شعر المحاورة، أو القلطة - كما يسميه البعض - من الوان الشعر في موروثنا الشعبي، كانت تشتهر فيه بعض مناطق المملكة في السابق، واصبح اليوم معروفاً ويمارس في كل المناطق، وعلى مستوى دول الخليج كافة.! ابداعات رواد هذا اللون من الشعر في الماضي لا تزال تحتل الذاكرة عند المهتمين، اولئك الرواد كانوا، قمماً عالية قد يصعب الوصول الى ما وصلوا اليه من عمق المعنى وجزالة التعبير وقوة الاداء.! ولازال المهتمون بشعر المحاورة يحفظون لهم ابياتاً.. وابياتاً.. فتل ونقض يبهر العقول ويملأها طرباً ومتعة أدبية. ومايزال لهؤلاء الرواد امتداد بيننا.. ففي الساحة اليوم مبدعون يسيرون على النهج السليم لمن سبقهم في هذا المجال، وقد سمعت قول أحدهم عندما قال: ان شعراء المحاورة المتميزين يسيرون على نهج من سبقهم من الشعراء الكبار المعروفين، وما يقال من وجود تجديد وتطوير في هذا اللون من الشعر ما هو إلا تطوير شكلي فقط، حتى وان كان البعض يراه تطويراً في الشكل والمضمون معاً..! وهو يشير في ذلك الى بعض الالحان وبعض الاضافات الجديدة، وعلى رأسها القادم الجدي. (الموال..) وهنا بيت القصيد؟!

الموال هو ما كان يعرف بشعر المجالسي - باتفاق الجميع - ومكانه لم يكن ضمن مكان شعر المحاورة وانما كان ولا يزال له مكانته الخاصة ومكانه الذي يمارس فيه، واسمه يدل على طريقة ادائه.. هو لون، وشعر المحاورة لون آخر مختلف تماماً. فكيف تم جمعهما في ميدان المحاورة، واداؤهما في آن واحد، وما هو موقف شعراء المحاورة، ومتذوقي شعر المحاورة من هذا الخلط وهذا النهج الجديد.. سوف نتحدث عن هذا الجانب باختصار شديد. وعلى اعتبار ان اطراف شعر المحاورة هم الشعراء انفسهم وجمهور المتابعين لهم من عامة الناس وخاصتهم ولعل المتابع لشعر المحاورة يلاحظ ان الشعراء منقسمون الى قسمين فيما يخص وجود الموال في شعر المحاورة، فالقسم الاول - ومنهم بعض الشعراء الكبار المخضرمين - يرى ان الموال دخيل على شعر المحاورة وبدعة جديدة دخلت في هذا اللون من الشعر واخذت به الى مسارات متشعبة ادت الى اضعافه وصرفه عن مساره الصحيح الذي سار عليه على مدى تاريخه الطويل. ومنهم (أي شعراء المحاورة) من يرى في الموال نقلة نوعية تجديدية في شعر المحاورة، ويرون فيه مجالاً واسعاً ومساحة كبيرة يتحرك فيها الشاعر كيف يشاء ويعطيه فرصة لتوسيع نطاق الرد على الخصم بالطريقة التي يراها مناسبة دون التقيد بالطريقة المحددة بينه وبين خصمه في السياق المحدد بينه وبين خصمه او الاسلوب المحدد لقافية المحاورة (مساحة أوسع للتحرك امام الخصم) وتغطية لما قد يحدث من قصور في هيكل المحاورة بصفة عامة، ولسان حاله يقول: (اللي ما اقدر اغطيه في الابيات الاساسية، اغطيه في الموال وارضي جمهوري..) ويظهر تميزه في الموال، وعجزه عن مجارات خصمه في الاداء والمعنى وهما المرتكز الاساسي للمحاورة.. وهكذا..! وماذا عن موقف متذوقي شعر المحاورة من الموال..؟ هم كذلك لهم مواقف متعددة في هذا الجانب، منهم من يرى ان الموال نقلة جديدة قفزت بشعر المحاورة الى مدارات عالية من التجديد والتنويع والتطريب، فهو - أي الموال - في نظرهم مطلوب من قبل شريحة كبيرة من متابعي شعر المحاورة، ولهذا غالباً ما نسمع في ساحة المحاورة من يطلب من الشعراء ويقول: (نبغى موال.. نبغى موال..!!) وهناك في الجانب الآخر من يضايقه سماع الموال اثناء المحاورات الشعرية، ويراه من الاساليب التي لا تمت لشعر المحاورة بصلة، وجاءت في غير محلها.. وبعضهم ذهب الى أبعد من ذلك وقال: ان بعض المواويل لم تكن وليدة لحظتها بل تمت صياغتها مسبقاً ويتم ايرادها على انها تقال لأول مرة خلافاً لواقع الحال.؟!

اقول: الموال في شعر المحاورة اصبح جزءاً منه، وهذا هو واقع الحال اليوم، والآراء عنه متفاوتة بين مؤيد ومعارض - كما اسلفنا - ومع هذا يبقى للمحاورة الشعرية بين شاعرين او اكثر بدون موال تأثيرها القوي في ذائقة المتلقي لأنها الاكثر وضوحاً والاكثر تركيزاً على المعنى، وفيها تظهر قوة اداء الشاعر او ضعفه عند مواجهة خصمه في الميدان امام الحاضرين.. وهذا هو الاسلوب الذي يعرفه الناس في المحاورات الشعرية منذ نشأة هذا اللون من الشعر حتى الآن.! وبين يدي القارئ الآن ديوانا الشاعرين الكبيرين محمد الجبرتي، وصياف الحربي - الله يرحمهما - وهما كما هو معروف من رواد شعر المحاورة، فهل في هذين الديوانين اثر للموال..؟!

من قلطة بين الجبرتي، وصياف، والمصدر ديوان صياف:

الجبرتي:

قوم يا صياف قود العلم باحسان وبصيره

كان ما تقدر تقود العلم لله الكمالي

يا عسى في الامر خيره ويا عسى في الامر خيره

لنت اخوي ولنت ابوي ولنته الضلع الموالي

صياف:

كيف تزهمني وانا رجال ما اعرف السريره

يوم جيتوا ستة وخمسين احاربكم لحالي

انت عود كل ما جاء الصبح تحرك لك مضيره

لين خربت السنون اللي مثل ضو الهلالي