10- في الصفحة 87قال الدكتور: "وذُكرت العقير في صفة جزيرة العرب بأنها ساحل وقرية دون القطيف، وبه نخل يسكنه بنو محارب، وانها نخلٌ لبني هذيل".

ويبدو أن الدكتور الفاضل قد اعتمد هنا على ما ذكره ياقوت في رسم العُقير عندما قال: "العُقير قرية على شاطئ البحر بحذاء هجر، والعقير باليمامة نخلٌ لبني ذهل بن الدؤل بن حنيفة."، فياقوت يتكلم عن موضعين متباعدين يدعى كلاً منهما بالعُقير، وهما عُقير هجر وعقير اليمامة، فقال عن عُقير هجر أنه بحذاء هجر، وقال عن عقير اليمامة أنه نخلٌ لبني ذهل بن الدؤل بن حنيفة، ولكن الدكتور ذهل عن ذلك فجعل العقيرين عقيراً واحداً، ثم ذهل أيضاً فكتب بني ذهل الحنفيين على أنهم بني هذيل، وأين هُذيل من العقير أو حتى من إقليم البحرين كله.

11- في الصفحة 93تحدث الدكتور الفاضل عن ما سماه بمدينة الجرهاء التي قال عنها: "يظنُّ الكثير من الآثاريين، ومنهم جيوفري بي بي أنها قريبة من العُقير".

وأود أن ألفت نظر باحثنا الفاضل إلى أمرين في كلامه هذا؛ أولهما هو إطلاقه مسمى (الجرهاء) على هذه المدينة المندثرة، وهي تسمية غير أكاديمية لأنَّ المصادر التي ذكرت هذه المدينة، والتي تُعد على أصابع اليد الوحدة كلها مصادر إغريقية ورومانية فقط، وهي على الترتيب الزمني:

1- كتاب تاريخ العالم للعالم الإغريقي (بوليبيوس).

2- كتاب الجغرافيا للعالم الإغريقي (سترابو).

3- كتاب التاريخ الطبيعي للعالم الروماني (بءلِيءني الكبير).

4- خارطة الجزيرة العربية للعالم الإغريقي (بطليموس).

وكل هؤلاء المؤرخين ذكروا اسم هذه المدينة على هيئتين لا ثالث لهما، وهما (Gerra)، و(Gerrha)، ومن الواضح أنَّ صحّة التلفظ - عربياً - بهذا الاسم وفق هاتين الهيئتين هي (جِرَّه) و(جِرَّها) بكسر الجيم وتشديد الرّاء في كلا الكلمتين مع إضافة الألف لآخر الكلمة الثانية ووجود هذه الألف كعدمها، وأما مسمى (الجَرءهاء) بفتح الجيم وتسكين الرّاء، فهو كان اجتهاداً من بعض الباحثين الذين كانوا يرون أنها هي الجَرعاء موضع السوق الأحسائي التي ذكرها الهمداني في كتابه صفة جزيرة العرب، وقد سار كل الباحثين المحليين الذين كتبوا عن هذه المدينة المندثرة على هذا المنوال في تسميتهم لها بالجَرءهاء باستثناء الدكتور توفيق فهد في البحث الذي كتبه بعنوان (قطر ونواحيها في الجغرافية القديمة: جِرَّه والخط) والذي قدمه في مؤتمر دراسات تاريخ شرق الجزيرة العربية الذي انعقد في دولة قطر في 21- 28مارس 1977م، فقد كتبها فيه صحيحة كما نرى في العنوان.

والأمر الآخر الذي قاله الدكتور هو نسبته القول إلى عالم الآثار البريطاني ورئيس البعثة الدانمركية جيوفري بي بي بأنّ هذه المدينة المندثرة تقع قرب العُقير، فإنء كان يقصد بجملة "قريبة من العُقير" أنها في منطقة العُقير، فهذا لم يقله جيوفري بي بي، وإنما كان هذا العالم الآثاري، وقبل أن يقوم بالتنقيب في منطقة العُقير يظن - وفقاً لكتابات علماء سابقين له - بأنه ربما تكون أطلال هذه المدينة المندثرة قابعة تحت أنقاض بقايا قلعة مسورة شاهدها من الجو أثناء تحليقه فوق المنطقة، ولكنه عندما قام بعملية التنقيب الدقيق اكتشف أنّ هذه البقايا التي رآها من الجو لا توغل في الزمن بأكثر من البداية المبكرة للعصر الإسلامي، وقد دوّن ذلك بكل أمانة في كتابه المعروف (البحث عن دلمون)، وهذه ترجمة لما كتبه فيه:

قال في الصفحة

412"لم يكن هنا أيّ شيء يعود إلى زمن مبكر، والأدلة السلبية للأسف لا تثبت إلا القليل، ولقد زحفت كثبان الرمل على المدينة، وعلَتء إلى ارتفاع يمكن له أن يغطي مدينة سابقة، ولكن كان واضحاً أنه على الأقل بالنسبة للمدينة الظاهرة فوق السطح أنها لم تكن جرّه".

ثم زار بيبي وأعضاء بعثته العقير مرّة أخرى ليثبت بأنها بالفعل مدينة إسلامية، وليس ذلك فقط؛ بل أثبت أن كامل آثار منطقة العُقير تعود إلى الحقب الإسلامية، وكتب هنا يقول (الصفحة 467):

"لقد أظهرت ثلاثة مجسات بالعقير أنّ الاستيطان الإسلامي يغور للأسفل، وحتى أسس جدار المدينة المخرّب، والذي يتوجب عليه أن يكون على هذا الأساس نفسه إسلامياً؛ لم يكن هناك شيءٌ أسفله".

12- في الصفحة 96تحدث الدكتور عن قلعة بريمان، وقال من ضمن حديثه عنها: "وتمثل مبنى لحامية تقع جنوب شرق الجهدية".

ويبدو أنّ الدكتور قد كتب الاسم الأخير (الجهدية) عن مصدر غير عربي، وإلا فإنّ صحة الاسم هو (القَهءديّة)، ولكن لأنّ الأجانب يسمعون الأهالي ينطقون حرف القاف كما ينطق المصريون حرف الجيم، فكانوا يكتبونها هكذا (GAHDEYYEH)، فترجمها الدكتور إلى الجهدية، والقهديّة من المواضع التي لا زالت معروفة حتى الآن، وكانت تقع في الطريق القديم الموصل بين العُقير وواحة الأحساء، وممن ذكرها في العام 1354ه الحاج ملا عطية الجمري من جزيرة البحرين في أرجوزته الهجرية التي ألفها أثناء قيامه برحلة إلى الأحساء، فقدم وصفاً شعرياً أخاذاً للطريق الذي كان يؤمه المسافرون من واحة الأحساء إلى العُقير، وذكر من ضمن محطات الاستراحة فيه القهدية، وذلك قوله:

وقد وصلنا أوّل القَهدية

كثبانها في الجوّ معتلية

والقهدية هذه هي التي أوقع بنو مرَّة بالحامية التركية التي كانت متجهة من العقير إلى الهفوف فيها، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وهي حادثة مشهورة في المنطقة، وأرى أنّها ربما أخذت اسمها القهدية نسبةً إلى بطن من تميم اسمهم بنو قهد، وبنو تميم كانوا من سكان هذه المناطق، وكان لهم فيها من المواضع رملة والقف، وهما موضعان لا يزالان معروفان في الأحساء حتى الآن، ويقعان قريباً من القهدية.

13.في الصفحة 100تحدث الدكتور عن مسجد يقع شمال واحة العُيون، فقال عنه: "ويُعرف عند أهالي مدينة العُيون باسم مسجد الطليلة، وقد أسميناه مسجد الشمال، ونظن أنه يعود لفترة الدولة العُيونية، وأنه مسجد الشمال الذي ذكره الشاعر علي بن المقرَّب العُيوني في شعره".

وأقول إنء كان الدكتور يعني أنّ ابن المقرَّب ذكر في شعره مسجداً في الأحساء سماه بمسجد الشمال، فهذا الكلام غير دقيق لأن الشاعر لم يذكر مسجداً بهذا الاسم، ولا حتى شارح شعره، وليت الدكتور ذكر لنا شاهده على ذلك من شعر الشاعر أو الطبعة التي رأى فيها ذلك، ولكنه لم يفعل، وكل الذي ذكره ابن المقرَّب وشارح شعره هو وجود منطقة في الأحساء كانت تُعرف بالشمال لأنها واقعة في الجهة الشمالية منها.

ففي قصيدة لامية يقول فيها ابن المقرَّب يخاطب ركباً من بني عُقيل:

إلىء أنء تُوَاءفُوءا الدَّرءبَ وَالمَسءجِدَ الَّذِيء

بهِ الحَيُّ حَيٌّ وَالشَّمَاءلُ شَمَاءلُ

فواضح من البيت أنّ ابن المقرَّب لم يسمِّ المسجد هنا بمسجد الشمال، وإنما تركه بدون تسمية، وكذلك فعل شارح شعره الذي كان كل ما أوضحه من مسميات البيت هو قوله: "والشَّمَال: مَحَلَّةٌ من الأحساء، وبها داره ومنزله".

فلا يصح على هذا أن نسمي المسجد بمسجد الشمال، ثم إنّ هذا الشمال ليس هو الموضع الذي يقع فيه مسجد الطليلة شمال العُيون، والذي سماه الدكتور بمسجد الشمال لأن هذا الشمال المذكور في شعر ابن المقرَّب يقع في واحة الأحساء نفسها في القسم الشمالي منها، ولا زال الأهالي يطلقون هذه التسمية على هذا القسم من الأحساء، وقد ذكره وحدده شارح الديوان المقرَّبي في أكثر من موضع من ديوان الشاعر، ففي قوله من قصيدة بائية.

عَنِ الحَيِّ بالجَرءعَاءِ هَلء رَاءقَ بَعءدَنَا

لَهُمء ذَلِكَ المَرءعَىء وَمَوءرِدُهُ العَذءبُ

علق الشارح بقوله: "الجرعاء هاهنا محلة بالأحساء معروفة، وبها منزل أهله من الشمال".

ولكنه في موضع آخر قال في شرح البيت:

وَهَلء أيءنَعَ الءوَاءديء الشَّمَاليُّ واكءتَسَتء

عَثَاءكِيءلَ قنءوَاءنٍ حَدَائِقُهُ الغُلءبُ ؟

"الوادي يعني به هاهنا قريةً من سواد الأحساء تسقيها عينٌ تُسمى بالسُّحَيءميّة، وبتلك القرية أكثر أملاكه المغصوبة".

والسُّحَيءميّة لا زالت معروفة في الأحساء اليوم، ويطلق الاسم على موضع كبير ومعروف ذي بساتين وأنهار يقع إلى الشمال الشرقي من عين منصور بحيث كانت هذه العين الأخيرة تسقيه كله، وبالتالي فهي عين السحيمية التي ذكرها الشارح، ولزيادة التأكيد على ذلك نذكر ما ذكره الشارح في أحد أبيات ميمية الشاعر الشهيرة، وهو هذا البيت:

ومسعر الحرب مسعود إذا خمدت

وماجد وابن فضلٍ خيرها شيما

حيث قال الشارح ما نصّه:

"ومسعود هو مسعود بن عبدالله بن علي كان توفي قبل الملك في مدة الحرب يوم احترقت محَصَّنةُ الشمال ولم يُعقِّب".

ومحصَّنة الشّمال هذه هي بذاتها التي ذكرها غرس النعمة الصابئ في تاريخه الذي ذَيَّل به على تواريخ آبائه (انظر الجامع في أخبار القرامطة لسهيل زكار الصفحة 247) حيث جاء فيه عن عبدالله بن علي العُيوني مؤسس الدولة العيونية قوله:

"وكان هناك رجلٌ يقال له عبدالله بن علي الغنوي - كذا ورد محرّفاً عن العُيوني - عدوّاً للقرامطة .. وكان للغنوي في تلك الأرض حصنٌ يُعرف بالمحَصَّنة، وهو من بني - كذا وردت، والصحيح بناء - أبي البهلول المتغلّب على جزيرة أوال، والحصن قريبٌ من الجرعاء".

وعليه فإنّ محصنة الشمال كانت قريبة من الجرعاء، والجرعاء هذه ظلت معروفة حتى منتصف القرن الميلادي العشرين، فقد أشار إليها مؤلف كتاب واحة الأحساء، وهو الأمريكي فيدريكو فيدال الذي ألفه في 1952م، وذكر في كتابه هذا نقلاً عن بعض أهالي الأحساء أنّ الجرعاء يُطلق في وقته على مكانٍ مرتفع قليلاً يقع قرب الحافّة المزروعة الواقعة شمال شرق مدينة المبرَّز، وهو وصف صحيح ينطبق مع ما ذكره كلاً من ابن حوقل، وشارح الديوان المقرَّبي من أنّ الجرعاء كانت تقع في قبلة مدينة الأحساء التي تقوم على أنقاضها اليوم قرية البطالية، وبالتالي فإنّ الشمال هو كامل هذه الجرعاء الواقعة شمال شرق المبرز والمعروفة الآن بهضبة أو لسان المحيرس وما يحيط بها من قرى الشمال، وقد ذكر ابن المقرَّب الجرعاء هذه ونسبها إلى الشمال في موضع آخر من شعره حيث يقول:

فيمم لجرعاء الشمال فإنّ لي

بها خلّةٌ أشتاقها وملاعبا

فهذا هو المقصود بالشمال في شعر ابن المقرَّب وشرحه لا شمال العُيون، ولا زال الأهالي في الأحساء يعرفونه حتى وقتنا هذا، وهم يقولون جهة الشمال وعيون الشمال وقرى الشمال يعنون بها جميع القرى الواقعة شمال المبرز وشمالها الشرقي، وقد بينت كل ذلك بالتفصيل في تحقيق ديوان ابن المقرَّب لمن أراد الرجوع إليه.