تابعت كغيري من القراء التحقيق الذي نشرته جريدة "الرياض" عبر ثلاث حلقات حول ظاهرة (مزاين الإبل) التي بدأت تغزو المجتمع السعودي في أماكن عدة، وأود في البداية أن أتقدم بخالص الشكر لجريدة "الرياض" العتيدة التي طرقت هذا الباب وألقت الضوء عليها من خلال أصحاب اختصاصات شرعية واجتماعية وإعلامية، كما أرغب في مستهل هذه الخاطرة أن أعترف بأنني كنت في الماضي من المؤيدين لهذه الظاهرة التي تعبر عن إعادة الاعتبار لسفينة الصحراء والوفاء لهذا الحيوان الصحراوي الجميل الذي تمت الإشارة إليه في محكم التنزيل في قوله تعالى (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت) صورة الغاشية، لكن وبعد متابعتي لهذه الظاهرة سواء عبر الصحف أو في المجالس العامة، وجدت أن الأمر يتطلب وقفة جادة إزاء هذا الموضوع وإعادة النظر فيه ويمكن تبيان هذه الوقفة بالملاحظات التالية:

1- إن مزاين الإبل كظاهرة ارتبط باسم القبيلة كلاً حسب اسمها وانحسار روح الوطن فيها.

2- ترافق أشكال البذخ غير المبرر مع هذه الظاهرة؟!

3- غلبة المفردات القبلية على المفردات الوطنية في الحفلات الخطابية لمهرجانات مزاين الإبل!!

4- كثرة الأموال المنفقة على هذه الظاهرة التي جلها تذهب في مثل التجمعات القبلية كإقامة الولائم واستئجار أغلى الأماكن.

5- الجمهرة القبلية التي قد تستغل لأغراض لا تخدم المصلحة الوطنية.

6- التنافس بين رؤساء القبائل على الظهور الإعلامي خدمة لأهداف شخصية.

7- إن ظاهرة مزاين الإبل تزامنت مع تفاقم الظاهرة الطائفية والأثنية والمذهبية التي انتشرت في أصقاع عدة في الأوطان العربية والإسلامية، وهو ما يثير الشكوك حول البعد الخارجي في هذه الظواهر التي يجمعها قاسم مشترك وهو التعصب للقبيلة أو للطائفة أو للمذهب.

إن من شأن ماتقدم ذكره يهدد مع مرور الزمن الوحدة الوطنية ويعزز من سلبياتها التي على سبيل المثال لا الحصر:

1- إهدار الأموال من دون عائد يذكر كان من المفترض أن توجه تلك الأموال لمشاريع تنموية.

2- إن هذه الظاهرة تعمق الروح القبلية والتعصب لها على حساب الولاء للوطن وسيادة الدولة والوحدة الوطنية.

3- تأثر جيل الشباب بما يشاهد وبالتالي تأثر قناعاته الوطنية ودخوله في فصام شخصي بين الولاء للدولة أو القبيلة وأيهما يقدم على الآخر، وهو ما يعني في المحصلة ضرب مادة التربية الوطنية التي تدرس في مراحل التعليم العام عرض الحائط.

4- التخندق في أي قضية مستقبلية وراء القبيلة والتقليل من شأن مؤسسات الدولة القائمة التي تعتبر المرجعية الوطنية للجميع.

5- تفاقم الانتهازية الاجتماعية بين رؤساء القبائل على حساب البسطاء من الناس واستغلال عواطفهم بقصد الوجاهة الاجتماعية.

6- سهولة الاختراق من جانب أي طرف أجنبي أو دخيل على هذه الأمة لتأجيج الصراعات أو بث فكر غريب أو إحداث فتنة داخلية.

7- إن التجمع تحت لافتة (مزاين الإبل) بيئة خصبة لتذكر مرارات الماضي مع ما يكتنف ذلك من اجترار صور الثأرات القبلية وغزواتها ضد الآخرين، وهذا من شأنه أن يعزز من المواقف التاريخية المتأزمة ويستدعي الذاكرة للقيام بأفعال أو أقوال لا تحمد عقباها.

لذا اقترح أن ترشد هذه الجهود المندفعة في هذا السبيل، وأن يتم وضعها في الموضع الصحيح الذي يجمع ولا يفرق وقد يكون من بين صور هذا الترشيد ما يلي:

1- تبني مشروع وطني لتنمية الإبل كثروة وطنية ووسيلة من وسائل الأمن الغذائي، تسهم فيه الدولة والمقتدرون من أبناء الوطن (حاضرة وبادية) بحيث يشتمل هذا المشروع على بناء حظائر عملاقة للإبل هدفها التسمين والاستفادة من لحومها وألبانها وأوبارها، لتدر من خلال هذا العمل الاقتصادي مردوداً مادياً للمساهمين فيه وفي نفس الوقت تتاح للمستهلك الاستمتاع بمنتجات هذا المشروع، بل الأمر يتعدى إلى أن يصبح ذلك المشروع نواة لتجارة خارجية وتشغيل العمالة السعودية.

2- يعتبر مهرجان الجنادرية السنوي محضناً جيداً لكل من يريد أن يسوق بضاعته من الإبل بصرف النظر عن قبيلته ولعل إقامة مهرجان الجنادرية في كل منطقة إدارية يلبي هذه الحاجة ويعطي الفرصة لمشاهدة هذا المهرجان لكل المواطنين في مناطقهم دون عناء السفر لمدينة الرياض.

3- إن الأموال المخصصة لمزاين الإبل المقدمة في الأغلب من الموسرين من أبناء القبيلة ذات مردود إعلامي لا يحق أي هدف وطني يذكر، وبالتالي فإن الأجدر أن تصرف هذه الأموال في مشاريع تنموية ذات نفع مباشر لسكان منطقته أو محافظته أو مركزه مثل بناء مستشفى أو جمعية أيتام أو معمل ينتج سلعة استهلاكية تسهم في حل مشكلة بطالة أبناء القبيلة وتوفر العيش الكريم للإنسان السعودي بدل الاستجداء من الآخرين أو مساعدة من وقع تحت أسر الديون وانتهى به المطاف في غياهب السجون أو رسم ابتسامة على شفاه من يرغب في الزواج ولا يستطيع ذلك بإعانته مالياً على الزواج.

4- تشجيع الموهوبين من أبناء القبيلة والذين لا تسمح ظروف أولياء أمورهم على الصرف عليهم دراسياً، بكفالتهم علمياً وتقديم كل ما يحقق طموحاتهم على هذا الصعيد وذلك من قبل الموسرين من هذه القبيلة أو تلك.

وختاماً أرجو من الله أهدينا إلى سواء السبيل وأن توضع المصلحة العامة الوطنية فوق أي اعتبار وبالذات الاعتبارات الشخصية الضيقة.