• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 2606 أيام , في الأثنين 21شعبان 1428هـ
الأثنين 21شعبان 1428هـ - 3سبتمبر 2007م - العدد 14315

الميثاق الوطني اللبناني

منح الصلح

    لبنان ليس بلد الطوائف تجتمع فيه فيكون الوطن، بل لبنان هو أولاً هويته الوطنية. انها الهوية الوطنية في الطوائف المتعددة، والميثاقية هي ان يكون الوطن في الطوائف أكثر مما هي الطوائف في الوطن.

لبنان والعراق وفلسطين أوطان ثلاثة تبدوفي عين الخارج والداخل معرضة لرياح التغيير لا سمح الله بيد الخارج القادر عربياً او دولياً، فهذان اي الخارج الدولي والآخر العربي هما الوحيدان القادران على تقديم اي عون حيوي لهذه الاوطان الثلاثة التي كان كل واحد منها في زمن اوآخر من طلائع الامة، وصورة واعدة لغد الشعوب وانجازات النخب.

اما الان فلبنان والعراق وفلسطين موضوع كل منها في ما يشبه غرف العناية الفائقة ينتظر الوصفات التي لا يمكن ان يقدمها له من العرب الا احدى دولتين المملكة العربية السعودية ومصر أو كلتاهما معاً.

بالامس البعيد لعبت الدولة العثمانية ومصر الخديوية دور الدماغ والعضل للمنطقة العربية. والان رغم الوجود الرمزي والمفيد لجامعة الدول العربية كمؤسسة مشتركة لكل العرب تبقى القاهرة والرياض هما دماغ المنطقة وعضلها.

في فترة محددة ظهر لبنان البلد العربي الشرقي مرشحاً ذاته بطموح لأن يلعب في منطقته دوراً يفوق حجمه الجغرافي ولكنه حلم وانقضى الى حد بعيد وان عاش زمانا مع فجر استقلال لبنان حلماً آمن فيه الوطن الصغير بحق انه قادر على انجاح تجربة شرقية غربية تقوم على دستور معنوي الطابع مدني الهيكل اسمه الميثاق الوطني اللبناني، حقق به لبنان في فترة زمنية محددة نقلة مهمة من عتبة الاستعمار المغلف بالثوب الانتدابي الى أنوار الاستقلال والعزة والتعاون العربي.

ولعل لبنان منذ زمن بعيد لم يتعرض بعنف لهزة كيانية كالتي يمر بها الان تكاد تكون مختلفة بالكامل عنها في فجر الاستقلال حيث الانقسام العمودي الاساسي فيه هو الاسلام الواحد في جهة والمسيحية الشرقية في جانب آخر الامر الذي كان يمكن ان يكون صيغة منشودة لولا التعذر والتشتت في الجانبين على ما يظهر الآن.

وقلّ ان ارتبط وطن بعهد مكتوب يشرح قصة وجوده ويعكس مكوناته البشرية ويطرح مشكلاته ويلخص تجاربه كما هي الحال بين لبنان وميثاقه الوطني عام 1943.يوم كتب هذا الميثاق، ويوم قرئ بياناً وزارياً لحكومة الاستقلال الاولى ويوم عوقب أصحابه بالسجن في راشيا، ويوم انتصر السجين على السجان مؤشراً لولادة الوطن المستقل العربي الديموقراطي المعاهد نفسه ان لا يكون للاستعمار مقراً او ممراً الى اخوانه العرب بل وطنا عربي الوجه مستقلاً سيداً حراً، وما الوجه هنا كما عرفه صاحب البيان الا الحقيقة والدور.

اثنان أخذا مسؤولية القرار بشارة الخوري رئيس الجمهورية ورياض الصلح رئيس الحكومة ومعهما الأكثرية النيابية.

في البدء كانت الكلمة، البيان الوزاري لحكومة الاستقلال الاولى، والكلمة صارت الميثاق الوطني اللبناني الصانع الثالث بعد الرجلين لولادة لبنان المستقل.

ان الميثاق الوطني اللبناني هو - تعريفاً - عهد تاريخي يأخذه اللبنانيون بمكوناتهم كافة الوطنية والثقافية والمدنية والطائفية، بان يعيشوه مرآة لوجودهم التاريخي وتطلعاتهم المستقبلية ونطاق ضمان لحرياتهم ولحقوقهم كافة كأفراد وجماعات. وقد جربوه فأرضاهم ممثلاً لذاتهم الجامعة، مفتوحاً على أحلامهم به ومعه، بنوا استقلالهم ومنه انطلقوا في منطقة عربية هم منها وهي منهم. هذا هو الميثاق الوطني كما فهمه واضعوه عام

1943.ولدت كلمة الميثاق - الكلمة المفردة - أول ما ولدت كدعوة الى المساكنة الودية بين الوجود الانتدابي الفرنسي وأصحاب الظن الحسن به من اصدقاء فرنسا التاريخيين في لبنان وذلك بعد ان بدأ يتضح للبنانيين متكاثرين باستمرار ان فرنسا هي غير فرنسا العهود والوعود حتى ان البطريرك الحويك لم يتردد في أن يقول بعد دخولها لبنان بفترة قصيرة: "ان فرنسا كالشمس تنير من بعيد وتحرق من قريب" مشجعاً بذلك معارضي الانتداب سواء في لبنان او سوريا على التفاؤل بامكانية الاستقلال قبل أن تتضخم كرة الثلج الغربية كثيراً. ويتمكن الاحباط بصورة متزايدة وشبه حاسمة.

مع تنامي صوت المطالبة الشعبية بالاستقلال وتنامي اليسار في فرنسا وتكاثر عدد المثقفين الوطنيين في لبنان من الكتاب وأصحاب المهن الحرة وخصوصاً المحامين أخذت كلمة الميثاق المفردة تنتشر في الأوساط اللبنانية كضرورة لضبط وتحديد اي نوع من الاستئثار الفرنسي بالسلطة، خصوصاً وان الانتداب قدم نفسه للبنانيين وللعالم على انه قد جاء كحاجة عند اللبنانيين وليس صيغة تحكم استبدادي على الطريقة العثمانية السابقة، خاصة وان الانتداب لغوياً وقانونيا شيء والاستعمار شيء آخر.

من هنا برزت كلمة الميثاق، أول ما جاءت على لسان لبنانيين معتدلين سياسياً على انها اختبار نيات للسلطة الانتدابية. ووسيلة لبنانية في مخاطبتها لا تستطيع فرنسا الاعتراض الصريح عليها.

لم يكد يمضي وقت لينكشف الانتداب على حقيقته وضيقه بأي مساءلة فيضطر حتى اصدقاؤها كالمحامي والاديب اللبناني "المتمصر" يوسف السودا الى انشاء حركة سياسية سماها "الميثاق" بمعنى الاعتراض على فوضوية التصرفات الانتدابية وضرورة التزامها وعودها للبنانيين.

بدت كلمة الميثاق هكذا كحوار عاتب من اصدقاء لا تستطيع فرنسا إلا السماح به. ولكن شواهد من التطرف الفرنسي داخل لبنان وسوريا كانت قد أقفلت الباب أكثر فأكثر امام كل كلمة هادئة لتعلو في الساحة أصوات الزعامات الاشد صرامة وخبرة في التعامل مع اطماع الانتداب والاكثر قدرة على تحريك المشاعر الشعبية.

وكما تسقط الثمرة الناضجة من الشجرة القوية المتغذية بحرارة الشمس ولسعة الليل، ولد البيان الوزاري من خبرة رياض الصلح بآلام الوطن والامة ومعرفته بمشاكلها وأشواقها. كانت بيئة رياض الصلح السياسية الغنية بالتجارب الى جانب أبيه المتنقل بين اطراف الدولة العثمانية مقيما العلاقة مع نافذي اليوم والغد وثواره كما كانت عند اقامته في دمشق في المرحلة الفيصلية الى تزوير الانتخابات ضده في لبنان في العهد الانتدابي، مراحل وشدائد كونتا منه رجل دولة يملك الحس التاريخي والاهلية المطلوبة لتزعم خطوة تنتظره ناضجة في زمانها ومكانها لخلع الانتداب بقوة مدخل الى السيادة اسمها البيان الوزاري لحكومته.

لقد جاء البيان يعلن ولادة مرحلة جديدة من تاريخ لبنان.. كان ما جاء فيه أوضح من ان يرى بالعين المجردة فسمي بدستور لبنان غير المكتوب. والمكتوب هو كل شيء، وسمي بالميثاق غير المكتوب، وهوالمكتوب بأصرح الالفاظ واوضح المعاني.

في جلسة تلاوة البيان كان واضحا ان الصلح يخاطب الوطن والامة والتاريخ الحي في نفوس البسطاء اكثر من مخاطبته للنواب فقط.

"لن يكون لبنان للاستعمار مقرا او ممراً. لبنان وطن عربي الوجه يستسيغ الخير النافع من حضارة الغرب" فهو يرفض صراع الحضارات.

حرك هذا الكلام في كل لبناني حس الدور الطليعي القديم الذي لعبه مسيحيوه ومسلموه في نهضة العرب.

وشكّل البيان الوزاري في جدته النضرة روح الميثاق الوطني وجسده .وجاءت المواجهة للاستعمار قضية لبنانية كفيلة لأن تجمع وراء لبنان كل العرب فهو يخاطب هذه الامة كما يخاطب اللبنانيين.

كان لمشروع الزعيم الشاب الواعد للشارع الوطني التقليدي لمدينة بيروت ان يتكشف بالاضافة الى جانب الزعيم الوطني المعارض عن رجل من نوع جديد يجمع ولا يفرق ويخاطب اللبنانيين بمخاطبة أفضل ما فيهم وليس ماهم فيه ولعله كان يستحضر في ذهنه محنة الهاشمي فيصل بن الحسين في دمشق حيث الفشل في الخطاب وهروب المنبر من تحت رجل جعل الهزيمة السياسية في دمشق فاتحة المأساة التاريخية في ميسلون وغير ميسلون من وقائع تلك المرحلة وما بعدها.

هل حرم فيصل الهاشمي سوريا من دورها الطليعي المتاح في تاريخ العرب الحديث لانه فشل في دمشق في ان يقدم لها ميثاقها الوطني الذي كان ينقصها لتكون طليعة العرب.، وهل يكون الميثاق الوطني اللبناني الذي حلم به رياض المصلح مع بشارة الخوري وكلمة العهد الاستقلالي كما كان يفسر بها احيانا الميثاق الغامض هي الاقوى لترشيح لبنان لدور الطليعة في الحياة العربية بهذا المعنى او ذاك؟

اين لبنان بين الدول العربية من مصر، واين هو من المملكة العربية السعودية، واين هو من عراق الماضي والمستقبل، بل اين هو من غيرها ايضا مما يمكن ان نذكر من الاوطان الكبيرة والمهمة. ولكن مع ذلك يبقى لبنان من بعض النواحي صاحب حق في أن يتصور نفسه طليعة مثلما رشح نفسه لها منذ عهد الاستقلال الاول.

فلبنان من بعض النواحي، في عين نفسه على الاقل، ذو مكان حلم به منذ العام 1943بل من قبل، يجعله قادرا على ان يكون وطنا عربيا من نوع خاص يشكل اضافة في الحياة العربية ببعض مافيه وبعض ما يطمح به لنفسه ولغيره.

لبنان ليس بلد الطوائف تجتمع فيه فيكون الوطن، بل لبنان هو أولاً هويته الوطنية. انها الهوية الوطنية في الطوائف المتعددة، والميثاقية هي ان يكون الوطن في الطوائف أكثر مما هي الطوائف في الوطن. الميثاقية هي الوطنية في الطوائف والثقافات لا الطائفية او الطائفيات في الوطن. وقاعدة الاستلهام والقرار لكل صيغة سياسية ولكل عمل ليكون مشروعاً هي الناس ومعطيات الواقع فلا مشروعية لأي صيغة سياسية او عمل سياسي او حق بقرار خارج ارادة الناس ومعطيات المجتمع.

بين انجازات السهل الممتنع في لغة الميثاق ومتاهات الضياع والعجز والتصعيد في البيانات السياسية الحالية المتضاربة للطوائف والمذاهب تشعر الاجيال الحالية من اللبنانيين وكأنها تسير في ليل ليس فيه مصابيح لا في الاقوال ولا في الأعمال.



عفواً هذه الخدمة متاحة للأعضاء فقط... يرجى تسجيل الدخول أو اضغط هنا للتسجيل
احصل على رابط الخبر عبر رمز الإستجابة السريع QRcode


التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق ..

عدد التعليقات : 1
ترتيب التعليقات : الأحدث أولا , الأقدم أولا , حسب التقييم
عفواً ترتيب التعليقات متاح للأعضاء فقط...
سجل معنا بالضغط هنا
  • 1

    كان الوضع ابتداءا وواقعا هو استئثار فئة من المسلمين بالسلطة ضمن نظرة دونية للفئة الأخرى. نعم لبنان ليس بلد الطوائف تجتمع فيه فيكون الوطن، بل لبنان هو أولاً هويته الوطنية ولكن يجب أن يشعر المواطن بالعدالة والمساواة وأن تكون هناك شواهد محسوسة لما يقدمه الوطن للمواطن ماديا ومعنويا لتتعزز بذلك الهوية الوطنية.

    باجس رميح (زائر)

    UP 0 DOWN

    11:11 صباحاً 2007/09/03



مختارات من الأرشيف

نقترح لك المواضيع التالية