لم تكن المخدرات وليدة عام أو عامين بل من آلاف السنين فقد ورد في تراث الحضارات القديمة آثار كثيرة تدل على معرفة الانسان بالمواد المخدرة منذ تلك الأزمنة البعيدة، وقد وجدت تلك الآثار على شكل نقوش على جدران المعابد او كتابات على أوراق البردى المصرية القديمة أو كأساطير مروية تناقلتها الأجيال.

وفي هذا الموضوع سوف نعرج بالقارئ الكريم حول آفة المخدرات.. منذ النشأة الأولى وعن طريقة اكتشافها وتعريفها والاضرار التي تخلفها هذه الآفة على الفرد والأسرة والمجتمع.

تعتبر اللغة العربية من أبرع اللغات حيث تعطي الألفاظ المستخدمة معاني دقيقة للكلمة.. وتدور معاني كلمة خدر حول الستر، والمخدر هو: ما يستر الجهاز العصبي عن فعله ونشاطه المعتاد.

تعريف المخدرات في الفقه الإسلامي:

الإسلام هو الوحيد من الأديان ومن بين الأنظمة والقوانين الذي وضع تعريفا للمخدر وفي الحديث يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم "ما أسكر كثيره فقليله حرام".

و"المسكر": هو ما غطى العقل "وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام" والمفتر كما يقول الخطابي:

"هو كل شراب يورث الفتور والخدر، وهو مقدمة السكر".

التعريف العلمي للمخدرات:

المخدر مادة كيميائية تسبب النعاس والنوم أو غياب الوعي المصحوب بتسكين الألم.

التعريف القانوني للمخدرات:

المخدرات مجموعة من المواد التي تسبب الادمان وتسمم الجهاز العصبي ويحظر تداولها او زراعتها او صنعها الا لأغراض يحددها القانون ولا تستعمل الا بواسطة من يرخص له بذلك وسواء كانت تلك المخدرات طبيعية كالتي تحتوي أوراقها وازدهارها وثمارها على المادة الفعالة المخدرة أو مصنعة من المخدرات الطبيعية وتعرف بمشتقات المادة المخدرة او تخليقية وهي مادة صناعية لا يدخل في صناعتها وتركيبها اي نوع من أنواع المخدرات الطبيعية او مشتقاتها المصنعة ولكن لها خواص وتأثير المادة المخدرة الطبيعية.

وفيما يلي لمحة تاريخية عن أشهر أنواع المخدرات التي عرفها الانسان وأضرارها.

1- الكحوليات:

تعتبر الكحوليات من اقدم المواد المخدرة التي تعاطاها الانسان، وكانت الصين اسبق المجتمعات الى معرفة عمليات التخمير الطبيعية لأنواع مختلفة من الأطعمة، فقد صنع الصينيون الخمور من الأرز والبطاطا والقمح والشعير، وتعاطوا انواعا من المشروبات كانوا يطلقون عليها "جيو" اي النبيذ، ثم انتقل اليهم نبيذ العنب من العالم الغربي سنة 200قبل الميلاد تقريبا بعد الاتصالات التي جرت بين الامبراطوريتين الصينية والرومانية، واقترن تقديم المشروبات الكحولية في الصين القديمة بعدد من المناسبات الاجتماعية مثل تقديم الأضاحي للآلهة او الاحتفال بنصر عسكري، وهذا نموذج ليس متفردا في قدم وتلقائية معرفة الانسان للكحوليات، كما لهذا النموذج شبيه في الحضارات المصرية والهندية والرومانية واليونانية، كما عرفت الكحوليات المجتمعات والقبائل البدائية في افريقيا وآسيا.

2- الحشيش (القنب)

القنب كلمة لاتينية معناها ضوضاء، وقد سمي الحشيش بهذا الاسم لأن متعاطيه يحدث ضوضاء بعد وصول المادة المخدرة الى ذروة مفعولها، ومن المادة الفعالة في نبات القنب هذا يصنع الحشيش، ومعناه في اللغة العربية "العشب" او النبات البري ويرى بعض الباحثين ان كلمة حشيش مشتقة من الكلمة العبرية "شيش" التي تعني الفرح، انطلاقا مما يشعر به المتعاطي عند تعاطيه الحشيش.

وقد عرفت الشعوب القديمة نبات القنب واستخدمته في اغراض متعددة، فصنعت من أليافه الحبال وأنوعا من الاقمشة ومن أوائل الشعوب التي عرفته واستخدمته الشعب الصيني، فقد عرفه الامبراطور شن ننج عام 2737ق.م وفي القرن السابع قبل الميلاد استعمله الاشوريون في احتفالاتهم وسموه نبتة "كونوبو" واشتق العالم النباتي ليناوس سنة 1753م من هذه التسمية كلمة "كنابيس" Cannabis

أما الهنود فقد استخدموا الكنابيس (القنب - الحشيش) في طقوسهم وحفلاتهم وورد ذكره في اساطيرهم القديمة ولا يزال يستخدم هذا النبات في معابد الهندوس والسيخ في الهند ونيبال ومعابد اتباع شيتا في مناسباتهم حتى الآن.

وقد عرف العالم الاسلامي الحشيش في القرن الحادي عشر الميلادي، حيث استعمله قائد القرامطة في آسيا الوسطى حسن بن صباح، وكان يقدمه مكافأة لأفراد مجموعته البارزين، وقد عرف منذ ذلك الوقت باسم الحشيش، وعرفت هذه الفرقة بالحشاشين.

أما اوروبا فعرفت الحشيش في القرن السابع عشر عن طريق حركة الاستشراق التي ركزت في كتاباتها على الهند وفارس والعالم العربي، ونقل نابليون بونابرت وجنوده بعد فشل حملتهم على مصر في القرن التاسع عشر هذا المخدر الى أوروبا.

وكانت معرفة الولايات المتحدة الاميركية في بدايات القرن العشرين، حيث نقله اليها العمال المكسيكيون الذين وفدوا الى العمل داخل الولايات المتحدة.

3- الأفيون

أول من اكتشف الخشاش (الأفيون) هم سكان وسط آسيا في الألف السابعة قبل الميلاد ومنها انتشر الى مناطق العالم المختلفة، وقد عرفه المصريون القدماء في الألف الرابعة قبل الميلاد، وكانوا يستخدمونه علاجا للأوجاع، وعرفه كذلك السومريون وتحدثت لوحات سومرية يعود تاريخها الى 3300ق.م عن موسم حصاد الافيون، ولكنهم اساؤوا استعماله فأدمنوه، وأوصى حكماؤهم بمنع استعماله، وقد أكدت ذلك المخطوطات القديمة بين هوميروس وابوقراط ومن ارسطو الى فيرجيل.

وعرف العرب الأفيون منذ القرن الثامن الميلادي، وقد وصفه ابن سينا لعلاج التهاب غشاء الرئة الذي كان يسمى وقتذاك، "داء ذات الجنب" وبعض أنواع المغص، وذكره داود الانطاكي في تذكرته المعروفة باسم "تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب" تحت اسم الخشخاش.

وفي الهند عرف نبات الخشاش والأفيون منذ القرن السادس الميلادي، وظلت الهند تستخدمه في تبادلاتها التجارية المحدودة مع الصين الى أن احتكرت شركة الهند الشرقية التي تسيطر عليها انجلترا في أوائل القرن التاسع عشر تجارته في اسواق الصين.

وقد قاومت الصين اغراق اسواقها بهذا المخدر، فاندلعت بينها وبين انجلترا حرب عرفت باسم حرب الافيون ( 1839- 1842) انتهت بهزيمة الصين وتوقيع معاهدة نانكين عام 1843التي استولت فيها بريطانيا على هونغ كونغ، وفتحت الموانئ الصينية امام البضائع الغربية بضرائب بلغ حدها الأقصى 5%.

واستطاعت الولايات المتحدة الاميركية الدخول الى الأسواق الصينية ومنافسة شركة الهند الشرقية في تلك الحرب، فوقعت اتفاقية مماثلة عام 1844، وكان من نتائج تلك المعاهدات الانتشار الواسع للأفيون في الصين، فوصل عدد المدمنين بها عام 1906على سبيل المثال خمسة عشر مليونا، وفي عام 1920قدر عدد المدمنين ب 25% من مجموع الذكور في المدن الصينية واستمرت معاناة الصين من ذلك النبات المخدر حتى عام 1950عندما اعلنت حكومة ماتوتسي تونغ بدء برنامج فعال للقضاء على تعاطيه وتنظيم تداوله.

4- المورفين:

وهو أحد مشتقات الأفيون، حيث استطاع العالم الالماني سير تبرز عام 1806من فصلها عن الأفيون، واطلق عليها هذا الاسم وقد ساعد الاستخدام الطبي للمورفين في العمليات الجراحية خاصة ابان الحرب الأهلية التي اندلعت في الولايات المتحدة الاميركية ( 1861- 1861) ومنذ اختراع الابرة الطبية اصبح استخدام المورفين بطريقة الحقن في متناول اليد.

5- الهيروين:

وهو ايضا احد مشتقات المورفين الأشد خطورة، اكتشف عام 1989وانتجته شركة أدوية ثم أسيء استخدامه وادرج ضمن المواد المخدرة فائقة الخطورة.

6- الامفيتامينات (المنشطات):

تم تحضيرها لأول مرة عام 1887لكنها لم تستخدم طبيا الا عام 1930، وقد سوقت تجاريا تحت اسم البنزورين، وكثر بعد ذلك تصنيع العديد منها مثل الكيكيدرين والمستيدرين والريتالين، وكان الجنود والطيارون في الحرب العالمية الثانية يستخدمونها ليواصلوا العمل دون شعور بالتعب، لكن استخدامها لم يتوقف بعد انتهاء الحرب، وكانت اليابان من أوائل البلاد التي انتشر تعاطي هذه العقاقير بين شبابها حيث قدر عدد اليابانيين الذين يتعاطونها بمليون ونصف المليون عام 1954، وقد حشدت الحكومة اليابانية كل امكاناتها للقضاء على هذه المشكلة ونجحت بالفعل في ذلك الى حد كبير عام

7.1960- الكوكايين

عرف نبات الكوكا الذي يستخرج منه الكوكايين في اميركا الجنوبية منذ أكثر من ألفي عام وينتشر استعماله لدى هنود الأنكا، وفي عام 1860تمكن العالم الفرد نيمان من عزل المادة الفعالة في نبات الكوكا، ومنذ ذلك الحين زاد انتشاره على نطاق عالمي، وبدأ استعماله في صناعة الأدوية نظرا لتأثيره المنشط على الجهاز العصبي المركزي، ولذا استخدم بكثرة في بعض المشروبات لكنه استبعد من تركيبتها عام 1903، وروجت له بقوة بعض شركات صناعة الأدوية وكثرت الدعايات التي كانت تؤكد على أن تأثيره لا يزيد على القهوة والشاي، ومن أشهر الأطباء الذين روجوا لهذا النبات الطبيب الصيدلي الفرنسي انجلو ماريان، واستخدمته تلك الشركات في أكثر من 15منتجا من منتجاتها.

وانعكس التاريخ الطويل لزراعة نبات الكوكا في اميركا اللاتينية على طرق مكافحته فأصبحت هناك امبراطوريات ضخمة - تنتشر في دول امريكا الجنوبية - لتهريبه الى دول العالم، وتمثل السوق الاميركية أكبر مستهلك لهذا المخدر في العالم.

8- القات

شجرة معمرة يراوح ارتفاعها ما بين متر إلى مترين، تزرع في اليمن والقرن الافريقي وافغانستان واواسط آسيا.

اختلف الباحثون في تحديد اول منطقة ظهرت بها هذه الشجرة، فبينما يرى البعض ان اول ظهور لها كان في تركستان وافغانستان يرى البعض الآخر ان الموطن الاصلي لها يرجع الى الحبشة. عرفت اليمن والحبشة في القرن الرابع عشر الميلادي، حيث اشار المقريزي ( 1364- 1442) الى وجود "شجرة لا تثمر فواكه في ارض الحبشة تسمى بالقات، حيث يقوم السكان بمضغ أوراقها الخضراء الصغيرة التي تنشط الذاكرة وتذكر الانسان بما هو منسي، كما تضعف الشهية والنوم".

وقد انتشرت عادة مضغ القات في اليمن والصومال، وتعمقت في المجتمع وارتبطت بعادات اجتماعية خاصة في الأفراح والمآتم وتمضية أوقات الفراغ، مما يجعل من مكافحتها مهمة صعبة، وكان اول وصف علمي للقات جاء على يد العالم السويدي بيروفورسكال عام