كقاعدة أساسية نستطيع أن نؤكد باستمرار ان اصطدام شخصين في الطريق لا يؤدي إلى تداخلهما بل في الغالب يؤدي إلى جروح، والتقاء شخصين أيضاً لا يؤدي إلى توحدهما بل يؤدي إلى منتج هو علاقة ذهنية بين عقلين.

ومن هذه القاعدة نجد أن هجرة العمالة الوافدة إلى منطقة الخليج ليست هجرة أفراد أو قوة عمل مجردة بل هي بالضرورة هجرة تقاليد وعادات وقيم ترافق المهاجر وهذه العمالة بثقافتها واستمرارها تتسرب داخل قطاعات المجتمع الخليجي، الأمر الذي يجعلها بطول فترة الاقامة تبدأ في الرسوخ كمكون ذهني اولا لدى المحيطين، ثانياً بالاحتكاك المباشر بالافراد فضلا عن تأثير أكثر يشكل خطراً مثلاً لذلك تأثير المربيات على النشئ في المنطقة وهو يكاد يكون اخطر الآثار المترتبة على وجود العمالة الوافدة.

والحقيقة أن العامل الأكثر لفتاً للنظر هو بالتحديد نقل الثقافة الآسيوية أي كانت جنسيتها لكنه اصطدام ثقافتين وعادتين أو قمتين لا ينتج شكلاً جديداً مختلفاً تمام الاختلاف عن المركب الثقافي السابق، هذا الشكل الجديد أو المركب يكاد يكون مسخاً متناهياً غير متماسك ولا تبدو له ملامح محددة فنموذج الطفل العربي ذو اللكنة الآسيوية وسط ثقافة عربية تماماً هو بالضرورة طفل مغترب عن ذاته ومجتمعه يظل في حالة صراع داخلية وخارجية دائمة.

كذلك من اخطر الآثار المترتبة على انتشار العمالة الوافدة ظاهرة (التواكل) والتكامل لدى المواطنين عن اداء الاعمال التي يشتركون فيها مع الوافدين، كذلك أدى إلى انصراف المواطن عن بعض المهن التي تتطلب العمل اليدوي والجهد.

الانفصال الآلي

امتلك المجتمع الخليجي منذ بداية الهجرة على هيئة موجات متلاحقة نقداً ذاتياً للدفاع ضد الآخر عن قيمته وثقافته، كان التعبير الذي يلاحظه المراقب هو استبعاد التجمعات الآسيوية إلى مناطق بعيدة وعلى هيئة مجموعات سمي بعضها:

  • مدن العزاب: توجد ثلاثة أنواع منها النوع الاول ويوجد:

في مدينة الباتان احدى ضواحي مدينة (العين) وتسكنها جماعة من الباكستانيين الذكور، سميت المدينة باسمهم، ولا يعرف بالتحديد عدد سكانها ولو أن بعض الصحف المحلية قدرته بنحو 40ألف نسمة، وقد نسبت الكثير من القصص الشيطانية إلى ساكنيها.

  • مجمعات العمل: فقد دخل على شكل مجمعات العمل، يقوم أسلوب العمل فيها على الاكتفاء الذاتي الكامل للمشروعات القائمة ليس من حيث توفير العمالة، لكن توفير جميع الملتزمات واقامة العمال خارج البلد طوال فترة التنفيذ وعادة يقيم العمال المستقدمون من جنوب شرق آسيا في معسكرات قريبة من موقع المشروع، وتكاد تكون منفصلة كلياً عن المجتمع، ويذهب البعض إلى أن هذا الشكل هو الاكثر قبولاً بالنسبة لبلدان الخليج، حيث انها تفصل بين السكان المحليين والأجانب، وبالتالي تقلل من تأثر المجتمعات الخليجية المحلية بمظاهر اجتماعية غير مرغوب فيها.

  • مدن مستقلة: برز مؤخراً في صورة مدن مستقلة بعيدة عن العاصمة والأماكن المملوءة بالسكان، مثل مدينة العزاب في الجهراء والفنطاس في دولة الكويت وهي مدن مفتوحة لكل العمال الأجانب العزاب باختلاف الجنسيات والمهن. اختراق ثقافة: الموقف الدفاعي الاجتماعي يحتم علينا أن ننظر إلى مشكلة التأثير السلبي للثقافة الدخيلة نظرة أكثر تدقيقاً من حيث العلاقات التاريخية بين جنوب شرق آسيا والخليج، فقد يبرر كثيرون مقولاتهم عن عدم خطورة مثل هذا الوضع بهذه العلاقات، لكن الحقيقة تكرر دائماً أن العلاقات التاريخية والاحتكاك الطبيعي لا يمثل خطورة ما.. لكن ازدياد الاعداد يمثل خطراً واضحاً حتى لو كانت هذه التجمعات المهاجرة ذات بنية ضعيفة وغير متماسكة. وعلينا أن نتذكر دائماً ان الاحصائيات الرسمية لا تشتمل على ذلك العدد الهائل من المهاجرين بصورة غير مشروعة.

ومن جانب آخر فإن العمالة الوافدة يغلب عليها ارتفاع نسبة الذكور، وتتضح هذه الظاهرة في (مدن العزاب) إذ تخلو تماماً من النساء وهي شبيهة بالثكنات العسكرية المنظمة دائماً، حيث تنتشر فيها الجرائم..

وبانتشار نسبة الأمية فيها فهي ليست (صفوة) متعلمة يمكن أن ترى الثقافة في المجتمع الذي انتقلت اليه عن طريق الحوار الثقافي والاحتكاك الاجتماعي ونقل التجارب بل هي تضاعف من الصعاب التي يعاني منها وضع ثقافي له مشكلات يتطور ذاتياً، وواضح مما سبق أن الهجرة الآسيوية ليست قصيرة المدى بل هي زاخرة بامكانات الصراع والتوتر بسبب تدني المستوى التعليمي وغلبة عنصر الذكور وتكدسهم في معسكرات تخلو من كل وسائل الترفيه، بالإضافة إلى معاناتهم من الاغتراب الاقتصادي والروحي وشعورهم الدائم بالحرمان وسط نعيم وترف زائرين عن حدودهما كما يظنون.

@ عضو المجلس البلدي بمنطقة جازان