هناك ظواهر تفرض نفسها، بما إنها علامات ثقافية، ولا شك أن من عاش في جدة وفي وسطها الثقافي لن يغيب عنه ملاحظة الصور المتعددة لوجوه ثقافية استقطبتها هذه المدينة الجذابة، من سائر مدن الحجاز، وتجد المكي والمدني من المثقفين والأدباء الذين تكونوا في بيئاتهم الأصلية ثم قدموا إلى جدة ليتكون منهم وسط ثقافي وصحافي وإعلامي متنوع ومركب، ولا شك ان أبا تراب الظاهري، المتكون مكياً وفي الحرم الشريف والمترحل في طلب العلم إلى الهند حتى حصل على الماجستير من هناك، وتخصص في اللغة والشريعة، وجاء ممتلئاً بالعلم ومكتنزاً بالمعلومات والمرجعيات العلمية، حتى لكأنه موسوعة متحركة. لا شك انه قد كان ظاهرة ثقافية وعلامة ملحوظة.

وكل من جالس أبا تراب لحظ فيه هذا التعدد المركب، فهو إلى جانب وقاره وسمته الشديد ومظهره الثراثي شكلاً وتصرفاً، هو - أيضاً - رجل مرح ودود وساخر ولمّاح واجتماعي ومندمج مع كل فئات وطبقات وعينات الناس، حتى ليكون شعبيا خالص الشعبية ونخبويا خالص النخبوية في آن وفي المجلس ذاته، ويكون جاداً صارماً ثم يقلب إلى مازح خفيف النفس والظل.

جمعتني به لقاءات النادي الأدبي الثقافي بجدة، الرسمية والأخوية، ولقد كانت عصبة النادي عصبة اجتماعية مثلما هي مجلس إدارة وعمل، وكان لعبدالفتاح أبو مدين خياراته الاجتماعية المتنوعة، ومن بين هذه الخيارات كانت صحبته لأبي تراب وصداقته، وهي صحبة تحولت لتكون صحبة لي، وكل صحبة أبي مدين صارت صحبة لي بسبب الألفة التي جمعتني به وبكل من أحب وصاحب.

ولقد كان الأستاذ "أبو تراب" أحد المرتبطين بالنادي، أو لنقل إنه أحد من اتخذه النادي ركناً له وسنداً وصاحباً وراعياً.. وتعددت لقاءاتنا معه في كل دوائر العلاقات بما فيها الأخوي والاجتماعي، وكانت هذه اللقاءات مجالس علم ومسامرة، تنطلق فيها ذاكرة أبي تراب في كل فن وعلم، ولم يكن أسعد عنده من سؤال يأتيه حول مسألة من مسائل اللغة أو الفقه حتى يهب للجواب، ولم يكن يكفيه جواب واحد، بل كان يشغل نفسه بعد ان ينصرف إلى بيته، ويظل يبحث في مظانّ الجواب ليأتيك بكل ما يمكن أن يرد حول المسألة من وجوه واحتمالات. ولقد أحسستُ بالفقد منذ ان انتقلت إلى الرياض، إذ لم يعد أبو تراب بجانبي أو قريباً مني. وقد كان من ديدني حينما كنت في جدة أن اتصل به هاتفيا في منزله كلما مرت علي قضية لغوية تحتاج إلى تحقيق، وكنت أركن إليه في مهمات كهذه، وأجده يهب للمساعدة هاشا باشا وفرحا جذلا، ويوفر عليّ وقتا في البحث، وأتفرغ أنا لشغلي الذي أنا فيه ضامناً ومطمئناً إلى ان عالماً متبحراً قد كفاني مهمة التحقق والتثبت، ويأتيني جوابه هاتفيا ساردا المراجع والروايات، وكمثال على هذا كنت أعمل مرة على فكرة تتعلق بمفهوم البنية الدلالية في البيت الشعري، ورأيت أن البيت الذي يقول:

الناس للناس من بدو وحاضرة

بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم

يخدم فكرتي كمثال، وكنت أكتب عن بنية البيت، معتمدا على ذاكرتي في حفظ البيت، ولم أكن أتذكر قائل البيت، ولم أكن على طمأنينة تامة من دقة الرواية، مما قد يوقعني في افتراضات خاطئة، وكان عندي خياران، إما أن أشرع في النبش في كتبي وما أظنه من مظان البحث عن البيت، أو ان اتصل بالشيخ أبي تراب، واخترت الاتصال به، وهو الذي فرح بمكالمتي له وفرح بالسبب الذي جعلني أتصل به، وقد أبلغته عن فكرتي حول بنية البيت وتركيبته التي تساعد على تصور مفهوم البنية وشرح هذا المفهوم للقراء، واحتاج إلى الاطمئنان على الرواية ومعرفة القائل، وقد تولى المهمة عني وأخذ في البحث ليتصل بي بعد يوم، ويبلغني انه عثر على قائل البيت، وهو أبو العلاء المعري، وحدد لي موطن البيت ومرجعه، كما انه صحح لي الرواية، وقد كنت أظنها: الناس بالناس.

ثم عاد ليتصل بي مرة أخرى بعد يومين ليقول لي عن روايات أخرى وردت عن البيت في كتب متفرقة.

هذه قصة واحدة من قصص كثيرة، تشمل مسائل في اللغة والفقه والشعر. وله معي قصص أخرى فيها مواقف نبيلة، سوف أحكي عن بعضها، في سلـــــسلة حلـــــقات "حكـــــــــاية الحداثة" حينما أعود إليها، بعد الصيف - إن شاء الله -.

أخلص من هذا إلى القول إن رجالاً من مثل أبي تراب الظاهري هم لنا ذاكرة عظيمة ومهمة، ولا يستقيم بحثنا وعملنا إلا بوجود حلقات متشابكة، فهذا يسد لك باب المرجعية اللغوية ومشكلات الرواية والتحقيق، وذاك يبحث وينقد.

إن فقدنا لأبي تراب هو فقد لنموذج علمي تراثي، وهو فقد لنموذج في الأريحية العلمية، خاصة في محبته للمساعدة وتدعيم الباحثين وتسهيل مهماتهم البحثية، ولم يكن يبخل بشيء من ذلك قط.

وهو مع أريحيته هذه غير المحدودة إلا انه في الجدل العلمي يتحول إلى أسد هزبر لا يهدأ به بال إذا ما تعارك علمياً مع أحد، وله في هذا باع كبير وعميق ومعاركه مشهورة في صحافتنا، وقد كان أحد أطراف معركة "جيم جدة" وشارك في تأليف كتاب عنها. غير ان ما يخصني منه هو الصداقة والتعاون والتقدير المتبادل، ولقد كانت أيامنا معه خير الأيام وأثراها. رحمه الله وأثابه خير الثواب.