الشعر الصادق الصادر من القلب، تحس أن فيه تياراً حاراً تنتقل حرارته إليك.. تشعر وأنت تسمعه.. أوتقرؤه.. أو يشدو به مغن.. أنَّهُ ينفذ إلى أعماق حسِّك.. ويكاد يأخذ نفسك من نفسك..

@ @ @

حين يسري تيار العاطفة في وجدان شاعر.. يشبه تيار الكهرباء حين يسري في الأسلاك.. ويحمل الطاقة إلى الأطراف.. طاقة المشاعر المحمولة على أسلاك القلب تندفع مُنَّقدة على اللسان..

هذا ما شعرت به حين سمعت قصيدة الشاعر "منصور المفقاعي" الآتية يشدو بها طلال مداح بصوته الجميل..

وهو ما شعرت به حين قرأتها في كتاب (السامري والهجيني) للأستاذ محمد بن عبدالله الحمدان، ص

.49.والآن.. إلى القصيدة!

@ @ @

يا حبيبي حكمتء وَخَلِّ حكمك عَدَالء

سوّ بي ما تشا وافعل على ما تريدء

الله اللي عطاك وصوَّرك بالجمالء

فارق بالبها والملح فرق بعيدء

من تجي راس ماله ما يبي راس مالء

ان حيا جنّته وان مات يكتب شهيد

آه من فات عمر ما اهتنا بالوصَالء

راح عمري بلاش، وعشت عيشة شريد

جلّ من صوّرك وكمَّلك بالكمالء

أشهد اللي ينالكء ذاك حظّه سعيدء

يا حسينَ البها ما عاد فيّ احتمالء

باح صبري وحبك كل يوم يزيد

ساهرات عيوني فيك طول الليالء

باكي واتذلَّل كود فيكم يفيد"! (1)

هذه أنفاس عاشق.. ومواهب شاعر.. وإذا اجتمع عشقٌ حقيقي مع موهبة أصيلة ظفرنا بشعر ينبض بالحياة..

@ @ @

إن الشعر فيه حي وميت، كالغادة الحسناء تمور بالحياة وتتكلم وتسحر بالنظرات، والدمية التي صُنعَتء أجمل صنعة وروعيت فيها كل مقاييس الجمال ولكنها - واأسفاه - تخلو من الحياة..

والحياة هي الأساس..

الشعر الحي هو الذي يصدر عن عاطفة صادقة، حية، متوثبة، متوهجة، تندفع في سيل من الألفاظ والصور والتراكيب تخلقها هي وتسبقها وما الألفاظ والصور والتراكيب إلا خَدَمٌ مخلصون يحفون بها ويرمزون لها، فتحس أن صداها في أعماقك أقوى من تلك الألفاظ والصور والتراكيب.. والشعر الميِّت هو الذي يصنعه صاحبه صناعة، كما يصنع المَهَرة دُمَاهم الجميلة، التي مهما بلغ بها الجمال لن تتجسَّد فيها الحياة..

الشعر الميت لا يصدر عن عاطفة حية، ولكنه يصدر عن عاطفة ميتة يحاول صاحبها أن يجعلها - بصناعته - حية.. وهيهات..

والغزل في الشعر من أوضح الفنون التي يبين فيها صادق الشعر من كاذبه، ومطبوعه من مصنوعه، فكلما سرت إلى سامعه وقارئه عواطف قائله وأيقظت هواجع عواطفه، كان أصدق وأقرب إلى الحياة، بقدر ما يفعل..

أما إذا تبدى شعر الغزل أوصافٌ مرصوصة، وكلمات مسبوكة، دون أن تؤثر في عواطف القارئ، أو تثير مواجده، فإنه من الشعر الميت، وإن كان شعراً، وإن كان قائله شاعراً، المهم حقاً هو أن يكون قائله قد اكتوى بنار الحب، وذاق لوعته، ليأتي شعره حاراً نابضاً بالحياة، في حرارة تجربته وما مَرَّ به من معاناة..

@ @ @

ولا أزعم أن قصيدة الحب أعلاه من أكثر الشعر انتفاضاً بالحياة.. ولكنني أقول إنها قصيدة حية.. عواطف قائلها مُتَّقدة.. وأبياته تحاول قدر المستطاع التفجر بهذه العاطفة، وقد يكون لتغني طلال بها دور كبير في بعث الحياة فيها..

من شعر الغزل الحي في الأدب العربي قول جعفر الحارثي وهو مسجون في دم وسوف يُعدم:

هوايَ مع الركب اليماني مُصءعدٌ

جنيبٌ، وجثماني بمكة مُوءثَقُ

عجبءتُ لمسراها وأنَّى تخلَّصَتء

إليَّ وبابُ السجن دونيَ مُغءلَقُ

ألمَّتء فحيَّتء ثم قامت فودَّعتء

فلمَّا تولتء كادت النفسُ تزهقُ

فلا تحسبي أَنِّي تخشعتُ بعدكم

لشيء ولا أني من الموت أفرقُ

ولكن عَرَتءني من هواك ضَمَانَةٌ (2)

كما كنتُ ألقى منك إذا أنا مُطءلَقُ

ومن الشعر المصنوع قول صفي الدين الحلي:

جَلَّ الذي أطلع شمسُ الضحى

مشرقة في جُنءح ليل بهيمء

وقدَّر الخالَ على خَدِّه

(ذلك تقديرُ العزيز العليم)

لمّا انحنى حاجبه وانثنى

يَهز للعشاق قدَّاً قويمء

داو حبيبي يا طيب اللوى

وخلِّني إني بحالي عليمء

فَخصُرُه واه وأجفانُهُ

مريضةٌ واللحظُ منهُ سقيمُ

إن صناعته محبوكة وجميلة ولكنها واضحة، ومهما يتفنن صانع الدمية فلن نحس فيها بالحياة..

إن الشعر الجميل حين يشدو به صوت جميل، مثل أم كلثوم وفيروز وطلال ومحمد عبده وماجدة الرومي، يزداد جمالاً، وتصدح به الألحان، وتردده الألسن، ويحلو وقعه في الآذان، مع أن الشعر الجميل يقوم بنفسه، فجماله في ذاته، والجمال الشعري في تراثنا غزير، في القديم والحديث، في الشعبي والفصيح..

قيل لأم كلثوم في برنامج إذاعي سمعته بنفسي:

  • الأغنية الناجحة لها ثلاثة أركان:

الكلمات.. واللحن.. والصوت.. فأي هذه الأركان هو الأهم؟

فقالت ما معناه:

  • الكلمات هي الأهم.. الشعر هو الركن الأساسي في الأغنية الناجحة.. لأن الملحن ينفعل مع الكلمات الجميلة فيبدع ألحاناً فريدة.. والمغني يتفاعل مع الشعر الجميل فيخرج الغناء من أعماق إحساسه.. وكأنه هو الذي قال تلك الكلمات..

واستشهدت بشعر أحمد شوقي الذي تعتبره أفضل الشعراء.. وكيف أن شعره يكاد يغنى بدون مُغَنّ..

@ @ @

وعوداً إلى قول شاعرنا منصور المفقاعي:

من تجي راس ماله ما يبي راس مالء

ان حيا جنَّته وان مات يكتب شهيدء

يذكرني بموقف للحسن البصري رحمه الله، تقدمت له امرأة وهو يعظ الناس في حلقته، فقالت: سمعتك تدعو الرجال إلى أن يتزوجوا مثنى وثلاث ورباع؟ فقال نعم، قالت: وعلى مثلي؟ وأسفرت عن وجه كالبدر، فقال الحسن حين ذهبت: "ما على رجل في رُبءعَة من رُبءع بيته أنء تولي عنه الدنيا بحذافيرها"!

قلت: هذا كلامٌ جميل وفيه عاطفة حارة، في وقتها، وهو وقت الحرمان من الحبيب، ولكن لو تزوج شاعرنا صاحبته وعُدمَ كل رأس ماله.. ما الحال؟.. لا نريد أن نفصل فالشعر وردة إذا دعكتها أفسدتها..

@ @ @

وقوله:

ان حيا جنته وان مات يكتب شهيداً يريد (جنة الدنيا) والزواج من المعشوقة كذلك، ما دام العشق مضطرماً، فالعشق رجل وامرأة وحرمان. والزواج مقبرة الحب.. على الأقل "الحب الملتهب" فدوام الوصال يطفئ نار الحب، وما تملكه اليد تزهد فيه العين، ولو بعد زمن.. ولكن الشعر ابن لحظته وليد تأجج عاطفته ولا يحسن مناقشته بالعقل..

هو بوح القلب في اللحظة التي يبوح فيها القلب.. وقوله (يُكتب شهيداً) فيه نقاش فقهي، وقد خرجنا من الفن إلى الفقه..

يقول الإمام ابن القيم:

"وأما حديث "مَنء عشق فعف فمات فهو شهيد" فقد رواه سويد بن سعيد وقد انكره حفاظ الإسلام عليه، والصواب أنه من كلام ابن عباس.. موقوفاً.. وحسب قتيل العشق أن يصح هذا الأثر عن ابن عباس.. ولكن العاشق إذا صبر وعف وكتم مع قدرته على معشوقه وآثر محبة الله وخوفه ورضاه، هذا من أحق من دخل تحت قوله تعالى: (ولمن خاف مقام ربِّه جنتان) ابن القيم الجواب الكافي ص 227وانظر روضة المحبين له ص

179.---------

(1) كود: لعل

(2) ضمانة: أسى.