مرت ببلادنا سنون عجاف لم يجد الناس خلالها بداً من السفر إلى الخارج طلباً للرزق، وكانت مصر وفلسطين وبلاد الشام الأخرى وغيرها من البلدان ملاذاً لهؤلاء الكادحين الذين عبروا الفيافي على الإبل أو الأقدام بملابسهم الرثة وأبدانهم النحيلة، يسوقهم الجوع ويقودهم الأمل إلى حياة أفضل، ثم عوض الله بلادنا خيراً بإشاعة الأمن والاستقرار واستخراج خيراتها فعم رغد العيش وعادت الرحلة إليها من بلاد بعيدة طلباً للرزق، وعاد أولئك الأبناء الذين تكبدوا المشاق هروباً من وطنهم عادوا إلى الرحلة ولكن في ثياب مخملية، وأبدان مثقلة باللحم والشحم، وحقائب محشوة بالهدايا والعطور وبطاقات الفيزا ونحوها، يشدهم إلى السفر طلب المتعة والراحة والاستجمام أو التجارة والعلم أو التخلص من وعثاء الراحة والحياة، أولئك من نتحدث عن تجربة شعرائهم من أبناء البادية. وكانت طلائع هذه الأسفار بعد استقرار الحياة وتنفس الصعداء من شظف العيش. فامتصت الرحلات المبكرة منها كدمات الصدام الثقافي التي أخذت في الانحسار نتيجة الترويض وعمليات التعديل وإحداث التوازن وكبح الجماح، أي عند بدء الأخذ بحياة التحضر والمدينة.

ولعل من أوائل الشعراء الذين نقلوا لنا تلك التجربة الشاعر الكبير عبدالله اللويحان وثلة من رفاقه الذين صحبوه في رحلات إلى مصر في النصف الثاني من القرن العشرين. كان أكثر ما يشدهم في مصر أشجارها الباسقة واخضرار حدائقها وألوان زهورها، مع أن أكثر ما يبهرهم هو كثرة الناس وازدحامهم وانشغال كل منهم عن الآخرين بشؤونه الخاصة، لا فضول ولا تدخل فيما لا يعنى كلا منهم.

ومن زار مصر في تلك الأيام لابد وأن يزور ثلاثة أماكن: القناطر الخيرية لجمال الطبيعة فيها، وحديقة الحيوان لمشاهدة وحوشها، وشارع فؤاد لحرارة الحياة ودماثتها، ولن اتحدث هنا عن المعاناة التي كان يتكبدها أولئك السياح مع اللباس الافرنجي وشعورهم بضرورة ارتدائه موافقاً لمقاساتهم أو مستعاراً من أصدقائهم، وبخاصة في الأيام الأولى ريثما يتم تفصيل ملابس خاصة بهم من أقمشة أحضروها معهم، ربما كان الهدف من ارتداء هذا الزي هو مجاراة الناس هناك، أو الرغبة في عدم لفت الانتباه إلى جنسيتهم حين التنقل بين أماكن الارتياد أو الظهور بمظهر تقدمي.

كان فندق ناشيونال في ميدان إبراهيم باشا في القاهرة مقر كبار الشخصيات العربية الذين يزورون القاهرة، وفيه يتجمع أتباعهم وزوراهم وعن هذا يقول لويحان:

طبيت مصر اللي به اجناس واشكال

واشتقت اولف لي بيوت جديدة

دخلت ناسيونال ياكثر الازوال

الكل منهم من ديار بعيدة

أحد يسلم ردة مالها امثال

ينشدك لين انك بعلمك تفيده

واحد إلى ما انه صدف يمه الفال

دنّق براسه تقل يقرا جريدة

ياعل راسه عن علابيه ينزال

آمين يا منشي الغيوم السديدة

في القصيدة التي يصف فيها وضع الناس في بهو الفندق، رموز نقد ومشاهد كاريكاتورية لا تغيب عن ذهن القارئ.

أما الشاعر دغش بن طلال رحمه الله فيخاطب لويحان رحمه الله قائلاً:

يابو دحيم الزين بالعين شفناه

بايسر عماد الدين باطراف رمسيس

ياما تمنيتك على شان روياه

يلبس شوال ولا يحب الهداريس

وكان الشاعران يمتدحان رجلاً شهماً اسمه على الغبيشي يتبين ذلك من رد الشاعر لويحان:

ياللي تمناني على شان روياه

ومشكل عندك كثير الهواجيس

الصيد اعرفه خابر وين مرباه

هاك الخشوف اللي ترب الطعاميس

بايسر عماد الدين (1) واقصاه وادناه

مثل المهار اللي تذب الملابس

والا الغبيشي جعل الانذال تفداه

عزيز نفس وما يحب البهانيس

ولعلنا نتوج هذه التجربة بقصيدة لويحان التالية عن شارع فؤاد:

إن مت في شارع فؤاد ادفنوني

ياطا على قبري بنات مزايين

ما عاد أكذب عقب شافت عيوني

بنات من نسل البوش والسلاطين

شفت الزهو بناعمات الغصون

ما دونها حارس على العسر واللين

أحد يدور للبضاعة زبون

واحد تفسح قاضبين القوانين

شارع به اجناس على كل لون

ما داج فيه أهل الحسد والشياطين

يا عاذل راعي الهوى ما تمون

تنقد وعنك الناس ما هم بدارين

الناس في سجات ما يسمعون

الوقت عدل ومثله الناس عدلين

ياأهل العقول الطيبة سامحوني

كل برايه يحسب العشر عشرين

وقد سارت الركبان بهذه القصيدة وعارضها كثير من الشعراء منهم الشاعر المبدع إبراهيم بن مزيد رحمه الله الذي عارض القصيدة مؤيداً لويحان ومضيفاً بعض الصور إذ يقول:

شارع فواد اللي يقولون جيناه

اللي يقول ... فيه ادفنوني

قوله حقيقة، ما روى عنه شفناه

أشهد وكل اللي معي يشهدون

سيل من العالم بالأقدام تاطاه

أجناس أشكال على كل لون

أطلب تجد واللي تبي فيه تلقاه

لا شك باصنافه يحير الزبون

راعي الغرض يقضى لزومه من ادناه

واللي قلط خطوة يقول غبنوني

ودي بهاذولا وذولا وذولاه

وش عاد لو زاد الثمن وغلبوني

لو قلت اعبر عنه بالضبط ابانساه

اغلنطست عندي وكثرت شطوني

ما عاد أميز وين دربي ومجراه

والفكر مني ضاع مير اعذروني

ووا عمري اللي راح كله مقازاه

عشت برجا وأقول كلش يهون

واثر العرب في جنة الله بدنياه

وأنا حياتي كلها في غبون

يارب تعطيني على ما اتمناه

أسعد مع اللي بالهوى يسعدون

هي انطباعات شعراء يقولون ما لا يفعلون ولكنه صدام الثقافات، والتأمل في مجريات الحياة في مجتمع مختلف.. والمعروف ان هذا النوع من الشعر إنما يصدر بغرض المفاكهة بين الشعراء في كثير من أحواله، وقد عرف الشاعران بالنزاهة والصدق وإنما تغلب على الشاعر روحه المرحة واجتماعيته المحببة في مجالس الشعر والأصدقاء. والشاعر روح شفافة تصطاد نوادر الأشياء وتثيره غرائبها، فعندما رأى الشاعر لويحان حنظلة في القناطر الخيرية ظنها بطيخة لكبر حجمها الذي يماثل البطيخ في بعض نواحي بلاده، وعندما ذاق طعمها وجده مراً فأدرك انها حنظلة فقال:

شعر مثل ينظر بالسنين التماثيل

كل يجي شعره بحسب اقتداره

من عاش ينظر بالسنين المقابيل

يذوق من عقب البرودة حرارة

الطيب يخلق مع قلوب الرجاجيل

ما هو بغي تبك التجارة تجارة

والرزق من عند الولي بالتساهيل

ما هو بالقوة ولا بالشطارة

من عاش في حيلة وكذب وتهاويل

يا سرع من عقب الطلوع انحداره

والشور ما ينفع قلوب المهابيل

كالزند وان حرك تطاير شراره

لو تامره بالعدل يعرض عن الميل

بستل على رايه بربح وخسارة

والطبع ما ينزال غيره بتبديل

مثل الجدي مرساه ليله نهاره

والحنظلة لو هي على شاطي النيل

زادت مرارتها القديمة مرارة

هذا مثل يا فاهمين التماثيل

كل يجي شعره بحسب اقتداره

@ بيت شعر يبحث عن قصيدة:

قال صاحبي: سمعت مطلع قصيدة لا يحفظ راوية من القصيدة غيره،

قلت: ما هو هذا المطلع؟

قال:

ياما حلا الجرسون لا قال: يابيه

في شقة وسط الزمالك وسيعة

قلت: لا أعلم، ولكن نوجه السؤال للقراء لعل فيهم من يحفظ القصيدة أو يذكر طرفاً منها، فهي من قصائد جيل لويحان.

@ كسرة اليوم:

الله يا مقبلات ايام

مرة وفيها الحموضية

اليوم نبكي زمان العام

ومنعاش نبكي على ذيه

                                        علي بن مدهون      

هوامش:

(1) عماد الدين: شارع من شوارع القاهرة بمصر