ليس قولاً جديداً أن أندريه "تاركوفسكي" من أبرز مخرجي الروس في العصر الحديث، بل ومن أبرز المخرجين الذين مروا على السينما التي يتجاوز تاريخها القرن وبضع سنوات، هذه المكانة التي شغلها "تاركوفسكي" تحققت عبر أفلام قليلة، بالمقارنة مع غيره من عظماء السينما، بل ويمكن أن نحصرها عددياً في سبعة أفلام تتابعت في تكوين مقولة "السينما قبل "تاركوفسكي" وبعده".

ولد "تاركوفسكي" عام 1932م، في مدينة "زفراجيه" الروسية الواقعة على ضفاف نهر الفولغا، ابناً للشاعر الروسي "أرسيني تاركوفسكي"، حيث أبدى اهتماماً مبكراً بالرسم والموسيقى، ودرس العربية والجيولوجيا، وبعد أن عمل كجيولوجي في بداية حياته، كانت خطوته الكبرى في الانتساب إلى المدرسة الرسمية للسينما التابعة للدولة في موسكو، والتي كان يرأسها السينمائي البارز "ميخائيل روم". قدم من خلالها "تاركوفسكي" فيلمه القصير "القتلة" عام 1958المأخوذ عن قصة قصيرة للأمريكي "إرنست همنجواي"، ثم تبعه بآخرين وبمدة أطول وإن بقيا قصيرين، "لن يكون هناك رحيل اليوم" عام 1959م، محققاً في العام التالي "المحدلة البخارية والكمان"، والذي كان مشروع تخرجه من المدرسة.

منذ بداية حياته السينمائية كمخرج، وفي أولى أعماله القصيرة، كانت العناصر المكونة لشخصية "تاركوفسكي" في طفولته وحتى شبابه، تبدو ذات اتصال وثيق بما يقدمه. ففي فيلمه الروائي الطويل الأول "طفولة إيفان" عام 1962م، والذي لفت أنظار السينمائيين إليه في العالم بعد تحقيقه جائزة الأسد الذهبي في مهرجان فينيسيا، حكاية طفل دمرته حروب، لم تزل تنشأ بأسباب واهية في كثير من الأحيان، نجد فيها نقداً لاذعاً ومستفزاً استمر يتطور في جل أعماله اللاحقة، مؤكداً حضوره كسينمائي ذي رؤية عميقة وواضحة وخلاقة، وباعثاً لعداوة السلطات الروسية التي كانت لا تكف عن مراقبته ومراقبة كل فنان، تلك العداوة التي حدت به بعد فيلمه الرائع "نوستالوجيا" الذي حققه في إيطاليا عام 1983م، عدم العودة إلى روسيا حتى وفاته في باريس عام 1986م بمرض سرطان الرئة، ذات السنة التي حقق فيها فيلمه الأخير "القربان".

بعد سبع سنوات من عمله اللافت للأنظار "طفولة إيفان"، قام "تاركوفسكي" بإهداء السينما أحد أجمل الأفلام السينمائية "أندريه روبيلوف"، الفيلم الذي يمكن تمييزه كعمل يتباين في جملته مع "طفولة إيفان"، بورتريه عن فنان روسي أواخر القرن الخامس عشر، ودراما مجازية عن محنة الفنانين الروس، رأى فيه بعض النقاد نقداً حاداً لتأثيرات الحرب وآثارها الفوضوية على حياة الإنسانية. وأيا كانت التفسيرات التي دائماً ما تتشعب وتتباين حين الحديث عن أفلام "تاركوفسكي"، إلا أن "أندريه روبيلوف" هو عمله الأبرز والأكثر تعبيراً عن أساليبه الإخراجية ولغته السينمائية التي اجتذبت مخرجين كبار ونالت استحسانهم أمثال السويدي "بيرغمان" أو الياباني "كيراساوا". كان هذا الفيلم بحق معضلة "تاركوفسكي" الأولى مع الرقابة الروسية، التي لم تسمح بعرضه في روسيا إلا عام 1971م، مما زاده جماهيرية مضافاً إليها حصوله على جائزة في مهرجان كان.

"سولاريس" عام 1972م كان تطوراَ مثيراً لمسيرة هذا المخرج المبدع، الذي تناول رواية خيال علمي للروائي الروسي "ستانيسلاف ليم" تحمل العنوان ذاته، عن رائد فضاء فقد زوجته لكنه يجدها في وقائع غريبة على الكوكب الذي أرسل إليه من وكالة الفضاء التي يعمل فيها للتحقيق في حوادث غامضة، نقد آخر للمادية التي طغت على الإنسانية وساهمت في تلاشي القيم الروحية والأخلاقية. في "المرآة" عام 1975م، لم يزل "تاركوفسكي" يغزل على ذات المنوال، حيث يستلهم سيرة ذاتية ويقولبها في تسلسل تاريخي متميز، رجل يبدأ بمعاصرة ذكرياته مرة أخرى، عن طفولة ومراهقة أسهمت القوى الجديدة في تدمير معظمها. يربط بين ماضيها وحاضرها مرآة تقبع على جداره، وحيث أعتقد أن هذا الفيلم من أنضج أفلام "تاركوفسكي" وأجملها، إلا أن أحكام التفضيل في أعمال "تاركوفسكي"، تبدو منحازة بدون وعي بمجمل التجربة.

في عام 1979م كان "تاركوفسكي" يخرج آخر أفلامه في روسيا "المقتفي"، المقتبس عن رواية قصيرة في الخيال العلمي للأخوين "أركادي وبوريس ستروقاتسكي" بعنوان "نزهة على الطريق" 1971م، فيلم ذكي بإبداع بصري مذهل يحوز معظم مفاهيم "تاركوفسكي" الإخراجية وأساليبه الفنية. حيث يبرز مفهومه الخاص بنحت الزمن بوضوح بارز للغاية، عن قصة بعثة علمية يقودها أحد المتسللين للوصول إلى أرض تبدو عليها آثار زيارة من الغرباء -سكان الكواكب الأخرى- ومنطقة تتحقق فيها الرغبات -إشارة إلى الآمال التي يتعلق بها البشر وأوهامهم بشأن السعادة- ووقائع تلك الزيارة، ونتائجها المختلفة بالنسبة لكل فرد من أفراد البعثة.

بعد خروجه من روسيا وفي عام 1983م كان "تاركوفسكي" يحقق أحد أهم أفلامه "نوستالوجيا" عن كاتب روسي يقوم ببحث عن موسيقى القرن الثامن عشر. وفي إيطاليا بعيداً عن بلده الأم، ينجح الفيلم عبر مجازيته السردية الرائعة، في تكثيف صورة من الحنين، تجعلنا نتفهم ما الذي يدفع "تاركوفسكي" المنفي هو أيضاً إلى بلد الإلهام الديني، ذلك الإلهام الذي كان ينجح "تاركوفسكي" دائماً في تطعيم أفلامه برموزه، دون أن ترتعش بحيرة الشعر التي تطفو عليها أفلامه. في تلك الأثناء عاصر ظهور هذا الفيلم، فيلم وثائقي عنوانه "رحلة في الزمن" هو استلهام لسيرة "تاركوفسكي" السينمائية وبالأخص عن فيلمه "نوستالوجيا" حيث كان يستكشف مواقع الفيلم مع الكاتب السينمائي "توني جيورو"، هذا الفيلم الوثائقي كان بالنسبة لمعجبي "تاركوفسكي" صيداً ثميناً، حيث يوثق هذا الفيلم "تاركوفسكي" الشخص، بوجدانه وتعابيره، وكل ما جعلنا نتساءل عن هذا الرجل الأسطورة الواقف خلف هذه الأعمال العظيمة منذ "طفولة إيفان" وحتى "القربان".

بعد هذا الفيلم وفي معدل ثلاث سنوات، وهو الوقت المعتاد حتى يظهر فيلم آخر ل "تاركوفسكي"، كان آخر أفلامه "القربان" يعرض في صالات السينما، عن الرجل الذي يتخلى عن كل شيء لأجل أن ينقذ أهله وذويه من الكارثة النووية الموشكة على الحدوث. صور هذا الفيلم معه المصور السويدي الشهير "سفن نيكفست" الذي عمل مع المخرج السويدي "بيرغمان" والحائز على جائزة الأوسكار مرتين. حيث تبرز مكونات الصورة وهي تتكرر بشكل مبرر لتأكيد العناصر الأربعة، كل ذلك ومن خلال التيمة المشهورة ل"تاركوفسكي" حيث يجد الدين طريقه ليظهر في أفلامه، حيث تظهر هنا تيمة الخلاص والفداء (رمز توارتي ومسيحي بارز) مما يجعلنا نتأكد من سيرة "تاركوفسكي" الذاتية التي تؤكد على دراسته للدين -بما فيه الدين الإسلامي- كما عرف عنه.

بخلاف "نيكفست"، فقد عمل "تاركوفسكي" مع عدد من أبرز المصورين، يأتي على رأسهم المصور الروسي الشهير "فاديم يوسوف". فقد اشتركا معاً في "طفولة إيفان"، "آندريه روبيلوف" و "سولاريس"، وعندما طلب منه "تاركوفسكي" أن يصور "المرآة" رفض "يوسوف" معللاً ذلك بأنه وجد في الطابع الذاتي المتعلق بالسيرة الذاتية لنص الفيلم أمراً بغيضاً من وجهة نظر أخلاقية. فيما بعد حينما صور الفيلم "جورجي ريربرج"، قال "يوسوف" "لتاركوفسكي": "أكره أن أضطر لقول هذا يا آندريه. لكنه أفضل أفلامك".

بالنسبة لي لا أدري كيف يمكن أن أختار فيلماً ل"تاركوفسكي" لأمنحه لقب الأفضلية، فقد بقيت محجوزاً فترة لا بأس بها في منطقة "المقتفي" ومثلها في "المرآة" ومن قبلهما في "آندري روبيلوف"، وحين توقعت ألا غير، كان "القربان" منطقة حجز أخرى.

"تاركوفسكي" يربطنا على الدوام ببيت مشهور من قصيدة لأبيه أرسيني يقول "أنا أحد الذين يجذبون شبكات الصيد الأزلية".