تجارة اللؤلؤ اشتهر بها أهل الخليج على مستوى العالم ككل وأصبح لها تجارها المعروفون ويسمى تاجر اللؤلؤ عند أهل الخليج "طواش" وقد درت الكثير من الأرباح على متعاطيها ولعل من اشهر تجار اللؤلؤ في القرن الثالث عشر الهجري وأوائل القرن الرابع عشر الهجري التاجر الشهير الشيخ محمد بن عبدالوهاب الفيحاني السبيعي الذي كان ملء السمع والبصر في منطقة الخليج هذا الرجل الذي لم يعط حقه من البحث وعن اطوار حياته فالمصادر شحت بما لديها من معلومات عن هذا العلم العالم الشهير المعطاء ذي الكرم والسخاء.

وشخصيته هذه تذكرنا بعلم آخر كان يحب العلماء والأدباء وهو أيضاً من تجار اللؤلؤ وقد سكن الزيارة بقطر انه الشيخ أحمد بن رزق الخالدي ولولا عناية الشيخ الأديب عثمان بن سند بهذا الرجل وتأليف كتاب عنه وعن حياته كما عرفنا ابن رزق تمام المعرفة بعكس الفيحاني رحمه الله فلم يكتب عنه معاصرون شيئاً يذكر.

ميلاده ونشأته:

ولد الشيخ محمد بن عبدالوهاب الفيحاني السبيعي في المحرق بالبحرين سنة 1260ه وكان أبوه من تجار اللؤلؤ المشهورين وتربي في كنف أبيه وأدخله أبوه المدرسة لتعليم القراءة والكتابة "الكتاتيب" ثم لما بلغ الخامسة عشرة ارسله أبوه الى مكة المكرمة لتلقي العلم على علماء المسجد الحرام. ولم تذكر المصادر من هم. هؤلاء الذين اخذ عنهم ثم رحل الى الأحساء وتلقى العلم على ايدي علماء الأحساء ومكث عاماً واحداً هناك. ثم رحل الى البحرين مقر اقامته وهو قد تزود من العلم والمعرفة وبالذات معارف عصره. وعندما توفي والده عام 1290ه حل محله في تجارة اللؤلؤ ووفق في هذا التجارة واشتهرت دائرة تجارته وأصبحت له سمعة طيبة لدى الوجهاء والأعيان بمنطقة الخليج خصوصاً لما عرف عنه من صدق في التعامل مع عملائه وطيب معاملة وكرم اخلاق وأريحية وكانت له جاذبية في الحديث في مجالسه وكل من تعامل معه.

ارتبط الفيحاني بعلاقات قوية مع زعماء المنطقة وبالذات الشيخ قاسم بن ثاني حاكم قطر وسلطان عمان السيد فيصل بن تركي بن سعيد وقد وهبه السلطان قصراً بجانب قصره في مسقط. عند زياراته المتكررة لعمان وله صلة جيدة مع حاكم البحرين الشيخ عيسى بن علي بن خليفة والشيخ مبارك بن صباح حاكم كويت وكانت بينه وبين مسؤولي الدولة العثمانية مراسلات وقد منحه الوالي العثماني بمقاطعة الأحساء مدحت باشا بأنه يمنح الباشوية وأقيم له احتفال بالأحساء بهذه المناسبة وذلك عام 1303ه بعد موافقة السلطان العثماني عبدالحميد الثاني رحمه الله.

1- انتقاله الى دارين:

بعدما توج الفيحاني برتبة باشا في الاحساء اتجه الى البحرين مسقط رأسه وبها تربى والتقى بجماعته اهل قرية القارية بقطر لأجل ان يرتب معهم انتقالهم الى بلدة دارين وما ندري ماهو السبب في اختياره لهذه القرية بالذات ولعل موقعها الاستراتيجي على ساحل الخليج العربي وقربها من البحرين وهي ليست بعيدة عن الكويت وكذلك مقر الولاية العثمانية اذ ان المنطقة الأحساء والقطيف كلها تابعة للدولة العثمانية ودارين تعد من القطيف استأذن الدولة العثمانية في انشاء كيان خاص به ومستقل. وفعلاً اتجه الى منطقة القطيف ومعه جماعته وأصبح أميراً لهم وشيخ دارين ويذكر تقرير بريطاني في هذا الحدث وبهذه الهجرة ستصبح بلدته "أي الفيحاني فارغة" عندما وصل الى دارين عام 1303ه للسكنى والاستقرار شيد قصراً على ساحل الخليج ولازالت اطلال هذا القصر باقية الى اليوم ويطلق عليها قلعة الفيحاني وتتكون هذه القلعة من برج وعدة مجالس ومجموعة كبيرة من الغرف وأصبحت هذه القلعة طرازاً معمارياً فريداً وقتها تليق بمكانة الشيخ الفيحاني محمد بن عبدالوهاب الحاتمي رحمه الله التي اصبحت قلعته مأوى الضيوف والعابرين من البر والبحر وقد زار هذه القلعة الكثير من علية القوم وأصحاب الوجاهة والرفعة في الجزيرة العربية والخليج العربي سيما أصدقاؤه في البحرين وللأسف الشديد فإن قلعته هذه لم يهتم بها من قبل المسؤولين عن آثار هذه البلاد فقد ازيلت القلعة ولم يبق الا رسوم من القصر وأصبحت أثراً بعد ما كانت عيناً.

صاهر الشيخ محمد الفيحاني شيخ قبيلة العجمان راكان بن حثلين ت - 1314ه فقد تزوج ابنته كما يذكر حفيده جاسم بن قاسم الفيحاني (1) ويورد الأستاذ المؤرخ مبارك الخاطر ان الفيحاني رحمه الله من شدة كرمه وأريحته وسخاءه المتناهي انه وضع دربيل مكبر بحيث اذا رأى سفناً ارسل قوارب صغيرة من خدمه لدعوتهم وليس ذلك فحسب بل يهدي هدايا عندما يرحلون ويتجهون الى مقصدهم وقد كتب الفيحاني لوحة في صدر مجلسه هذا البيت:

يا ضيفنا لو زرتنا لوجتنا

نحن الضيوف وأنت رب المنزل(2)

ولعل من اشهر الضيوف الذين حلواً في قصره الإمام عبدالرحمن الفيصل وأبناؤه الملك عبدالعزيز وسمو الأمير محمد وسمو الأمير سعد عام 1309ه في رحلتهم الى الكويت وقد اكرمهم الفيحاني.

ويذكر الأستاذان الفاضلان علي الفياض وعلي المناعي في مؤلفهما القيم ديوان الشاعر محمد بن عبدالوهاب الفيحاني عن جد الشاعر محمد بن عبدالوهاب الفيحاني قالا:..... ان الفيحاني هذا كان يملك ثروة تقدر بحوالي 12مليون روبية ويذكر المؤلفان ايضاً انه كان يراسل الشركات العالمية المتخصصة في صناعة اللؤلؤ كما انه كان خبيراً في اوزان اللؤلؤ ومثاقيله وأنواعه.

ويذكر انه بنى مسجداً بالمنامة ومنازل لفقراء طلبة العلم في البحرين وكذلك بنى مسجداً في العقير وكذلك بنى مسجداً عند اقامته بالجسرة بقطر.. وهكذا نرى ان الفيحاني رحمه الله يهتم ببناء المساجد في كل مكان يقيم فيه او في مواقع يحتاج فيها الناس الى تشييد مساجد فهو رجل خير ومتدين يحب بذل الخير والمعروف بين الناس لا يرد سائلاً مهما كان طلبه وحاجته بل انه يفرح حيثما يأتي اليه المحتاجون والفقراء فهو حقاً من الأجواد الذين شكروا نعمة المال في انفاقها في طرق الخير سيما بذل الطعام للناس في تلك الأزمنة القاسية التي لا يجد فيها الإنسان ما يسد جوعه. استمر الشيخ الأمير الفيحاني على عادته وسجاياه المتعددة الكريمة طوال حياته التي امتدت 64عاماً لم يتغير اي شيء من برنامجه اليومي بقصره بدارين وفي سنة 1324ه يذكر المؤرخ صالح الذكير ت - 1422ه رحمه الله في احدى مقالاته عن الفيحاني نقلاً عن ديوان الفيحاني.. ان تجارة اللؤلؤ بدأت تتضاءل وتضعف وتوالت على الفيحاني الخسائر والديون حتى وصل الى الإفلاس الكامل فقرر اغلاق ابواب قلعته ودار ضيافته وأصيب بمرض عضال وهاجر من دارين الى الهند ودخل احد مستشفياتها وهناك مات في هذا المستشفى ودفن في بومباي في مقابر المسلمين اما الرواية الثانية وهي رواية احد احفاده وهو عبدالوهاب الفيحاني وابن عمه محمد بن فهد الفيحاني احد الأحفاد كذلك فهما يؤكدان ان جدهما لم يلفس ابداً بل ذهب الى الهند وأصيب بنوبة قلبية اثر موقف حصل بينه وبين تجار اللؤلؤ وهو خليجي وتأثر من الموقف وأدخل المستشفى وتوفي فيه وهاتان الروايتان ذكرهما علي الفياض وعلي المناعي في كتابهما عن الشاعر الفيحاني الحفيد ورجحا الرواية الأخيرة.

هذه هي نهاية الباشا محمد بن عبدالوهاب الفيحاني بعد حياة مليئة بالأحداث والمواقف الكريمة القبيلة اجتمعت فيه صفات وأخلاق طيبة قل ان تجتمع في شخص لكنها اجتمعت في هذا الرجل المعطاء سخي النفس والكف انه شخصية تستحق ان تتوقف عندها كثيراً فهي شخصية مثالية في الخليج والجزيرة العربية ضرب فيها الفيحاني اعظم الأمثلة الخيرة ولعل حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ينطبق على شخصية الفيحاني نعم المال الصالح للرجل الصالح رحم الله الفيحاني واسكنه في منازل الأنبياء والشهداء والصالحين.

هوامش

(1) هذه رواية احد احفاد الفيحاني ولكن الرواية الأخرى تفيد ان الفيحاني لم يتزوج ابنة الشيخ راكان بن حثلين وإنما تزوج ابنة شخص من قبيلة العجمان يدعى خويلد كما تذكر رواية عبدالله بن رداس في كتابه شاعرات من البادية.

(2) هذا البيت مشهور ومتداول بين الناس لكنه غير منسوب في المصادر الأدبية.

(3) المراجع 1.ديوان الشاعر القطري محمد الفيحاني الناشر - المجلس الوطني للتراث والثقافة بقطر.

2.مقال من اعدادي بمجلة المها - العدد الثالث.

3.موقع الفيحاني قو