• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 2534 أيام , في الخميس 10 شعبان 1428هـ
الخميس 10 شعبان 1428هـ - 23أغسطس 2007م - العدد 14304

ضد القصة

النخلة على الجدول

عبدالله باخشوين

    حين يأتي ذكر الروائي السوداني الكبير الطيب صالح.. لا أستطيع ان اخفي اعجابي الشديد بكل ما كتب بل أنني - دائماً - اعتبرته أحد أساتذتي الأوائل الذين فهمت عن طريق إبداعاتهم الكثير من جماليات الكتابة وفي وقت مبكر تمنيت ان يكتب لي مقدمة مجموعتي القصصية الأولى وسعيت لذلك بالفعل ففي عام 1975م حملت قصصي الأولى إلى قطر التي كان الطيب يعمل فيها. وذلك خلال زيارة صحفية سريعة كنت فيها ضمن الوفد الصحفي المرافق لسمو المرحوم فيصل بن فهد للتنسيق لدورة الخليج التي أقيمت هناك فيما بعد.

وبعد الاتصال به في منزله عدة مرات.. لم تستوعب معرفتي بالإنجليزية من رد الزوجة أو الخادمة التي حدثتني بها أكثر من ان الرجل عاد لتوه بعد رحلة طويلة وهو نائم وانتهت الزيارة القصيرة قبل ان أتمكن من رؤيته أو الحديث معه.

وبعد ذلك بسنوات كثيرة أدركت أو فهمت ان الطيب صالح قدم للعربية أعمالاً من ذلك النوع الذي عرفناه - فيما بعد - عن طريق أدب أمريكا اللاتينية تحت اسم "الواقعية السحرية" فكتبت شيئاً بعنوان:

- الطيب صالح والواقعية السحرية..!!

وكنت أتمنى ان يكتب عنه متخصص ليصنفه ضمن هذا التيار العالمي الكبير.. غير ان هذا لم يحدث وبالعودة لأعمال هذا الفنان الكبير.. تطفو للذاكرة بعض أحداث عمله الكبير الأثير "بندر شاه" الذي صدره بأمثولة تقول: "عن كون الأب ضحية لابنه وأبيه".. حيث تتحدث الرواية عن الشخصية الاسطورية للجد وعالمه وعوالمه الغرائبية.. حيث نجد صنوه أو مثاله في الحفيد.. فرغم ان أبناء الجد أحد عشر رجلاً إلاّ أنه يورث هيبته ومكانه ومكانته للحفيد الذي يصبح أداة جده الحقيقية.. وفي حضرة الجد كان يحمل "السوط" ليضرب بقسوة والده وأعمامه منزلاً بهم العقاب المناسب.. فيما الجد متصدراً مجلسه يراقب ما يحدث بارتياح واعجاب أو كما يقول المغني اليمني: "وهو كالبدر تاكي فوق ذا المنبر".

طبعاً لا نستطيع ان نغفل حقيقة ان جميع أعمال الطيب صالح تنتمي لتيار "الواقعية السحرية" بدءاً ب "عرس الزين" و"موسم الهجرة إلى الشمال" و"بندر شاه - مريود".. فهي جميعاً تنطلق من خصوصية المكان الذي تمتد بيئته وشخوصه عبر كل ما كتب تقريباً.

كل هذا العالم الثري.. قد نجد مخاضه الأول في قصة قصيرة هي الأولى التي نشرت له تحت عنوان "نخلة على الجدول" قبل ان تدوي شهرته عن طريق الناقد رجاء النقاش الذي بكر في الاشادة بهذا الكاتب وعرف القارئ العربي على انطلاقته الأولى.

"نخلة على الجدول".. جاءت بمسماها شبه التقليدي فلم يلتفت لها أحد حينها.. لأن "النخلة" كانت تتمثل في:

- عيناك غابتا نخيل ساعة السحر.. المطلع الشهير لقصيدة أنشودة مطر بدر شاكر السياب وفي: "نخلة الله" عنوان الديوان الأول للعراقي حسب الشيخ جعفر.

وفي "النخلة والجيران" لأشهر روائيي العراق غائب طعمة فرمان وهي ضمن الموروث التقليدي الذي تبدأ بخصوصية دلالته - لدينا - من شعار المملكة.. وكثير من الأمثلة الشعبية.. ويعتبر وجودها في حديقة المنزل من الشروط الأساسية لضمان وصول ماء الري لأي بيت في العراق.

وهي في أغاني مثل "فوق النخل" لناظم الغزالي.. و"يا نخلتين في العلالي" التي لا أدري من كان يغنيها.. لذا ربما كان على "نخلة" الطيب صالح ان تنتظر مرور "عرس الزين" عبر مجلة "حوار".. وربما كان على عوالمه الروائية ان تبقى غير مكتملة.. في تأكيد على حقيقة ان معطيات الواقع الذي استمدت منه هو واقع يتشكل ويتطور ويتحول بطريقة لم يعد الطيب صالح قادراً على استلهامها وفق الشروط الفنية والإبداعية التي انطلق منها وتطور باتجاه حالة صوفية خاصة.



عفواً هذه الخدمة متاحة للأعضاء فقط... يرجى تسجيل الدخول أو اضغط هنا للتسجيل
احصل على رابط الخبر عبر رمز الإستجابة السريع QRcode



مختارات من الأرشيف

نقترح لك المواضيع التالية