ولعل استعراض نماذج مهمة تمثل هذه المرحلة لأغنية رومانسية حداثية فقد نرى فيها تطور موضوعة القهر في خانة الحب المستحيل وهذا تجلى في صدمة مزدوجة لم تقع في نحيب أو نواح بل كان صوت العاطفة متعقلاً بأغنية: حكم الزمن، عبد اللطيف البناي - أحمد عبد الكريم:

"آه يا زمن/ ما بكيت وأنا طفلة صغيرة ولكن في ذا العمر أبكي

آه يا زمن/ ما شكيت من واحد غيرك واليوم غصباً علي أشكي

يا بادي النسيان/ من غيرك أتعبنا؟

كنا أعز اثنين/ تالي العمر ضعنا!

أشكي لمن؟، أبكي لمن؟

في وجهي العنوان/ وفءقَلءبك المعنى!".

وهدوء نبرة المواجهة القاسية بحنان مكبوت يمثلها قصر فقرات شعرية في أغنية: رجاءً، ابن القرى - عبد الله الراشد/1990:"أنا اللي بعيوني/ شفت منك هجر،والحين يا مظنوني/ جاي بتعتذر، أنا جرحي الخفي/ منك مكتفي، رجاءً خلك بحالك/ ما تفيد أعذارك،

ما أبي أسمع أقوالك/ ما يهمني البكي..".

وتكرُّس الشعور المركب بين صدمة الخيانة وكبرياء الوفاء في أغنية: قلبي عفا، فاخر خاطر - خالد الزايد /1993:"ما بي تجيني وتعتذر/ قلبي عفا بس والسلام،مو قصدي حبنا يستمر/ قصدي أختصر كثر الكلام،واللي انجرح في عِزِّته/ صعبة توقَّع ردِّته..،مهما الليالي حدِّته/ ما خلِّته يذوق المنام.. ليش انه من طبعه الوفا.. قلبي عفا".

ولا يغيب أن رباب تستجيب بقدر وآخر إلى المكونات الرئيسية للغناء الخليجي من بيئات بحرية كما حدث لها مع أغنية: شالوا الشراع ومليت الصبر (م. الحديبي وغ. الديكان) إضافة إلى فصيل الأغنيات الشعبية الحضرية بإيقاعاتها المتنوعة من سواحلي ودزة وبستة، فهي في هذه المرحلة لا تغيب الطابع البدوي في حسه الشمالي من الجزيرة العربية عندما تختم بموال ينطلق من أسلوب (ونة) مثلما حدث في ختام أغنية: لا تنادي (خالد المقرن - أنور عبد الله) كذلك في أغنية: وينك سألنا عليك (كلمات وتلحين:غندرة) ثم استخدام عادل المسيليم ذلك في الغناء المرسل الذي أدته ضمن مسلسل: جرح الزمن - 2002لاحقاً، وكذلك امتداد تعاونها وإيقاعات الجزيرة العربية في ضفتها الثانية وهذا ما حدث مع أغنية: خيرك لغيري، لعبد الله الفيصل وطلال مداح، على إيقاع الخبيتي، والملفت في هذه الفترة هو تسجيل رباب لأغنيات شعبية اشتهرت في السبعينيات ولعلها من مسموعاتها آنذاك: حان وقت السفر (علي القحطاني - عيسى الإحسائي) عام 1993، و ذلك ما يفسر أن تصدر إحدى شركات الإنتاج عملاً لها مشترك مع: مزعل فرحان بتناصف الشريط لكل أغنية واحدة، إلا أن أبرز ما يلفت في هذه المرحلة هو ما شدت به إبان الغزو العراقي الغاشم للكويت عام 1990فقد كتبت ولحنت ست أغانٍ في شريط: شدوا الحيل -1990،كذلك أصدرت شريطاً آخر من ألحانها وأشعار فائق عبد الجليل من أبرز أغنياته: لا للابتزاز.

  • المرحلة الثالثة، خطب التسامح والحنين ما بعد 2000:

    إن ما توصلت إليه الأغنية عند رباب بات يشكل أرشيفاً مهماً لأسباب من أهمها: تواصل التجربة، وتطور العطاء، وتفاعل الجمهور، ولعل رباب من الشخصيات التي لا تذعن لأي عراقيل كانت، وربما كان هذا الأمر قد تنبهت إليه منذ البداية عندما أخبرها الملحن خالد الزايد بأنها ستواجه حرباً عليها لنجاحها واستمرارها فيجب تحمل ذلك والمواصلة، ولعل رباب التي تعرضت لكثير من الأعباء المرهقة منها عملية القلب التي شقت جرحها من الصدر إلى البطن لم تثنها أن تغني رافضة الاحتلال ومطالبة بعودة الكويت إثر غزو جيوش صدام حسين لها، وترتب عليها حرب الخليج الثانية - 1990لاستعادتها، فقد كانت تتابع نصوص فائق عبد الجليل لتلحنها وتغنيها يوم عادت من رحلة علاج آنذاك ولم تستطع دخول الكويت لكونها تحمل جوازاً عراقياً غير أن الصحافة الكويتية بدافع الرهاب البعثي أضرت بكثير من علاقاتها مع شخصيات كانت تعيش فيها أو انطلقت من أرضها: هدى حسين وسحر حسين (الممثلتان) وخالد الشيخ (المغني والملحن) وسواهم. ورغم استقرارها في إمارة الشارقة (الإمارات العربية المتحدة) إثر عدم قبول مطار البحرين استقبالها آنذاك إلا أنها استمرت متحملة عذاب قلبها وذاكرتها الكويتية مواصلة مسيرتها الغنائية على أن حظراً رفع عن هدى حسين وأختها سحر وخالد الشيخ كذلك نوال التي نالت الجنسية الكويتية فيما لا زالت الممثلة زينب الضاحي والممثل صالح حمد (مبيريك) يقضيان عقوبة السجن المؤبد لما ثبت من تشجيع واحتفال بالنظام البعثي الذي غزا الكويت حينها. ومما يؤكد أن مسيرة رباب تتراكم ثقافياً وتتطور إبداعياً هو حالة النضج الفني العالية برغم أن الكثير من الملحنين والمغنين الكويتيين عانوا حالات اهتزاز انعكست على تجاربهم مثل سليمان الملا (مع نصوص ساهر) الذي انقطع عن تجربته الرومانسية الرائعة مع عبد الله الرويشد (أي معزة، هذا إنت، بعد اللي صار) وعبد الكريم عبد القادر (لا خطاوينا، ما أمنعك ويا ماخذ الأيام) كذلك انفراط عقد تعاون عبد الله الرميثان (مع نصوص مبارك الحديبي) ونبيل شعيل الذي أثمر روائع تجديد الغناء التقليدي (ويلاه - لعبوني، جار الزمن - خماري، البارحة - سامري) كذلك تعثر تجربة نوال بعد حجبها إضافة إلى أنها كانت فرصة استفادت منها لأن تفكر في مرحلة جديدة من مسيرتها الغنائية وهذا ما تبدى عندما كانت رباب في مرحلة انتقالية آنذاك نهاية التسعينيات فقد انطلقت نوال عام 2000لتدخل مرحلة ثانية في تجربتها ناضجة تمشي بثبات ملحوظ، وهذا الدرس إضافة إلى درس مسيرة رباب فقدته كل الحناجر النسائية التي ظهرت: ريم المحمودي وهند فيما ظلت تتكاثر أصوات نسائية ضمن الإطار الشعبي: فطومة وأحلام وسمر ومرام ولا تحيد عنه بينما يبقى الخط الثاني في تجربة الخط النسائي الحداثي رغم تعثره لأسباب خارج نطاق هذه الدراسة فهو ممثل بصوت هدى عبد الله ثم رويدا المحروقي ماشياً ببطء شديد. ويتمثل خطاب رباب مرحلة نضجها الفني وقيمتها الثقافية حيث استطاعت موضوعة القهر أن تشبع من نفضها عبر موضوعاتها الفرعية كذات سالبة: الفقد والضياع والحرمان متحولة إلى الوجه الآخر من الذات الموجبة من التسامح تصالحاً مع الذات، والحنين تذكراً لأجمل الزمن، والطموح لأمل المستقبل. ونرى تلك المشاعر متبدية في أغنيات عدة تمثل قيماً اجتماعية وسلوكية عوضاً عن كونها تمثل موقفاً ذهنياً يكشف عن تحولات الإنسان في حياته ضمن تجربته، فكيف بشخصية ثقافية مثل رباب التي بقدر ما تنعكس تجربتها الإنسانية إلا أنها تعبر كصوت (ضمير ثقافي) عن مجتمعها متخطية بعد البيئة والمكان إلى عالم عربي رحب، في أغنيات شريطها الأخير: أغلى ناسي - 2006(روتانا) مثل: حساب أيامي (صدى الصمت - حمد الخضر)،قصتي (أنور المشيري - أسامة العطَّأر)، أنا الأبدى (سعد المسلم - عبد الله الجاسم). وسنجد تجاوب رباب في أعمالها إبان هذه المرحلة يوازيه تجاوب شباب هذه المرحلة لتجارب عربية، ولعل رباب التي سجلت قصيدة: الأطلال (إبراهيم ناجي - رياض السنباطي) تؤكد جرأة على حس عربي (القصيدة بالفصحى) وتجنباً عن الوقوع في تقليد نماذج مثلما حدث مع حسين جاسم وعبد الكريم في مراحل بدايات كانت أيضاً بدايات الملحنين أنفسهم (الرقيب والمهنا والبعيجان) ولكن تأتي ثقافة التواصل لتؤكد مشتركات كثيرة لما يمكن أن تكون عليه أغنية المستقبل عوضاً بما تؤسس أغنية الحاضر، وهذا ما تجلى في تجربة الشاعر تركي والملحن طارق محمد الذي وهبته ذكرى صوتها بما سجلت لها من غنى لتجربته (ثلاثة أشرطة خليجية) التي أثرتها أيضاً حناجر نسائية خليجية مثل: نوال في أغنية:"شمس وقمر2000" ورباب أيضاً في أغنية: تذكر، التي اعتمدت على وحي أغنية: شايف البحر لفيروز في فكرة مقام العجم الذي يعبر عن حال شعور صاف وشفيف تمثلته رباب بصوتها الذي يغالب بقايا جراحه:

"تذكر لما كنا أحباب/ إنت وأنا

تذكر لما كنت تغيب/ وكنت أنا

أشتاق والثواني تمر: أطول من سنة

لما ترجع باتسامة/ أنسى نفسي لا ملامة

كل شي يغيب/ إلا انت وأنا".

ولعل انفتاح رباب على التجارب الجديدة لم يثنها عن اهتمامها بفرصة العمل مع المغني والملحن البحريني عارف الزياني الذي يشكل مذاقاً مهماً في تاريخ أغنية الثمانينيات حيث توقف عن الغناء منتصف التسعينيات فيما تفرغ للتلحين مقدماً لرباب لحناً جميلاً يكثف لحظة حنين جميلة عند رباب من شعر: سليم عبد الرؤوف:

"كل مواويلي وقصيدي/ من فَضِلء عينك

شا تصوَّر عمري دونك/ لو تودِّعني عيونك

يا طعَمء حزني وعيدي/ يا سيدي..".

ولعل تعاون رباب مع أسماء جديدة في مجموعتها الغنائية الجديدة: أغلى ناسي - 2006، امتد إلى اكتشافها ملحناً ومغنياً أعطته مساحة كبرى ليقدم لها ألحاناً ويشترك معها بالغناء هو شاب إماراتي يدعى أسامة العطَّار حيث استقرت رحالها مع شركة روتانا لإنتاج أعمالها ولعل مرحلة نضوج ولمعة رباب نعقد آمالاً كبيرة على ما ستقدمه بعد أن قطعت شوطاً كبيراً في مسيرتها، وتضعها تجربتها الجديدة بين أن تعيدها لأن تكمل أعمالاً جديدة مع ملحنين كبار مثل: خالد الزايد وغنام الديكان وأحمد عبد الكريم في ظل قدرة بارعة على استيعاب واكتشاف المواهب الجديدة مثل العطار أو أن تغني حمد الخضر ابن ملحن أثير عندها راشد الخضر. إذن، فتجربة رباب التي تجاوزت ثلث زمني من خلال عقود ثلاثة متصاعدة ومشكلة خط تواصل لا بد من أن تستوعب درسه كل المغنيات (والمغنين أيضاً) في الخليج والعالم العربي وربما حان الوقت لأن تفكر الكويت وأهلها بأن هذه الحنجرة ابنة لها وليس لها سواها، ولعل بلدا مثل الكويت يوقن أن مكمن قوته وتميزه هو هذا التنوع الإثني والاجتماعي والديني الذي انعكس على الثقافي والإبداعي بما توفر من استراتيجية سياسية واقتصادية حققت له أن يبقى منارة ثقافية مهمة ربما تمرفي مرحلة انتقال إلا أنها واعدة بكشوفات مرحلة جديدة!

ahmad_alwasel@hotmail.com