إذا استثنينا الأرز (التمّن) بتشديد الميم المعروف بلونه الداكن الذي كان يجلب من العراق بكميات محدودة حينما كان بعض أهل نجد يعملون هناك يوم أن كان العراق خاضعاً للاحتلال البريطاني (الأول). إلى جانب الأرز الذي كان يزرع في الأحساء بالمنطقة الشرقية بكميات محدودة أيضاً. فإن الأرز المستورد من الباكستان والولايات المتحدة الأمريكية والهند ودول أخرى لم يعرف في هذه البلاد قبل إعلان تأسيس هذه الدولة الفتية عام 1357ه - 1937م.

وهذا يثبت أن قاطني جزيرة العرب وعبر العصور وتوالي الحضارات لم يكونوا يعرفون الأرز في غذائهم وإنما كانوا يعتمدون على القمح والشعير والذرة. كغذاء أساسي لهم، وهذه الحبوب تزرع هنا منذ القدم ولا تزال.

والحديث عن بدائل للأرز الهندي كونه يحتل المركز الأول والذي بدأ مصدّروه في المغالاة بأسعاره بحجة عزوف المزارعين الهنود عن زراعته وهي حجة مردودة لكون الهند تنتج سنوياً (90) مليون طن من الأرز يصدر منها مليون فقط أو يزيد قليلاً. أقول: والحديث عن البدائل يفترض أن يسير باتجاه استغلال ارتفاع أسعار الأرز لدعوة المجتمع عبر جهود توعوية مدروسة للتحول للدقيق بنوعيه الأسمر والأبيض إلى جانب المكرونة بأشكالها المختلفة والتي تصنع من الدقيق أيضاً.

وإذا كان الكبار (فوق سن الأربعين) الذين يشكلون (25%) من أفراد المجتمع السعودي يحبذون الوجبات المصنوعة من الدقيق الأسمر والجريش فإن جيل الشباب وكذلك الأطفال يميلون كثيراً للمكرونة. أما المعجنات ذات التشكيلة الواسعة ومعها الخبز وكذلك الحلويات وجميعها تصنع من الدقيق بنوعيه الأبيض والأسمر فيشترك في الإقبال عليها الكبار والشباب والأطفال.

بلغ اجمالي واردات المملكة من الأرز للعام المنصرم 1427ه (700) ألف طن وعلى ذمة مصدر آخر (900) طن تقريباً انفق عليها المستهلكون ما يقارب الثلاثة مليارات. بينما بلغت الكميات التي تسلمتها صوامع الغلال من المزارعين من القمح لنفس العام مليونين طن.

وبحسب ما يقوله المختصون فإن (70%) من حبوب الأرز التي نتناولها يحولها الجسم إلى سكريات، وهذا يفسر سبب إدراج الأرز ضمن قائمة الممنوعات التي تحتويها حمية مرضى السكر.

أما لماذا تحول المجتمع السعودي في نظامه الغذائي لبضع الأرز على أنه مادة أساسية فذالك إنما جاء لعدة أسباب منها: سهولة تحضيره وسهولة هضمه وتنافس الموردين لجلب أفخر أنواعه وكثرة الأصناف التي تقدم على المائدة هذا من جانب. ومن جانب آخر تفشي ظاهرة الاعتماد على خدم المنازل في الطهي (....) وتكاثر المطابخ والمطاعم التي يقتصر نشاطها على تقديم الأرز واللحم فقط.

كل هذه الأسباب مجتمعة وغيرها دفعت المجتمع لتقديم الأرز على الدقيق. وهذا خطأ فادح يمس مباشرة الأمن الغذائي للمجتمع وقد ظهر ذلك جلياً في عامنا هذا.

بقي أن نشير إلى أنه حدث قبل عقدين من الزمان أن قام منتجوا ومسوقوا البن في الولايات المتحدة الأمريكية برفع أسعاره فتصدت لهم جمعيات نسائية ودعت ربات البيوت عبر وسائل الإعلام لمقاطعة شراء البن. فماذا كانت النتيجة؟. لم يجد المنتجون والمسوقون أمامهم سوى خيار واحد هو العودة بالأسعار إلى ما كانت عليه.

مسك الختام :

يروى أن شاباً كان يعمل في قصر الملك عبدالعزيز يرحمه الله بالرياض اتهم بأنه يختلس شوالات (أكياس) الأرز ويأخذها إلى خارج القصر. فصدر الأمر بالقبض عليه وإيداعه السجن وفي ذلك دلالة على أهمية الأرز وارتفاع شأنه لدى الملك.

ولأن والده قد مات وهو في الوقت نفسه وحيد أمه فقد بقيت المسكينة تدعوا ربها دون كلل أن يعيد لها ابنها الذي ربته من صغره على الفضيلة والاستقامة وتقوى الله.

وفي ذات ليلة (على حد قول الراوي) شاهد الملك رؤيا في المنام علم بعد تفسيرها أن الشاب بريء فأمر بالإفراج عنه وانعم عليه. ثم تبين بعد التحري أن عدداً من ذوي النفوذ المحيطين بالملك هم الذين يختلسون الأرز لينعموا بأكله هم وأفراد أسرهم بالنظر إلى عدم توفره بالسوق.

(ويضيف الراوي) أن الملك بعث أحد أبنائه ويعتقد بأنه الملك سعود يرحمه الله لمنزل الشاب ليطيب خاطر والدته المضيومة التي رآها الملك في منامه.