عنوان الكتاب: منطق البحث العلمي

المؤلف: كارل بوبر

ترجمة: د. محمد البغدادي

الناشر: المنظمة العربية للترجمة، وتوزيع مركز دراسات الوحدة العربية.

سنة النشر: 2006

عدد الصفحات: 603صفحات.

يقول السير هيرمان بوندي "باختصار، ليس العلم شيئا أكثر من منهجه، ومنهجه ليس شيئا أكثر مما قاله كارل بوبر" وما قاله كارل بوبر في منهج العلم يوجد هنا في كتابنا هذا الأسبوع.

يقول الدكتور عادل مصطفى صاحب كتاب (كارل بوبر مئة عام من التنوير ونصرة العقل)، "ولأول مرة في تاريخ العلم الحديث، وبشكل غير مسبوق في تاريخ الممارسة العلمية، صرنا نرى كبار العلماء وأفذاذهم يتدافعون إلى مائدة أحد الفلاسفة ويتسابقون على التهام أعمالهم واستلهامهم ويفيدون من مناهجه واستبصارهم في نشاطهم الفعلي...". هذا الحدث مهم فالفترة السابقة ليست بالقصيرة فمع التقدم العلمي الهائل أصبحت الفلسفة تحتل المرتبة الثانية وأصبح القول هو قول العلماء المتخصصين. مع بوبر ومن خلال إنتاجه في نظرية المعرفة خصوصا أصبح العلماء في الفيزياء والرياضيات يتواصلون مرّة أخرى مع التنظيرات الفلسفية. كانت التطورات العلمية توصلت إلى أسئلة كبيرة ليس لها إلا التفكير الفلسفي. كان بوبر أحد رموز هذه الفترة بوصفه تصدى للأسئلة المعرفية الكبرى التي واجهت النظريات العلمية الكبرى. عاش بوبر بداياته الفكري في وقت توهج مجموعة من التيارات الفلسفية والنظريات العلمية كالمنطقية الوضعية ونظرية النسبية ونظرية الكم. أزمة العلم في بداية القرن العشرين جعلت من إعادة التفكير مجددا في أسس التفكير أمرا لازما يقول هايزنبرغ عام 1927لطلابه في لايبزيغ أنه ينبغي "مجابهة المهمة الكأداء ألا وهي إعادة النظر في المشكلة الأساسية لنظرية المعرفة حسب كانط، أي ،كما يقال، إعادة العمل بكامله". ليست الأزمة إذن أزمة العلم فقط بل أزمة التفكير البشري، أزمة الفلسفة، يقول هوسيرل "إن أزمة العلوم هي أزمة فكرة العلم، وإن هذه الأزمة تطال المنشأة الفلسفية نفسها، في التصور الذي تتصوره لنفسها في علاقتها بمشكلة المعرفة".

الكتاب:

صدرت الطبعة الأولى لمنطق البحث سنة 1934ولم تتوقف إضافات وتنقيحات بوبر عليه إلا في 1994.ستين سنة وهذا الكتاب محل إضافات وتعديلات جاءت تجاوبا مع تطورات فكر بوبر والجدالات والانتقادات التي أثيرت حول الكتاب. إلا أن الأفكار الرئيسية للكتاب لم تتغير طيلة هذه المدة كما يتضح من ثبات متن الكتاب وإدخال الأفكار الإضافية عن طريق ملاحق على الكتاب (تمثل الملاحق الإضافية والجديدة نصف الكتاب تقريبا).

في مقدمة الطبعة الإنكليزية للكتاب يتوجه بوبر مباشرة إلى سؤال المعرفة من خلال مناقشته لمدارس التحليل اللغوي السائدة في عصره 1959.لا يعتقد المحللون اللغويون بوجود مشاكل فلسفية حقيقية إنما هي مشاكل استعمال الألفاظ أو مسائل معنى الكلمات. أما بوبر فيعتقد بوجود مشكلة فلسفية واحدة على الأقل تهم كل ذي فكر وهي مشكلة الكوسمولوجيا: مشكلة فهم العالم، بما في ذلك فهم أنفسنا وفهم معرفتنا. وهو يقر أن فهم اللغة ووظائفها جزء لا يستهان به من هذه المهمة إلا أن مشاكلنا لا تقتصر على سوء التفاهم اللغوي ولا تقتصر مهمتنا على إزالته. كما يطرح بوبر حجة ثانية أمام مدارس التحليل اللغوي وهي: أن المشكل المركزي في نظرية المعرفة (الإبيستمولوجيا) كان ولا يزال نمو المعرفة. ولكي نستطيع دراسة هذا النمو لا بد من دراسة نمو العلم ولا يمكن استبدال دراسة نمو العلم بدراسة الاستعمال اللغوي أو النظمات اللغوية. والطريقة الفلسفية التي هي طريقة كل نقاش عقلاني وهي بالتالي طريقة العلوم الطبيعية وهي الطريقة القائمة على صياغة المشكل بوضوح وبتفحص مختلف الحلول المقترحة تفحصا نقّادا. والنقد هنا عند بوبر يساوي النقاش العقلاني ولا يمكن فصله عنه.

يتكون الكتاب من قسمين (مدخل - لبنات في نظرية الخبرة) وملحقات. يتكون القسم الأول من فصلين والقسم الثاني من عشرة فصول.

الحد الفاصل بين العلم واللاعلم (الميتافيزياء)

مشكلة تحديد الفاصل بين العلم التجريبي من جهة والرياضيات والمنطق من جهة أخرى ثم بينها وبين النظم الميتافيزيائية هي مشكلة أساسية تعود إليها جل مشاكل نظرية المعرفة. ماهي الشروط التي إذا توفرت في نظرية ما أمكن القول انها نظرية علمية ؟ يفحص بوبر أولا الإجابات السائدة. كان الجواب الأوسع قبولا ذلك الوقت هو أن العلم يتميز عن العلم الزائف أو الميتافيزياء ب"منهجه التجريبي" وهو منهج استقرائي في الصميم. الاستقراء يعني أن يلاحظ الباحث عددا من الوقائع والأحداث ثم تقوده ملاحظاته هذه إلى استنتاج نظرية تصف وتفسر الظاهرة. بوبر يرى أن الأمور لا تتم بهذه الطريقة وأن الباحث لا يلاحظ وهو خالي الذهن بل تسبق وترافق عملية الاستقراء الكثير من الأفكار السابقة والحدوس والخيالات ومن هنا فبوبر لا يهمه كيف استنتجت النظرية بل يهمه فحصها بعد أن تنتج وفقا لمعيار قابلية التكذيب أو التفنيد وهذا المعيار هو الحد الفاصل بين العلم واللاعلم. ومعيار القابلية للتكذيب أو التفنيد يعني أن النظرية تسمح بإجراء اختبارات تكذيب عليها. صمودها أمام التكذيب هو الذي يعطيها قيمتها العلمية. لا يهم هنا عدد الملاحظات والشواهد على صحة القضية بقدر ما يهم أن تكذيبها ممكن ولكنه لم يحدث. النظريات غير الممكن تكذيبها تجريبيا هي نظريات غير علمية. يقارن بوبر بين الماركسية والفرويدية من جهة والنظرية النسبية لآينشتاين من جهة أخرى. النسبية يمكن إجراء تجارب تكذيب لها. أي إجراء اختبارات هدفها تكذيبها ومع ذلك صمدت ولذا فهي علمية حتى الآن. أما الماركسية والفرويدية فلا يمكن إجراء تجارب لتكذيبها فهي محصنة ضد التكذيب بسبب غموضها أو بسبب آلياتها المصممة للتملص من الأدلة المضادة ولذا فهي غير علمية. لا يعني هذا عند بوبر أنه لا فائدة من هذه النظريات ولكنه يعني ان تعامل من هذا المنظار يتم الاحتراس من نتائجها ومقولاتها.

بوبر والوضعية: جدل مستمر

رغم اعتراف بوبر بفائدة الفلسفة الوضعية خصوصا في توضيحها للعلاقة بين النظرية والتجربة فهي تتجاوز المنطق الاستقرائي. إلا أن هذا لا يعني أنه يتفق معه بل الاختلاف معه أساسي يتعلق بمفهوم العلم وأهدافه وغاياته. يأخذ بوبر على الوضعية أنها تطلب من العلم اليقين المطلق كما يعبّر دينغلر "منظومة معارف راسخة الأسس". بوبر لا يرجو من العلم اليقين المطلق بل يبحث فيه عن أفضل إمكانية منفتحة باستمرار على الأفضل والأفضل. اليقين المطلق عند بوبر ليس علما، النظرية العلمية يجب أن تكون منفتحة على إمكانية التكذيب والتفنيد. العلم لا ينبني على أساس من الصخر وإنما إن صح التعبير على أرض موحلة يقيم عليها نظرياته الجسورة. ويعيد بوبر ما قاله بلانك من قبل عن التفكير الوضعي "يتيح التطبيق الحاذق لشروط معيّنة جعل الظواهر تتطابق تماما مع الفرضيات. وفي هذا ما يرضي تماما مخيلتنا ولكنه لن يوسع معرفتنا".

النظرية الأفضل لدى بوبر هي تلك التي تصمد في التنافس أمام النظريات الأخرى والتي تبرر اختيارها بتخطيها لكل الفحوص القاسية التي أجريت عليها حتى الآن وبزعمها عن تحمّل أشد أنواع المراقبة الممكنة. الوضعية تفضل النظرية الأبسط بينما يأخذ بوبر بعين الاعتبار قساوة الفحوص. ومن هنا أيضا يصبح مفهوم البساطة أيضا مساويا للقابلية للفحص بمعنى أن النظرية البسيطة، ومن المعلوم أن الكثير من العلماء يرى أن بساطة النظرية إحدى مميزاتها وعناصر تفضيلها على غيرها، النظرية البسيطة لدى بوبر هي النظرية الأكثر قابلية للفحص والاختبار والتفنيد. إذن النظرية الأبسط أفضل لأنها تنطق أكبر ولأن مضمونها التجريبي أكبر ولأنها أخيرا أفضل قابلية للفحص.

لمن الفضل في تقدم العلم

في الفصول الأخيرة يدخل بوبر في جدال دقيق ورياضي متخصص مع النظريات الفاعلة في عصره، فهو يناقش النظرية النسبية ويرفق ردا من آينشتاين على آرائه ثم يناقش باستفاضة ودقة الفيزياء الاحتمالية ونظرية الكم. قد لا يتواصل القارئ غير المتخصص مع التفاصيل الدقيقة ولكن متابعة هذا الجدل مهم جدا فهو مثال جيد للتفكير العلمي المنضبط والمنطقي والذي لا يفتقد في ذات الوقت إلى النظرة الفلسفية العميقة التي تربط التفكير العلمي بآفاق أوسع وأكثر رحابة.

ومن النقاط المنهجية التي تأتي ضمن سياق نقد الاستقراء إجابة بوبر عن سؤال لمن الفضل في تقدم العلم يقول بوبر "لا يعود الفضل في التقدم العلمي إلى التراكم المستمر لإدراكاتنا الحسيّة ولا إلى تعلمنا من الزمن استعمال حواسنا على نحو أمثل. إن أخذ إدراكاتنا الحسية على عواهنها لا يؤدي بنا بتاتا إلى العلم مهما بذلنا في تجميعها وترتيبها.

إن وسيلتنا الوحيدة لوعي الطبيعة هي الأفكار وهي التوقعات اللامبررة والتأملات الجسورة التي لا نتوقف لحظة واحدة عن طرحها والرهان عليها: إن من لا يعرض أفكاره لخطر الدحض لا يشارك في اللعبة العلمية".

مهمة العلم

يختم بوبر متن الكتاب بحديث مهم عن مهمة العلم خصوصا أن نظرية بوبر في المعرفة تتهم بالرضوخ، يقول بوبر "هل يمكن وصف وجهة نظرنا هذه بالرضوخ ؟ هل لا يقوم العلم إلا بوظيفته البيولوجية: تعزيز نفسه بالتطبيقات العملية ؟ هل ستبقى مهمة العلم الفكرية غير قابلة للتحقق ؟ لا أرى ذلك فالعلم لا يركض وراء سراب الأجوبة النهائية أو سراب جعلها محتملة ولم يضع ذلك نصب عينيه البتة. إن ما يحدد طريق العلم هو هذه المهمة التي لا نهاية لها وإن لم تكن مستحيلة، المتمثلة بالاكتشاف غير المنقطع لمسائل جديدة أكثر عمقا وعمومية من سابقتها باستمرار وبإخضاع الأجوبة الحالية التي نحصل عليها إلى فحوص متجددة وأكثر صرامة باستمرار أيضا".

إن نظرية بوبر في المعرفة نظرية منفتحة باستمرار وتدفع بالعلم إلى آفاق أوسع وأرحب فهي تحرر التفكير العلمي من البحث عن اليقين الذي يقود غالبا إلى الانغلاق والتحجر. بوبر يتخلى عن مفهوم النظرية الصحيحة ويؤسس لمفهوم النظرية المعززة التي تدعمها التجارب حتى الآن، ويبقي الباب مفتوحا من أجل تفنيدها وتكذيبها. تطبيقات هذه الأفكار على النظريات في العلوم الإنسانية أنتج أحد أهم الانتقادات للماركسية والفرويدية والنظريات الشمولية عموما. كان بوبر بالتأكيد مؤسسا للانفتاح وناقدا للشمولية والانغلاق في المجال العلمي الطبيعي وفي مجال العلوم الإنسانية أيضا. يؤسس بوبر لمبدأ النقد الذي لا يمكن يوصف تفكير ما بأنه عقلاني دون أن يقوم عليها، برأيي أن هذا هو درس بوبر الأبلغ.

بقي توجيه الشكر العميق لمترجم الكتاب الدكتور محمد البغدادي أستاذ الفيزياء والرياضيات في جامعة دمشق والرباط وديجون بفرنسا. مؤسس ومدير مختبر الفيزياء النظرية في الرباط (1972- 1998) الذي استطاع تقديم الكتاب للقارئ العربي بشكل يجعل التواصل معه ممكنا للمهتم.