاهر كلفت مجتمعاتنا كما كبيرا من طاقتها الفكرية والثقافية فتنامت مظاهر أسلمة الأفكار والعلوم والثقافات وكانت تلك المظاهر هي المصيدة الأكبر لتحديد موقف تلك المجتمعات من غيرها،وقد وقع الكثير من أبناء المجتمع بهذه المصيدة الفكرية التي ساهمت في تراجع اندماج المجتمعات المسلمة في الواقع الحضاري العالمي. لم تكن القضية سهلة لإتمام عملية دمج بين منتجي الحضارة ومستهلكيها فالهدف كان مقتصرا على محاصرة الحضارة المنتجة باسم الإسلام بهدف تكريس المواقف السلبية من تلك الحضارة الغربية ومن دول بعينها دون وعي بالمخاطر التي يمكن أن تدرها تلك المواقف. هذا التكريس والتعزيز ولد مواقف فكرية معادية في المجتمع وخاصة بين فئات الشباب الممثل الأكبر للمجتمعات الإسلامية فكانت ابرز نتائجه منهجيات الإرهاب التي عانى العالم الإسلامي منها كثيرا وسوف يظل يعاني لفترات طويلة إلى أن يتم تكريس منهجيات فكرية سلمية تعيد التوازن للمخزون الفكري عند المسلمين وتعدل من موقفه من الحضارات والشعوب والأديان الأخرى بطريقة تتوافق مع المنهجية الإسلامية الحقيقية. الفكر الصحوي وطريقة امتداده في مجتمعاتنا ساهما في تشكيل مواقف مضطربة في المجتمع غير قادرة على تحديد الوجهات الصحيحة وهذا بلا شك نتيجة ضخ فكري كبير تراكم عبر قنوات اجتماعية مختلفة فلما اكتشفنا خطر ذلك المد في مجتمعاتنا أدركنا أننا أمام فكر توغل في بنائنا ونسيجنا الاجتماعي بطريقة تتطلب مهارة فكرية عالية لإعادتنا إلى وضعنا الطبيعي. إن تفكيرنا الحثيث نحو دراسة الآثار التي تتركها الموجات الفكرية على المجتمع تتطلب منا أن نكون أكثر عمقا في فهم المجتمع فالمجتمع الذي قضى السنوات بهدف فهم واقعه ومحاولة تعديل الآثار السلبية التي لحقت به،هذا المجتمع قد غفل عن قضية أساسية وهي أن مجتمعنا في طبيعته وتركيبته يتميز ببعد لا يختلف عن المجتمعات العربية الأخرى حيث الروابط القبلية التي تتأصل في تكوين الإنسان العربي وهي غالبا تطغى على الكثير من الروابط الأخرى،هذه الروابط لم تتغير في تكوينها فهي باقية ولم تمحها أزمان الصحوة الفكرية ولم تغيرها مظاهر التدين التي سادت لعقود طويلة وهذا دلالة على تأصلها في البنية الاجتماعية. فعلى سبيل المثال لو عدنا إلى الكيفية التي كان المجتمع بشكله القبلي يحارب فيها الإرهاب فإننا سوف نجد انه يتم التبرؤ من المنتمين إلى الإرهاب بطريقة جماعية تلعب فيها القبيلة دورا بارزا ومؤثرا وهذا يوحي بأهمية التكوين القبلي في المجتمع ودوره في صياغة شكل المجتمع. القبلية ليست سلبا في المجتمع العربي فهي جزء لا يمكن التخلي عنه لأسباب تاريخية ولكن القبلية ومع التطورات السياسية والاجتماعية للدول بدأت تواجه الكثير من التغيرات في مواقفها وهذا يتطلب من المجتمع فهم هذه التغيرات بشكل دقيق حتى لا يتعرض المجتمع لهزات بالإمكان تلافيها لو درست بشكل جيد. إن على المجتمع أن يدرك أن القبيلة في القرن الماضي والقرن الحادي والعشرين تدخل منظومة مختلفة وليست المنظومة السائدة قبل مئات السنين،فتمسك المجتمع بالقبيلة كمعرّف اجتماعي وانتماء بالنسب يجب أن يبقى بل هو مطلب لكل منتم إلى قبيلة بعينها وهذا مقبول اجتماعيا. الدور الذي يتعدى منظومة الانتماء بالنسب والانتماء ليخلق دائرة جديدة تدور حولها القبيلة وخاصة تلك التي تدخل في المنافسة على (الأفضل والأجمل والأكثر) هذا الدور يجب التفكير في آثاره قبل إطلاقه في المجتمع وهذا ليس تقليلا من دور القبيلة في حياة المجتمع ولكنه ترشيد لمعرفة المكانة الحقيقية للقبيلة وفقا للتحولات الاجتماعية والسياسية التي آلت إليها المجتمعات الإنسانية. إن إحياء الانتماء القبلي ولو كان عبر منافسة أشبه ما تكون بمنافسة رياضية سوف يترك من الآثار النفسية الشيء الكثير وخاصة للمنتمين إلى ذلك التجمع أو ذاك،هذه الآثار سوف تطال فئات المجتمع كله وليس بعضها فالتكوين القبلي في المجتمع ليس قليلا بحيث يمكن تجاهله ولكنه كبير يجب التفكير فيه. إن المجتمع الذي تشكل القبلية فيه محوراً مهماً بين أبنائه يجب عليه أن يعيد دراسة دور القبيلة بما يتوافق ومنهجيات الدول الحديثة فالقبيلة مؤسسة اجتماعية قابلة للاستثمار بشكل ايجابي وكبير وخاصة في القضايا التي تبرز جوانب التعاون والتكاتف الاجتماعي وليس التنافس والتمظهر المفرط. إن السيطرة على الآثار التي تتركها المظاهر الاجتماعية المستحدثة أو الأصيلة ليس عملية سهلة وخاصة إذا كانت تلك المظاهر مرتبطة بالعرق والنسب لأفراد المجتمع فالمناسبات التي تؤطر تحت اسم القبيلة ليست مهرجانا رياضيا تنتهي آثاره بانتهاء الحدث فهو مظهر يغوص في عمق التاريخ بل يولد مشاعر التنافس ويكرسها وخاصة بين حديثي التجربة من صغار السن وذلك بطريقة فكرية ماهرة لكونها تقف في منطقة مهمة بين الفرد وأصله الاجتماعي