نشر كتاب بلاغات النساء، لابن طيفور (ت280ه)، للمرة الأولى في بدايات القرن العشرين 1908م. وقد ظهرت له نشرات أخرى بعد ذلك متعددة. هذا الكتاب يمثل في الأصل قسما خاصا من أقسام كتاب كبير للمؤلف عنوانه المنظوم والمنثور. وهو كتاب شبه موسوعي عن النظم والنثر يتألف من أربعة عشر جزءاً، وإن كان لم يصلنا من أجزاء هذا الكتاب غير ثلاثة أجزاء، أحدها هو بلاغات النساء موضوع هذا البحث. ما يلفت النظر هو اختيار المؤلف في تلك الفترة (القرن الثالث الهجري)، أن يفرد قسما خاصا لما حفظ من أقوال النساء وأن يجعل عنوانه بلاغات النساء. وقد ذكر في مقدمة هذا القسم "هذا كتاب بلاغات النساء وجواباتهن وطرائف كلامهن وملح نوادرهن، وأخبار ذوات الرأي منهن على حسب ما بلغته الطاقة واقتضته الرواية واقتصرت عليه النهاية مع ما جمعنا من أشعارهن في كل فن مما وجدناه يجاوز كثيرا من بلاغات الرجال المحسنين والشعراء المختارين".

إن النظر في الكتاب في إطار العصر الذي ألف فيه، يستدعي إلى الذهن المقارنة بالكتب التي ألفت في ذلك العصر(القرن الثالث الهجري = التاسع الميلادي) وورد الحديث فيها عن النساء. ومن المعروف أن عالمين مشهورين من معاصري ابن طيفور هما الجاحظ (ت 255ه) وابن قتيبة (ت 275ه كتب كل منهما عن النساء .فالجاحظ له رسالة عنوانها "النساء"، وصلت إلينا منها شذرات، وله رسالة أخرى عنوانها "القيان"يتصل موضوعها بالقيان، تعرض لفئة خاصة من النساء. من خلال ما وصل إلينا من هاتين الرسالتين يتبين معظم ما يدور فيهما يتصل بعلاقة الحب وبالأخبار الطريفة المتصلة بالزواج والجنس، وتنفرد رسالة القيان بالإشارة إلى خداع القيان ومكرهن رسالة القيان . أما ابن قتيبة فقد جعل ضمن أجزاء كتابه عيون الأخبار جزءا خاصا بالنساء عنوانه "كتاب النساء".و النظر في هذا القسم يبين انه يدور حول الزواج والطلاق، والأخبار الطريفة عن النساء، والفكاهات المتصلة بالجنس. لكن كلا المؤلفين يختلف عن ابن طيفور في أن هذه الأقسام التي تحمل عناوينها اسم النساء لا تتصل ببلاغة النساء، وإنما هي تدور حول الجسد عموما، وجمال النساء والزواج والطلاق، وأخبار النساء الطريفة، وفكاهات متصلة بالجنس.

يمكن القول بأن كلا من الجاحظ وابن قتيبة لم يهملا تماما كل ما يتصل بالنساء من قول أدبي في الشعر أو النثر، ولكنهم مثل معظم المؤلفين في ذلك العصرلم يفردا له قسما مستقلا. وقد أورد الجاحظ في مواضع متناثرة من كتبه عددا من الأقوال أو الأخبار الجادة للنساء، وقطعا من النصوص البلاغية، وكذلك فعل ابن قتيبة. لكن لم يجعل أي منهما هذه النصوص في قسم مستقل بالنساء. ولقد حذا هذا الحذو بعد ذلك ابن عبد ربه في كتابه العقد الفريد. فالقسم الخاص بعنوان النساء يحمل أخبارا وطرائف تتصل بالجمال والزواج والطلاق والجنس. أما خطب بعض النساء، وأقوالهن البليغة، فهي ترد متناثرة ضمن ما يجانسها من خطب أو أقوال في أقسام أخرى من الكتاب. (عرضتُ لهذ النواحي في موضع آخر).

إن هذا يدعو للتساؤل حول ما جعل ابن طيفور يفرد النساء بقسم يتصل بالأدب، يدعوه بلاغات النساء. وحقًا إن معاصره البحتري (ت 284ه)أفرد في كتابه الحماسة بابًا لأشعار نساء في المراثي جعل عنوانه "في مختار أشعار لجماعة من النساء في المراثي". لكن البحتري لا يبدو في كتابه معنيا بصفة خاصة بشعر النساء، وإنما هو معني بهذه المختارات من المراثي .أما ابن طيفور فيظهر من المقدمة القصيرة لهذا القسم، أنه قصد قصداً أن يفرد قسما خاصا من كتابه الكبير المنظوم والمنثور ليضم أنواعا مختلفة مما انتهى إليه من نصوص للنساء في الشعر والنثر، وأن يضم إلى هذا أخبار ذوات الرأي منهن، وكذلك جانبا من الملح والطرائف المتصلة بالنساء. وقد ذكر في المقدمة أن بعض نصوص النساء المختارة له قيمة تتجاوز بلاغات كثير من المحسنين والشعراء المختارين. فهو يقول عما انتخبه من هذه النصوص في كل فن أنه "مما وجدناه يجاوز كثيرا من بلاغات الرجال المحسنين والشعراء المختارين". هنا منذ المقدمة يسبغ ابن طيفور على هذه الطائفة من النصوص التي أوردها للنساء قيمة عالية من خلال جعل المعيار لها كونها تتفوق على نصوص مشابهة في الشعر والنثر من "بلاغات الرجال المحسنين والشعراء المختارين". فهل كان يعبر هنا عن رأي طائفة من الرواة الذين تناقلوا هذه النصوص من قبل، أم كان يعبر فقط عن رأيه الخاص.

يتبين من النظر في محتوى الكتاب أنه يتألف من خطب وأقوال وأخبار وشعر وطرائف يجمع بينها كلها أنها ذات صلة وثيقة بالنساء، فهي إما نصوص نثرية أو شعرية تنسب إلى النساء، أوهي أخبار يدور محورها حول النساء ليشير إلى إجابة معينة أو قول معين .وتجدر ملاحظة أن زمن هذه النصوص غالبها يتراوح بين الجاهلية والقرن الأول الهجري، لا يكاد يتجاوز ذلك إلا قليلا. من ثم فالكتاب يخلو من أي ذكر لشعر القيان في عصر المؤلف أو قبله بقليل وقد كان شعر القيان معروفا آنذاك، وقد أورد ابن المعتز وهو معاصر له (ت296ه) ضمن كتابه طبقات الشعراء جانبا من أشعار القيان. هناك كثيرا من الشاعرات القيان في القرن الثاني والثالث ورد ذكرهن عند ابن النديم، وعند المرزباني، وعند أبي الفرج في كتابه المشهور الأغاني.

يدفع هذا إلى التساؤل أحدث هذا عمدا ؟ ذلك أننا نجد في باقي فصول الكتاب (المنظوم والمنثور) ضمن مختاراته قصائد لشعراء محدثين أو معاصرين مثل قصيدة ابن أبي كريمة، وقد وصفها بأنها "لم يقل أحد في معناها قديما ولا حديثا.."، (ينظر: المنظوم والمنثور - القصائد المفردات التي لا مثيل لها، تحقيق: محسن غياض، 1977، ص97). فهو لم يكن ممن يقفون ضد الشعر المحدث. أكان ابن طيفور حريصا أن تكون بلاغات النساء تنتمي إلى العصر القديم وحده.؟ أم أن هذا حدث لأنه لا نكاد نجد مرويات أو ذكرا لأقوال النساء (خاصة في النثر) إلا في العصرالقديم (ماقبل الإسلام - إلى نهاية القرن الأول الهجري تقريبا). نجد هذا في كتابات ابن قتيبة والجاحظ وغيرهما. يلفت النظر في الكتاب أنه لا يحمل أية مرويات أو أخبار تتضمن هجوما على جنس النساء أو سخرية من النساء. مثل هذه المرويات نجدها تردد في كتب أخرى لمؤلفين معاصرين لابن طيفور. ونجدها تتكرر في قرون تالية. أكان المؤلف يتعاطف مع النساء.؟أم أن جانبا من الثقافة العربية في زمنه وقبل زمنه لم يكن يقف ضد النساء، ولم يكن يعمد لإقصائهن عن جانب الوصف بالبلاغة.

يلفت النظر أن المؤلف اختار لعنوان الكتاب صيغة الجمع "بلاغات"وليس المفرد "بلاغة"، أكان هذا متعمدا ليشير إلى تعدد أنماط البلاغة في الكتاب من الجد إلى الهزل، ومن الشعر إلى النثر، ومن الخطب التي تحمل طابعا سياسيا إلى الجواب الموجز، أم أن هذا كان مجرد إشارة إلى تعدد النساء اللاتي يحمل الكتاب كلامهن وأخبارهن؟ من العسير القطع بمقصد المؤلف من اختيار العنوان وهو لم يترك لنا أدنى إشارة تحدد ما أراد. لكن طبيعة موضوعات الكتاب تجعله يحتمل الناحيتين. ولعل القارئ (أو القارئة) الذي يقرأ عنوان الكتاب، بلاغات النساء، يتبادر إلى ذهنه أنه سيكون كتابا خالصا للموضوعات الجادة ؛فالبلاغة ترتبط في أذهان الغالبية منا بكونها تتصل بالنواحي الجادة في الحياة. لكنه المطلع (أو المطلعة) على الكتاب يجد أنه ليس خالصا للموضوعات الجادة فهو يتناول قسما غير قليل من الأخبار التي تتسم بالطرافة، وجانبا ملحوظا من الأخبار والأقوال الهزلية أو الأقوال التي يغلب عليها المجون. وجدير بالذكر أن بعض الناشرين أو المحققين بعد النشرة الأولى أسقطوا من الكتاب عامدين جانبا من الفصول التي حوت مجونا. ولكن الكتاب لا يبدو في هذا نشازا على طبيعة التأليف التي شاعت في ذلك العصر في الأدب من تناول الموضوعات الجادة إلى جانب الموضوعات الهزلية. يحدث هذا في الشعر كما يحدث في النثر، فأبوتمام مثلا في مختاراته في الحماسة أفرد جانبا للأشعار الهزلية، والمقطوعات الماجنة. وكتب الجاحظ تقدم نموذجا واضحا للمزج في الكتاب الواحد بين الموضوعات الجادة والهزلية أو المجونية. وقد يتبادر أيضا إلى ذهن القارىء من عنوان الكتاب أنه يتسم بلغة أدبية تماثل لغة الأدب االرصين المعاصر له. لكن الاطلاع على الكتاب يبين أن لغة النصوص النثرية فيه متفاوتة فبعضها يبدو مماثلا للغة الأدب الرصين في ذلك العصر، وبعضها يبدو مماثلا للغة السرد البسيطة القريبة من لغة الحديث في بعض كتب السيرة أو بعض القصص الشعبي. وكذلك الأشعار في الكتاب فبعضها يبدو من عيون الشعر(ورد في مصادر أخرى قديمة على أنه من عيون الشعر)، وبعضها يبدو هزليا أو ركيكا. وتمكن الملاحظة هنا أن الكتاب يمثل نموذجا من التأليف المتداول آنذاك والذي يعتمد اختيار النصوص الأدبية وجمعها طبقا لزاوية رؤية معينة. كما يجدر القول هنا أن غالبية النصوص المشار إليها في الكتاب إن لم يكن جميعها هي نصوص شفوية. فهي إما خطب، أو حديث إلى شخص أو جماعة، أو حوار مع شخص آخر، أو خبر يتضمن في ثناياه بعض أقوال للنساء. ويخلو الكتاب من ذكر نصوص نثرية مكتوبة مثل رسائل للنساء أو مؤلفات، أو توقيعات. وقد كان هذا النمط من نصوص المرأة المكتوبة موجودا في زمن المؤلف وقبل زمنه، فقد نوه بعض القدماء بتوقيعات أم جعفر زبيدة بنت جعفر زوجة هارون الرشيد، كما ذكر بعض القدماء أن سعيد بن حميد الكاتب كان يقول عن فضل الشاعرة أنها هي التي كانت تكتب رسائله الأدبية "ما رسائلي المدونة عند الناس إلا من إنشائها".

يتبع